تنفيذ حكم الأعدام - حوار الدكتور م.بولوم للإخبارية

نائب عميد كلية الحقوق بجامعة سيدي بلعباس الدكتور محمد الأمين بولوم
bouloum
لـ "الإخبارية": تنفيذ حكم الإعدام بين مطرقة السند القانوني وسندان الموقف الاجتماعي

 

 أكد الخبير القانوني ونائب عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة سيدي بلعباس، أمين بولوم، في حوار لـ "الإخبارية"، أن مسألة تنفيذ حكم الإعدام سيادية تخص الدولة، التي تستطيع تجميد انضمامها لاتفاقية الهيئة الأممية المصادق عليها 1993، والانسحاب منها خصوصا وأن الانضمام غير ملزم، مشددا على أن تنفيذ العقوبة يجعل جهاز العدالة يواجه بعض الإشكالات التقنية عند تطبيق القانون، حيث أشار الأستاذ المحاضر لإمكانية مراجعة القانون المتعلق بكيفيات تنفيذ أحكام الإعدام، أو صياغة آخر يتوافق مع التطورات القانونية الجديدة ومع المعايير الدولية المتعلقة بالإجراءات والضمانات الخاصة بالمدان حين تنفيذ الحكم، موضحا أن تنفيذ العقوبة يجب أن يكون على جميع الجرائم التي تتم فيها الإدانة كجرائم المخدرات أو تزوير العملة أو التخابر أو المساس بالاقتصاد بحكم خطورتها، لأنه لا يعقل تنفيذ القانون على الجزء دون الكل، ليخلص للقول بأن تنفيذ الإعدام ليس منافيا لا للديمقراطية ولا لحقوق الإنسان.

حاورته: وهيبة حمداني

الإخبارية: عاد الجدل حول تنفيذ الإعدام بعد قضية قتل "نهال"، ما تعليقك ؟
nihel
 أمين بولوم: لا شك أن مقتل الطفلة نهال أعاد إلى الواجهة من جديد موضوعا قانونيا شائكا و في غاية التعقيد وهو إعادة العمل بتنفيذ أحكام الإعدام والحقيقة أن هذا المطلب بعد ما كان مثار جدل قانوني في السابق بين من يرى بضرورة تفعيل تنفيذ أحكام الإعدام وبين من يرى بوجوب إلغائها نهائيا من النصوص القانونية الجزائرية، حيث انتقل وتحول إلى مطلب اجتماعي لدى فئة غير هينة من المجتمع خصوصا أمام تفشي حالات اختطاف الأطفال واغتصابهم وقتلهم بطرق أقل ما يقال عنها أنها وحشية، ومن هنا أصبح حريا على رجال القانون والمختصين الاجتماعيين والنفسانيين الإدلاء بدلوهم في الموضوع خاصة عن طريق وسائل الإعلام التي يقع عليها جزء كبير حاليا من المسؤولية في إطار فتح نقاش جدي وموضوعي في نفس الوقت لأجل الوقوف على المسألة ومعالجتها بشكل دقيق .

جرائم القتل عامة وقتل الأطفال بعض الاختطاف تزداد رقعتها، كيف يتم مواجهتها في نظرك ؟
enfant
الواقع أنه من الواجب هنا الاتفاق  بداية على أن مثل هذه الجرائم لا ينبغي أن تمر مرور الكرام بل يتعين أن تواجه بحزم وعزم ودون إبطاء، وذلك باتخاذ التدابير القانونية والاجتماعية اللازمة لأجل مواجهتها، غير أن الحديث عن تفعيل تنفيذ أحكام الإعدام في الجزائر ينبغي أيضا أن توضح الصورة بخصوصه وبالتحديد الإشكالات التي سيطرحها هذا الموضوع، فالجزائر من الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لتجميد تنفيذ أحكام الإعدام منذ 1993، ولعل الخلفية وراء ذلك كانت سياسية بامتياز فلم يكن من خيار أمام الدولة في سنوات التسعينات إلا مواجهة الإرهاب بشكل حاسم، وفي مقابل ذلك كان عليها كذلك أن تواجه الكثير من المنظمات الحقوقية وبالخصوص الغير الحكومية وحتى بعض الدول التي كانت تتهم الجزائر بانتهاكها لحقوق الإنسان، ولن ننسى كذلك حتى الضغوط الاقتصادية التي كانت تمارس من بعض المؤسسات المالية الدولية والتي كانت تستعمل ملف حقوق الإنسان كمطية لفرض شروطها.

ومن هنا اتجهت الجزائر للتوقيع على هذه الاتفاقية لتدحض كل الإدعاءات الكاذبة التي كانت تساق ضد الجزائر، وهي في نفس الوقت رسالة سياسية قوية تؤكد على أن الجزائر لها رؤية ايجابية ومتقدمة للغاية من حقوق الإنسان، وهذه هي الحقيقة في الأساس التي كان الغرب يحاول إخفاءها .

تنفيذ الإعدام هل يتنافى مع حماية حقوق الإنسان كما يروج له البعض ؟

في نظري الجزائر ليومنا هذا لا زالت متمسكة بموقفها المتمثل في حماية حقوق الإنسان ودعمها، وحسبنا دليل على ذلك ما تضمنه التعديل الدستوري في 2016 من حقوق إضافية في هذا الإطار، ولا أعتقد أن هناك نية من الدولة اليوم للتراجع عن ما حققته من مكتسبات في هذا الموضوع منذ أكثر من عقدين كاملين من الزمن، إلا أن ذلك لا يمكن أيضا أن يفسر بشكل آخر فحماية حقوق الإنسان لا تعني أبدا التغافل عن تطبيق القانون أو التعامل بحزم مع المجرمين فالكثيرون يعتقدون خطأ أن الاختفاء وراء ستار الدفاع عن حقوق الإنسان سيكون مبررا كافيا لهم للإفلات من العقاب المناسب.

وفيما يتعلق بالديمقراطية ؟

انطلاقا من هنا يتعين التأكيد أيضا أن تنفيذ أحكام الإعدام لم يكن أبدا منافيا للقيم الديمقراطية، ودليلنا على ذلك أن أكبر الديمقراطيات في العالم اليوم وهي الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الرائدة في الديمقراطية لازالت تنفذ فيها أحكام الإعدام ليومنا هذا، لأن الإعدام يمثل وسيلة من الوسائل التي يعبر بها المجتمع عن رفضه لجريمة ما من جهة، وكذلك عن عدم قبوله مرتكبها ليواصل العيش داخل المجتمع من جهة أخرى، فالإعدام وسيلة يتخلص بها المجتمع من المجرم من ناحية ويتوعد بها من يفكر بالكرة من ناحية أخرى فهي وسيلة وسائل ضمان السلم المجتمعي، وهو الاتجاه الذي أبرزه لنا ديننا الإسلامي الحنيف حين تحدث عن القصاص.

هل فعلا الالتزام الدولي باتفاقيات يقف حائلا دون تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر ؟

أما بخصوص الالتزام الدولي الذي أشرنا إليه سابقا، فلا شك أن الدولة إذا ما توفرت لديها القناعة بضرورة العودة لتنفيذ أحكام الإعدام فالمسألة بالنهاية هي مسألة سيادية تخص الدولة فيمكنها تجميد انضمامها لهذه الاتفاقية كما يمكنها أن تنسحب منها خصوصا وأن الانضمام غير ملزم، لكن ما يواجه كذلك الدولة في هذا الإطار هو بعض الإشكالات التقنية عند تطبيق القانون لأن تطبيق القانون هو التزام يقع على عاتق الدولة وهذا أمر مفروغ منه، ومن هنا إذا تمت العودة لتنفيذ أحكام الإعدام فينبغي أن يطبق الإعدام على جميع الجرائم التي تتم فيها الإدانة والحكم بالإعدام كجرائم المخدرات أو تزوير العملة أو التخابر أو المساس بالاقتصاد الوطني، وهي جرائم في حقيقة الأمر لا تقل خطورة على المجتمع من جرائم خطف أو قتل الأطفال أو اغتصابهم لأنه لا يعقل تنفيذ القانون على الجزء دون الكل، ومن هنا يتجه الرأي إلى ضرورة التروي والتفكير بجدية في كيفية التعامل مع الموضوع خاصة وأن هناك أيضا من ينتقد اتجاه المشرع إلى عقوبة الإعدام في بعض الجرائم التي لا تتناسب في حقيقة الأمر مع العقوبة.

هناك أصوات تنادي بتنفيذ العقوبة، ما رأيك كقانوني؟

  أما بخصوص الأصوات التي تنادي اليوم إلى تفعيل تنفيذ أحكام الإعدام بعد اللجوء إلى الاستفتاء فهنا ومع احترامي لمثل هذه الأفكار إلا أنني لا أراها منطقية ولا أعتقد أن الدولة ستوافق عليها لأن الحري بنا هو فتح النقاش العام حول الموضوع ولما لا داخل المؤسسات الوطنية المنتخبة كالبرلمان مثلا ومن ثم تكوين قناعة سواء بالمضي قدما نحو رفع التجميد عن تنفيذ أحكام الإعدام أم لا لأنه لا يمكن استفتاء الشعب في تطبيق القانون وتنفيذ أحكام القضاء لأن الإعدام منصوص عليه صراحة في القانون ولازالت المحاكم ليومنا هذا تنطق به ولم يلغى من جوهر النص. 

هل جهاز العدالة بتنفيذه للعقوبة يستطيع وحده مواجهة جرائم القتل والاختطاف ؟

في النهاية من الواضح أن العودة لتنفيذ أحكام الإعدام على الرغم من أنه يحتاج إلى المزيد من النقاش الموضوعي والبناء والبعيد عن العواطف، إلا أنه من الضروري التفكير بجدية في ذلك ( العودة لتنفيذ أحكام الإعدام)، مع التأكيد أن تنفيذ الإعدام وحده ليس كافيا لمواجهة مثل هذه الظواهر، فلا ينبغي تحميل الدولة ومؤسساتها الأمنية كامل العبء، بل لا بد من أن تقوم المساجد ودور العبادة بدور أكبر حتى يكون هناك وعي أكثر ووازع ديني قوي في نفوس الجزائريين ولا سيما الشباب المنساقين وراء أفكار تغريبية خطيرة على المجتمع الجزائري المسلم المحافظ، في ظل غياب الوازع الديني، وكذا تجنيد منظمات المجتمع المدني ودفعها للتقرب من مختلف الفئات الاجتماعية والتحسس لإنشغالاتها ومرافقتها أيضا لحلها، لمساعدة أجهزة الدولة في إحقاق القانون والحفاظ على كل المكتسبات المحققة وضمان فقدانها من جديد خاصة وأن البلاد مرت بأوقات عصيبة استطاعت لوحدها هزم الاستعمار والإرهاب والانتقال إلى مرحلة تحاول فيها تجسيد الديمقراطية مرحلة بمرحلة.

في الأخير ماذا تقول دكتور ؟
i3dam
إنه من الواجب مراجعة القانون المتعلق بكيفيات تنفيذ أحكام الإعدام إذ يتطلب الأمر مراجعته، أو صياغة قانون جديد يتوافق مع التطورات القانونية الجديدة بل ومع المعايير الدولية التي تتحدث عن الإجراءات والضمانات الخاصة بالمدان حين تنفيذ حكم الإعدام حيال الجرائم الخطيرة على أمن وسلامة البلاد والمجتمع.

شارك معنا في إستقصاء حول تنفيذ حكم الإعدام من هنا


 الحوار من المصدر

العودة إلى الصفحة الرئيسية

Copyright © 2016 Université Djillali LIABES Sidi-Bel-Abbès - Tous droits réservés | Adresse: BP 89 22000 Sidi-Bel-Abbès - Algérie | Contact: