9.01

Abstract:

Viewing safari or other trips often helps you to take advantage of blog views and reflect on recorded comments. And the search for the causes of exposure to some subjects and neglect some of them or just reference to them without any comment or analysis. Historians counted these trips from their sources, which refer to them in the record of their news because of its importance in describing the events or because of the spontaneous digs that the researcher to link Between them and his findings.

    It is obvious that the historians of the state Saadia and Alawiya used these trips in their research and questioned the experiences recorded in the records of trips. It was because of the most important sources they relied on both for flights that were in the beginning of the state or on the trips that were after the boom. Interest is limited to the political aspects, but it was reported in social studies, literary and geographical, which was considered a cultural increase from which each according to his specialty and according to his desire. Among the most important trips that were performed on the covenant of Mawla Zidane al-Saadi and Mawla Isma'il al-Alawi are the two trips marked by the journeys of Nasir al-Din on the disbelievers of Afqai and the minister's journey in the capture of the prisoner Mohammed bin Abdul Wahab al-Wazir al-Ghassani.

Keywords:

The Moriscos, the Andalusians, Spain, the flight, the Chihab, the Minister Ghassani

الملخص :

الموريسكيون الأندلسيون في إسبانيا  من خلال

رحلتي الشهاب الحجري و الوزير الغساني

ص ص 15-35

أ.د. حنيفي هلايلي

جامعة سيدي بلعباس

إن الاطلاع على الرحلات السفارية أو غيرها يساعد في كثير من الأحيان على الاستفادة من المشاهدات المدونة، والتأمل في التعليقات المسجلة. وعلى البحث عن أسباب التعرض لبعض الموضوعات وإهمال بعضها أو الاكتفاء بالإشارة إليها دون أي تعليق أو تحليل.وقد عد المؤرخون هذه الرحلات من مصادرهم التي يرجعون إليها في تدوين أخبارهم لما لها من أهمية في وصف الأحداث أو لما فيها من الاستطرادات العفوية التي تعين الباحث على الربط بينها وبين استنتاجاته التي يصل إليها.
 
   ومن البديهي أن مؤرخي الدولة السعدية و العلوية قد استخدموا هذه الرحلات في أبحاثهم واستنطقوا الخبرات المدونة في سجلات الرحلات .فكانت بسبب ذلك من أهم المصادر التي اعتمدوا عليها سواء بالنسبة إلى الرحلات التي كانت في بداية انطلاق الدولة أو في الرحلات التي كانت بعد ازدهارها.ولم تكن الفائدة منها مقتصرة على الجوانب السياسية ولكنها أفادت في الدراسات الاجتماعية والأدبية والجغرافية فاعتبرت بسبب ذلك زادا ثقافيا ينهل منه كل حسب اختصاصه وحسب رغبته.  ومن أهم الرحلات التي دونت على عهدي المولى زيدان السعدي و المولى إسماعيل العلوي الرحلتان الموسومتان برحلتي ناصر الدين على القوم الكافرين لأفوقاي و رحلة الوزير في افتكاك الأسير للكاتب محمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني .
                        الكلمات المفتاحية:

الموريسكيون ، الأندلسيون، إسبانيا ، الرحلة ،الشهاب الحجري ، الوزير الغساني

Citation :

Date de publication : Septembre  2015

pp.15-35

E-ISSN: 2571-9742

Référence électronique

Rédacteur : Hanifi,Halaili, Université. Sidi Bel Abbés

Reçu: le 7 Juin 2015. Accepté: le 20 juillet 2015; Publié: 15 Septembre 2015

« The Andalusian Moriscos in Spain through The journey of Alchihab el Hajri adr minister el Ghasani»,

Dialogue  Méditerranéen, [En ligne], n°7 Décembre| 2014,

mis en Ligne le 01 Octobre 2017

Copyright: © 2015 Mohamed,Gueneche. Il s'agit d'un article à accès libre distribué sous les termes du Creative Commons Attribution License , qui permet l'utilisation, la distribution et la reproduction sans restriction dans n'importe quel support, à condition que l'auteur et la source d'origine soient crédités.

PDF 379 HTML

halaili.ht.9

الموريسكيون الأندلسيون في إسبانيا  من خلال

رحلتي الشهاب الحجري و الوزير الغساني

     أ.د. حنيفي هلايلي      

 جامعة سيدي بلعباس

                                                                                                                                                      

         إن الإطلاع على الرحلات السفارية أو غيرها يساعد في كثير من الأحيان على الاستفادة من المشاهدات المدونة، والتأمل في التعليقات المسجلة. وعلى البحث عن أسباب التعرض لبعض الموضوعات وإهمال بعضها أو الاكتفاء بالإشارة إليها دون أي تعليق أو تحليل.وقد عد المؤرخون هذه الرحلات من مصادرهم التي يرجعون إليها في تدوين أخبارهم لما لها من أهمية في وصف الأحداث أو لما فيها من الاستطرادات العفوية التي تعين الباحث على الربط بينها وبين استنتاجاته التي يصل إليها.
 
   ومن البديهي أن مؤرخي الدولة السعدية و العلوية قد استخدموا هذه الرحلات في أبحاثهم واستنطقوا الخبرات المدونة في سجلات الرحلات .فكانت بسبب ذلك من أهم المصادر التي اعتمدوا عليها سواء بالنسبة إلى الرحلات التي كانت في بداية انطلاق الدولة أو في الرحلات التي كانت بعد ازدهارها.ولم تكن الفائدة منها مقتصرة على الجوانب السياسية ولكنها أفادت في الدراسات الاجتماعية والأدبية والجغرافية فاعتبرت بسبب ذلك زادا ثقافيا ينهل منه كل حسب اختصاصه وحسب رغبته.  ومن أهم الرحلات التي دونت على عهدي المولى زيدان السعدي و المولى إسماعيل العلوي الرحلتان الموسومتان برحلتي ناصر الدين على القوم الكافرين لأفوقاي و رحلة الوزير في افتكاك الأسير للكاتب محمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني .
         أولا : رحلة الشهاب الحجري

      تعد رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب والمعروف كذلك بـ رحلة أفوقاي الأندلسي، والمختصرة في كتاب آخر عنونه بـ ناصر الدين على القوم الكافرين،(1) من روائع أدب الرحلات للرحالة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري المشهور بـ أفوقاي والشهاب الحجري. لقد تمكن الحجري من مغادرة الأندلس إلى المغرب سنة 1597، لأنه كان مهدداً بأخطار كثيرة بسبب دفاعه عن الأقلية الموريسكية. و كان يعتبر نفسه مجاهداً.لهذا كان يغامر بنفسه دون أن يخاف من تهديدات الحراقين الذين يتربصون بالطائفة الموريسكية من أجل إلحاق الضرر بها:( و بلغ الحال بي حتى إذا وقفت مع جماعة للكلام ترى كل واحد منهم ينسل حتى أبقى وحدي منفرداً)(2).

       يتمحور الكتاب حول فراره الشهاب بدينه وبدنه من ملاحقة محاكم التفتيش سنة(3) 1597 من ضواحي غرناطة، وذهابه إلى مرسى شنتمرية بالبرتغال، وتنكره كمسيحي من إشبيلية، وركوبه بارجة برتغالية مدعيًا توجهه إلى مدينة مازاغان التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي، ليهرب هو وجماعة معه إلى بلاد المسلمين ويرسو في ميناء أزمور المغربي. عرضت لنا الرحلة تطورات الأوضاع التي دفعت المسلمين الموريسكيين إلى مواجهة السلطات الإسبانية تصديا لحملة التنصير التي أجبروا عليها، وكيف أدت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة(1568)، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش التي استهدفتهم وأنزلت بهم أشد صنوف العذاب.إن عنوان الرحلة نفسه يعبر بوضوح عن اتخاذ الحجري لمنهج المواجهة( ناصر الدين على القوم الكافرين)، بل اعتبر مؤلفه السيف الأشهر الموجه ضد النصارى، و اعتبر ميلاده في بلاد الكفار نعمة من الله ( فيقول العبد الفقير... أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي من نعم الله تعالى أن جعلني مسلماً في بلاد الكفار...).(4)

    لعل أهمية الرحلة تكمن في الموقع الذي كان يحتله الحجري.إذ كان صلة وصل حضارية فيما بين(الأنا) المسلمة التي تشكل طاقته و مصدر اعتزازه و افتخاره و(الأخر) و نعني الذات المسيحية، لأنه نشأ و كبر و تكون في فضائها، فتمكن بفضل ذلك من أن يدرس الحضارة المسيحية و يتعمقها. و من هذه الزاوية، نستطيع أن ندرك هذه الشخصية الواقفة على ثقافتين و نقاربه.. و لأجل هذا كان يلجأ الحجري إلى المقارنة بين الحضارتين مع تحيز واضح للذات المسلمة، و كان يرجع إلى المؤلفات المسيحية لمناظرة علمائها.

   سافر الحجري إلى أوروبا، سعياً منه في إنصاف الطائفة الموريسكية التي تعرضت للنهب من طرف أرباب السفن الفرنسية بسبب طرد فليب الثالث(1598-1621) .(5) على إثر هذا النهب ،اتصلت بعض العائلات الموريسكية بالمولى زيدان(1603-1627) و طلبوا منه مساعدتهم و إرسال من يطالب بحقهم، كما أشار الحجري إلى ذلك: ( و طلبوا من السلطان المولى زيدان... أن يأذن لهم في إرسال بعض أصحابهم مع رجل من الأندلس من الذين كانوا قبلهم بتلك المدينة و أسفر نظره أن نمشي بأصحابهم و أعطانا للسلطان كتابه).(6)لهذه الجماعة تلتها رحلة أفوقاي في وصف لاهاي بين 1611-1613، وهي تروي عن زيارة الرحالة لبلاد الهولنديين، يصف فيها لاهاي وأمستردام، وأنشغل في هذه الرحلة بمحاورة الفرنسيين والهولنديين من أجل عرض قضيته الموريسكية، وكانت المناظرات حول الأديان.       

و الظاهر أن رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب يقصد بالأحباب فيما يرجح أنهم إخوانه المسلمون فيما وراء البحر أي في عدوة المغرب، التي لجأ إليها. فعندما دخل أفوقاي بلاد المغرب كان سلطانها أحمد المنصور الذهبي(1578-1603)، و كان قد تولي منصبه في جمادى الأولى سنة 986 هـ الموافق لشهر أوت 1578م وسط معركة وادي المخازن، التي لقي فيها البرتغاليون على يد المغاربة هزيمة كبيرة، فلقب بالمنصور تيمنا بالنصر الذي أحرزته جيوش المغرب، وكان عصره من أعظم عصور المغرب. تعدَّدت أسماء المعركة في الإسطوغرافية المغربيَّة، مثل: معركة الملوك الثلاثة، ومعركة القصر الكبير، ومعركة وادي المخازن، وهو الاسم الذي دَرَجَ على استعماله المؤرخون المغاربة في كتبهم، وربَّما خطر لبعض المؤرخين المعاصرين أنْ يسموها اليومَ بدافع تصحيح جاء متأخرًا عن موعده: "معركة الملوك الأربعة"؛ لأنَّها إضافةً إلى الملوك الثلاثة الذين ذهبوا ضحايا لها، كانت منطلقًا لبروز ملك رابع سطع نجمه عاليًا في المغرب، ألا وهو أحمد المنصور الذهبي.(7)
    كان حينما وفد عليه الشهاب الحجري أفوقاي بلغت مدة حكمه أكثر من عشرين عاما. فلما قدّم إليه قائده محمد بن إبراهيم الشعياني وكان أثيرا لديه و موضع ثقته وتقديره لما أبداه في حكم منطقة أزمور من حزم ، لمّا قدم إليه هذا الأندلسي الفار، ووقف على قصته و ما يتمتع به من براعة أدبية و لغوية، أولاه عطفه وأمر بتعيينه مترجما للبلاط، وأبدى الشهاب براعة في أعمال الترجمة من العربية إلى الإسبانية و من الإسبانية إلى العربية، وأسبغ عليه لقب (ترجمان سلاطين مراكش). كان يستعمله السلطان سفيرا عنه في بعض البلاد الأوروبية. و لما توفي السلطان أحمد المنصور في سنة 1012 هـ (1603م) استمر الشهاب في عمله بالبلاط المغربي خلال الحرب الأهلية بين السعديين التي تلت وفاة المنصور ثم مدة أخرى في ظل ولده السلطان مولاي زيدان. الذي أرسله في مهمة إلى بلاد هولندا وفرنسا.(8)

     يتضح من الأسلوب الذي ترجم به الشهاب هذا الكتاب أن اللغة العربية كانت ما تزال قوية عند الموريسكيين المثقفين، بالرغم من كل ما فعلته إسبانيا، وفعله ديوان محاكم التفتيش الإسباني، لقتل  الحضارة العربية الإسلامية و التراث الأندلسي. ويشير الشهاب في كتابه إلى المقري مؤرخ الأندلس وإلى كتابه الجامع ( نفح الطيب) وقد عاش الرجلان في نفس العصر،

   و الظاهر أن أفوقاي قد لقي المقري بمصر خلال مروره بها في طريقه إلى الحج أو خلال العودة منه، وذلك في سنة 1040 هـ / 1631 م قبيل وفاة المقري بقليل.(9) كانت لأفوقاي معرفة عميقة بالديانتين المسيحية واليهودية، وكانت له استشهادات من نصوصها وكتبها المقدسة. وكان بحق مُعبّرا عما قد نسميه اليوم بحوار الثقافات الذي لم يكن أن يكون آنذاك إلا حوار أديان.

   ولد أحمد ابن القاسم ابن أحمد الفقيه قاسم ابن الشيخ الحجري، والمعروف بالشهاب الحجري، وكذلك بأفوقاي، في سنة 1569، وقيل في 1570، بمنطقة من أحواز غرناطة، وهو من الموريسكيين، المسلمين الأندلسيين الذين لم يتمكنوا من الهروب من الأندلس إبان سقوطها واضطروا إلى أن يتظاهروا بأنهم نصارى خوفا من ملاحقات محاكم التفتيش والتي كانت تقتل كل من تظهر عليه أي علامات تدل على أنه مسلم أو عربي إلى درجة أنهم بدلوا أسماءهم، ولهذا تلقب بـ»أفوقاي»، وتعلم اللغة العربية من أبيه العالم وحفظ القرآن، ودرس علوم الشرع سرًا، وتعلم اللغات الأعجمية، وانكب على كتب العقائد اليهودية والنصرانية واطلع على دقائقها، وعاش في إشبيلية ومدريد، وظل سنين طويلة يعد العدة ويتحين الفرص للفرار من إسبانيا، واستطاع أن يغادرها متنكرا في هيئة مسيحي عجوز، في سنة 1007هـ-1598م. واستقبله السلطان أحمد المنصور الذهبي، واطلع على قصته وما يتمتع به من كفايات أدبية ولغوية، أولاه عطفه، وأمر بتعيينه مترجما للبلاط، وأبدى الشهاب براعة في أعمال الترجمة من العربية إلى الإسبانية ومن الإسبانية إلى العربية، وأسبغ عليه لقب ترجمان سلاطين مراكش. وكان السلطان فوق ذلك يستعمله للسفارة عنه في بعض البلاد الأوروبية.

    ولما توفي السلطان أحمد المنصور استمر الشهاب في عمله بالبلاط المغربي خلال الحرب الأهلية التي تلت وفاة المنصور ثم مدة أخرى في ظل ولده السلطان المولي زيدان، وكان له دور بارز في الحياة الثقافية بالمدينة. ولما صدر قرار طرد الموريسكيين، وتعرضوا وهم في طريقهم إلى المنفي على متن السفن للسرقة من قبل قراصنة البحر الأوروبيين، اشتكوا إلى السلطان زيدان السعدي عند وصولهم إلى مراكش، وقرر قبل أن يطالب السلطات الفرنسية، أن يبعث بأحمد بن قاسم الحجري سفيرا إلى أوروبا، وبالتحديد إلى إسبانيا وفرنسا وهولندا بهدف رد الاعتبار للأقلية الموريسكية واسترجاع ما نهب منها اثر طردها من الأندلس.

    وذكرت المصادر التاريخية أنه لما زار مصر كان يحدث المسلمين ببعض قصصه، فطلب منه الشيخ علي الأجهوري، وهو من كبار علماء المالكية، أن يكتب كتابا يضمن فيه قصته، فكتب كتاب «رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب»، ثم اختصره في كتاب «ناصر الدين على القوم الكافرين»، وذكر أنه انطلق بحرا حاملا كتاب السلطان، متنقلا بين المدن الأوروبية، قاصدا بلاط حكامها وملوكها وأمرائها يطالبهم باسترداد حقوق هذه الطائفة. وعرض في كتابه تجربة الموريسكيين العرب المتنصرين المريرة مع الأسبان وتفاصيل الرحلة وما دار فيها من مناظرات بينه وبين علماء النصارى واليهود وبعض النخب وأوائل المستشرقين والأمراء في أوروبا. وتكمن أهمية هذه الرحلة في كونها شاهدة ومعبرة عن العلاقات التي كانت قائما آنذاك بين دار الإسلام متمثلة في المغرب والإمبراطورية العثمانية من جهة، ودار الكفر والحرب متمثلة في أوروبا من جهة أخرى.(10)

     وعرضت الرحلة لتطورات الأوضاع التي دفعت المسلمين الموريسكيين إلى مواجهة الحكومة الإسبانية تصديا لحملة التنصير التي اجبروا عليها، وأدت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش التي استهدفتهم وأنزلت بهم أشد صنوف العذاب.(11)

    اعتبر الباحثون والدارسون أن نص الرحلة بمثابة وثيقة تاريخية نادرة، وأحد أهم النصوص في اللغة العربية التي تناولت تجربة الموريسكيين المتنصرين. وذكر المؤرخون أنه في أواخر حياة أفوقاي سافر الشهاب لأداء فريضة الحج، ولما عاد نزل بتونس وأصبح من المقربين لأميرها الداي مراد(1637-1640)، وعكف على ترجمة العديد من المؤلفات العربية إلى اللغة الإسبانية، خاصة كتب الشرع لكي يستعين بها الموريسكيون في المنفي الذين مازالوا يجهلون اللغة العربية. (12)

    لرحلة الحجري أهداف ثقافية كانت تتمثل في تحصين و تقوية الشخصية الثقافية الإسلامية،و تفوق في ذلك بالنظر لتكوينه و معرفته بالديانات الأخرى، فحاول الانتصار للمسلمين و الإسلام منطلقا من معاناته كموريسكي مطرود و جريح. و لهذا جاءت رحلته مشحونة بآهات معبرة عن حسرة هذه الأقلية و آلامها، لاسيما و أنها عاشت الاضطهاد و التعذيب من محاكم التفتيش و الحراقين. غير أن الظاهرة الموريسكية قد خفت حدتها مع مرور الوقت. و دخلت أوروبا ظرفية جديدة في النصف الثاني من القرن السابع عشر و الثامن عشر. فظهرت انشغالات و طموحات جديدة.

ثانيا : رحلة الوزير الغساني

   تراوحت مهام السفراء المغاربة في قضايا افتكاك الأسرى، و قضايا الجلاء عن الثغور التي تحتلها اسبانيا في الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط. و بالرغم من كثرة الموفدين المغاربة إلى اسبانيا، فإن قلة منهم هي التي اهتمت بتدوين رحلة سفارية. و من بين هؤلاء الموفدين، الوزير الغساني(ت : 1119هـ/1757م)(13) الذي زار اسبانيا في العقد الأخير من القرن السابع عشر. و قد كانت الغاية من السفارة، التي توجه على رأسها، افتداء الأسرى المسلمين في اسبانيا و استرجاع ما يوجد من المخطوطات العربية في خزائنها. فقد استغل السلطان مولاي إسماعيل(1672-1727) من تم أسرهم في حصار مليلية ليقايض، بهم الأسرى المسلمين و المخطوطات العربية، و إن كان بعض الدارسين يشكك في أن الغاية من السفارة هي افتكاك الأسرى و جلب الكتب .(14)

    تعتبر رحلة الغساني الأولى من نوعها إلى الديار الإسبانية، و تشكل المرجع الأساسي الذي نهلت منه سائر الرحلات السفارية الأخرى.إن المعلومات التي عرفت بالوزير الغساني شحيحة، إذ تشير في أغلبها أن الغساني سليل أسرة أندلسية استقرت بمدينة مراكش، و أنه كان كاتباً في البلاط السلطاني بمدينة مكناس، و اكتسب شهرته كخبير بجمع الكتب و نسخها. و الظاهر أن الغساني لم يدون حياته البيوغرافية في رحلته السفارية.

   عندما استرجع السلطان العلوي إسماعيل(1672-1727) مدينة العرائش من الأسبان بعد حصار طويل سنة 1689، و أسر من كان في قلاعها ، فكر في توجيه سفارة قصد افتداء الأسرى المسلمين و استرجاع ما يوجد من الكتب العربية في أسبانيا.(15) و يتعلق الأمر بالخزانة الزيدانية التي كان قد سطا عليها القراصنة أثناء رحلة زيدان السعدي(1603-1627) البحرية بين أسفي و أغادير خلال الأزمة التي أعقبت وفاة أحمد المنصور(1578-1603). ولأن الغساني كان على دراية بالكتب، اختاره السلطان للقيام بهذه المهمة. و يرى الكاتب بنحادة بأن سفارة الغساني إلى اسبانيا ،تندرج ضمن توجه جديد للمخزن المغربي في تعامله مع البلدان الأوروبية.(16)

   بدأ الغساني رحلته بأخبار مرسى جبل طارق وختم رحلته بأخبار ووقائع عن فتح الأندلس وبين المدخل والمخرج يمتد نصّ الغساني ويتشعب، بينما هو يقف على الأحوال والمشاهد من مدينة إلى أخرى من مدن الأندلس، وصولاً إلى مدريد في قلب الجزيرة الأيبيرية، وتتعدد طبقات نصه ومستوياته، وينبني خطابه، فإذا بنا، إلى جانب الأديب الناثر وذواقة الشعر والجمال، بإزاء عالم اجتماع وسياسي عارف بخفايا الأشياء، ومثقف مطلع ليس على وقائع التاريخ العربي-الإسلامي وحسب، وإنما الأوروبي أيضاً.

   لقد أحسن السلطان العلوي اختيار السفير الذي أرسله. فهو ليس مثقفا وأديبا وعالما بالتاريخ، وليس وزيرًا عارفًا بتفاصيل الصراعات الدولة والتناقضات بين الدول الأوربية فقط، ولكنه - على حد تعبير نوري الجراح - يبتعد عن كل تلفيق أو تحامل أو تزوير، ويتميز بأمانة كبيرة وروح متسامحة في فترة عصيبة من الصراع الإسلامي مع الغرب سادت خلالها أوربا روح التعصب الأعمى الذي لم يسلم من شروره حتى المسيحيون أنفسهم في محاكم التفتيش. (17)
خرجت سفارة الغساني من مدينةسبتة في 15 محرم 1102هـ/19 أكتوبر 1690م متجهة إلى جبل طارق، و مكثت الرحلة في العاصمة مدريد زهاء ستة أشهر، و عاد الغساني إلى المغرب في 29 ماي 1691.هذه المدة كانت كافية للوزير ،لأن يقدم وصفا ضافيا لأسبانيا، فاعتبر بحق مؤرخا و ديبلوماسيا من الطراز الرفيع، و تعتبر رحلته أهم مصنف إسلامي عن تاريخ أوروبا في القرن 17م. و من خلال الرحلة يمكننا رصد المحطات التالية:

أ‌-                    الغساني كمؤرخ:

   لم تكن الكتابة التاريخية عند الغساني مجرد استحضار للبطولات، أو لغرض تبرير وجوده كمسلم في دار الحرب، و إنما الغاية هي محاولة فهم الأخر انطلاقاً من تاريخه، فاعتنى بكتابة تاريخ إسبانيا ، منذ القرن 15م، حيث قدم وصفا للملك الإسباني كارلوس الثاني الذي كان في ضيافته.(18)

    ثم تحدث عن ملوك أسبانيا. و الملاحظ أن الغساني كلما ذكر ملك من هؤلاء أردف اسمه بعبارة(دمره الله)، ففليب الثاني(1556-1598) اعتبره أخبث ملوك أسبانيا، لأن عصره تميز بالعصبية و الدموية خاصة تجاه الموريسكيين، و القضاء على ة مسلمي غرناطة سنة 1568 بكل قسوة ووحشية.(19)

     وعبر تاريخ ملوك أسبانيا ، تحدث عن علاقة ملوك أسبانيا بالضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، فعندما أرخ لشارل الخامس( شارلكان)(1516-1556)، تحدث عن الهجوم الذي شنه على مدينة الجزائر سنة 1541م.(20)و الهجوم لأجل الاستيلاء على تونس سنة 1534.(21) كما أرخ لمعركة وادي المخازن لسنة 1578.(22)

    استعرض الغساني سفراء الدول الأوروبية المقيمين بمدريد و هم من فرنسا و ألمانيا و انجلترا و البرتغال، و لخص الحروب الأسبانية الفرنسية وتعرض لشرح أسبابها فيما يتعلق بوراثة العرش في كل البلدين و السياسة الإسلامية لفرنسا تجاه الدولة العثمانية فيما يتعلق بسياسة الامتيازات.و فسر سبب ثراء أسبانيا خلال هذه الفترة إلى قوة التجارة مع العالم الجديد. و احتلت الحروب العثمانية الأوروبية حيزا واسعا في نص الرحلة فهو يتعرض للحروب التي قادها سليمان الثاني(1687-1691)من أجل استرجاع مدينة بلغراد في الفترة التي كان فيها الغساني بالبلاط الإسباني.(23)

ب‌-                الغساني الدبلوماسي:

يبدو هذا الوصف من خلال عنوان كتابه المبرر لوجوده كمسلم في دار الكفر .لقد حرم فقهاء الإسلام إقامة المسلم في ديار الكفر، إلى جانب تحفظ النصارى من إقامة المسلمين بين ظهرانيهم خاصة مسألة الحجر الصحي،المعروفة في جميع نقاط التماس بين شمال

و جنوب البحر الأبيض المتوسط منذ القرن 14م.(24)

ج- الغساني و الجدل الديني:

كان الغساني في سفره بإسبانيا يلتقي برجال الدين المسيحيين و يتحادث معهم في مسائل عقدية، و من خلال نص الرحلة يبدو أنه كان متسامحا معهم في الحوار و الجدال الديني. و الواقع أن الغساني انبهر بالتنظيمات و المؤسسات التي كانت موجودة بإسبانيا و ساهمت في ازدهارها و تقدمها وصفها في رحلته :

-       البريد: و هو مخصص للرسائل.

-       الصحافة: و هي من وسائل الاتصال بالعالم الأوروبي و لها دور مهم في نقل الأخبار و رواج التجارة.

-       الأمن في الطرق: و يساهم به رجال متخصصون في الحراسة للقضاء على الفوضى و اللصوصية.

-       المارستانات: و هي بمثابة مستشفيات إذ كان بمدريد لوحدها 14 مارستاناً، و يقوم رجال بالإشراف عليه تطبيقا و تمويلاً.

-       نظام التفتيش: و كان صارما يقوم به ديوان محاكم التفتيش و متحرر من سلطة الحاكم.

     يشكل أدب الرحلة ثروة معرفية كبيرة، ومخزناً للقصص والظواهر والأفكار، فضلاً عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجول وأنفس تنفعل بما ترى، ووعي يلم بالأشياء ويحللها ويراقب الظواهر ويتفكر بها. وقبل أن ترسم لوحة أوسع لرحلة ومسارها لا بد من الإشارة إلا أن رحالتا  الشهاب الحجري والوزير محمد بن عبد الوهاب الأندلسي كانا من كبار مثقفي العصر، وكانا يتمتعان بسرعة هائلة بنسخ الكتب و حسن النظر و المشاهدة .



(1) رحلة السفير الشهاب الحجري أهم وثيقة تاريخية كتبت عن نفي الأندلسيين الموريسكيين العرب المتنصرين، وصورت ظروف انتقالهم إلى شمال إفريقية وما لقوه في إسبانيا من اضطهاد وعدوان. ينظر الكتاب: أحمد قاسم، الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين( تحقيق و تقديم و ترجمة: شورفان كوننكزفلد، قاسم السامرائي، خيرا ردفيي خرز، مدريد: المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، بدون تاريخ. و أيضا : رحلة أفوقاي الأندلسي( حققها و قدم لهاك محمد رزوق)،ط1، بيروت: سيكو للطباعة و النشر، 2004.

(2) الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين،(تحقيق: محمد رزوق)، الدار البيضاء: الالدار الجديدة، 1987، ص 29.

(3) تأسست محاكم التفتيش في اسبانيا خلال عهد الملكين الكاثوليكيين. فكانت أول محكمة في إشبيلية التي مارست الضغط على اليهود المتنصرين (Conversons). ما أنشأت محاكم أخرى منذ 1482م بقرطبة، وجيان، وبلد الوليد، وفي سنة 1483م، أصدرت البابوية بروما براءة تقضي بإنشاء مجلس أعلى لمحاكم التفتيش (Suprema) تشرف على شؤون الدين المسيحي الكاثوليكي .كما تأسست محكمة سانت أفيتو (S. Oficio)، بقرطبة سنة 1482م. للمزيد راجع :

Guy, Testas et Jean, Testas, L’inquisition , que sais-je ? Paris, PVF, éd, 1983, P.7.

بلغت البيبليوغرافيا الخاصة بدراسة محاكم التفتيش سنة 1963، حوالي 1950 عنوانا، وصدرت على شكل دراسات عديدة ومتنوعة للمزيد راجع:

Bartolomé, Bennassar L’inquisition Espagnole XVe XIXe Siècle, Paris, hachette, 1979, pp. 72 – 101.

                                                                                               

(4)  الحجري، ناصر الدين، ص 17.

(5)  فليليب الثالث بالإسبانية) Felipe III) ): أبريل 1578 - 31 مارس 1621.والمعروف أيضًا باسم فيليب الورع، كان ملك إسبانيا وملك البرتغال والغرب وصقلية حيث حكم باسم فيليب الثاني. ولد في مدريد ونجل فيليب الثاني ملك إسبانيا وزوجته الرابعة آنا من النمسا ابنة الإمبراطور ماكسيميليان الثاني.

(6)  الحجري،ناصر الدين، ص 18.

(7) لقي في هذه المعركة معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة هي معركة قامت بين بلاد المغرب الأقصى والبرتغال في 30 جمادى الآخرة 986 هـ، 4 أوت 1578م ثلاثة ملوك حتفهم هم عبد المالك وسباستيان والمتوكل؛ ولذا عرفت بمعركة الملوك الثلاثة، وفقدت البرتغال في هذه الساعات ملكها وجيشها ورجال دولتها، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد، فاستغل فيليب الثاني ملك أسبانيا الفرصة وضم البرتغال إلى تاجه سنة (988هـ - 1580م)، وورث أحمد المنصور العرش السعدي في فاس، وأرسل سفارة إلى السلطان العثماني يعرض عليه فيها انضمام دولته لدولة الخلافة العثمانية. للمزيد يرجى العودة إلى المراجع التالية:

- شوقي ،أبو خليل: وادي المخازن، دار الفكر: دمشق، 1988م.

- إبراهيم ،حسن: واقعة وادي المخازن في تاريخ المغرب، دار الثقافة: الدار البيضاء، 1979م.

- إحسان ،هندي: معركة وادي المخازن، مركز الدراسات التاريخية: دمشق، 1985م.

- عبد المجيد، قدوري، المغرب و أوروبا مابين القرنين الخامس عشر و الثامن عشر، مسألة التجاوز،ط1،بيروت: المركز الثقافي العربي،2000، ص ص 174-175.

- إبراهيم، حركات، المغرب عبر التاريخ،الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1420هـ/2000، ص ص 258-261.

- إبراهيم علي حسن، (أحمد المنصور الذهبي)، سلسلة: خالدون في تاريخ المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1407هـ /1987م، ص: 35 -36

(8)  حول السفراء المغاربة و ظرفيات الرحلات ، راجع الدراسة القيمة: عبد المجيد قدوري، سفراء مغاربة في أوروبا،في الوعي بالتفاوت،ط1،الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،1416هـ/1995. ص ص 13-20.

(9)  لقد أشار المقري لمأساة  الموريسكيين  بخصوص الطرد و النفي بقوله : ( قاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً، و لم يقيض الله لهم نصراً إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر و ألف(1609). فخرجت ألوف بفاس و ألوف أخرى بتلمسان بوهران و جمهورهم خرج بتونس... و كذلك بتطوان و سلا و الجزائر. ينظر: أحمد المقري، نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، و ذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب،( نشر : ؛حسان عباس)، بيروت: دار صادر،ج4، ص 528.

(10)  لاحظ بيرنار لويس الاختلاف الموجود في علاقات الإسلام بالغرب، و أرجع ذلك إلى منطق التميز بين العالمين،( إذا كان الإسلام هو المعبر الأساسي لتحديد الهوية الإسلامية في علاقته مع الأخر، فإن الغرب تعود أن يميز بين الناس حسب معايير أخرى كالانتماء القومي أو الترابي.و ركز لويس على مركزية الإسلام في تحديد مجموعة من المصطلحات : كدار الكفار و دار الكفر و ملوك الكفار.. فالدبلوماسية الإسلامية في نظره لجأت إلى تقسيم العالم إلى قسمين: دار الإسلام و دار الحرب.و كان المسلمون يستعملون الجهاد ضرورة فرضها القانون و الدين. و من أجل هذا ، صار الغرب لا يرى في الإسلام إلا الحرب زو المواجهة. للمزيد راجع: Lewis,Bernard,Le langage politique de l’Islam, Gallimard, Paris,1988,pp.88-113.

(11)  انطلق ماكسيم رودنسون في دراسته لمواطن الاحتكاك بين العالم المسيحي و العالم الإسلامي، حيث قدم قراءة موجهة للمصطلحات السياسية عند العرب، فلاحظ أن اهتمام المسيحيين بالعرب جاء نتيجة دخول هؤلاء و سيطرتهم على الأندلس، و بين كيف صارت إسبانيا فضاء للاتصال الثقافي المباشر، و اعتبر حروب الإستردادات عملية أوروبية موجهة ضد الإسلام و مدعمة لنفوذ البابوية. راجع: Rodinson,Maxime,La Fascinatio de l’Islam, Paris, Maspero,1980,p.22.

(12)  تميزت الكتابة عند الحجري بالتشنج و الجدل. فجاءت الرحلة مكتوبة بجمل متقطعة و سريعة النفس. و كان المؤلف يلجأ في غالب الأحيان إلى اعتماد الأسلوب المبني على الحوار الملائم للمناظرات. و تبنى الحجري إستراتيجية المواجهة في الكتابة ليشعر قارئه بعمق التعارض الحضاري الإسلامي. كما اعتمد الحجري على الذاكرة ليستحضر الأحداث التي عاشها في أوروبا خلال رحلته، فجاءت مناظراته في شكل مسرحيات ركز فيها على(الأنا) التي شخصت بطل المسرحية و همش منافسيه و محاوريه الذين كانوا يجسدون(الأخر) الأوروبي و شوههم. راجع: ناصر الدين على القوم الكافرين، ص ص 18-25.

(13) الوزير محمد بن عبد الوهاب الأندلسي الفاسي المتوفى عام 1119هـ/1707م، يعتبر أحد كبار رجال العلم في عصره، تحدث عنه محمد بن الطيب القادري، في نشر المثاني، بالقول: «هو الكاتب الأرفع أبو عبد لله محمد المدعو حمو بن عبد الوهاب الوزير الغساني الأندلسي الفاسي، كتب للسلطان مولانا إسماعيل، وكان نجيبا في ذلك، ذكر أنه كان كلما يلقى من الأوامر يكتبها ويستوفيها، ولا يغرب عليه شيء منها مع كثرتها. وقد أرسله مولانا السلطان إلى بلاد الروم بالأندلس، يقصد أن يستخرج ما بأيديهم من أسرى المسلمين، وألف في رحلته تلك كتابا أسماه: رحلة الوزير في افتكاك الأسير."

(14)               Pérés ,Henri,L’Espagne vue par les voyageurs musulmans de 1610-à1930,Adrien-Maisonneuve,Paris 1937,p.7(198p).

تم نشر هذا الكتاب لأول مرة في سنة 1939، من طرف ألفريد البستاني بالعرائش، و ترجمه المستشرق الفرنسي سوفار:

H.Sauvaire,Voyage en Espagne d’un ambassadeur Marocain(1690-1691),Ernest Leroux,Paris,1884(252p).

كما قام المستشرق الروسي (Ignati KRACHKOVSKI)  بتعريف الرحلة ووزيرها ، ينظر:                            

أغناطيوس، كراتشوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي(نقله إلى العربية: صلاح الدين عثمان هشام)،القاهرة،الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية،1957، القسم الثاني، ص ص 732-735. و أيضا الباحث الإسباني:

Vernet(Juan.G), «  La Embajada de Al Ghassani(1690-1691), »,In Al Andalus,Vol18,,N°1,1953,pp109-131.

و أهملت الدراسات العربية موضوع الرحلة، ينظر:

-        عبد المجيد ، القدوري، سفراء مغاربة في أوروبا(1610-1691)،في الوعي بالتفاوت،ط1،÷الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،1416هـ-1995،(154 ص).

-        أعمال ندوة: الرحالة العرب و المسلمون : اكتشاف الأخر،المغرب منطلقا و مؤئلاً، ط1،الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،2003،( 475 ص).

(15)  الخزانة الزيدانيةهي مخطوطات تعود لمكتبة السلطان المغربي زيدان الناصر بن أحمد، استولى عليها قراصنة أسبان في عرض مياه المحيط الأطلسي سنة 1612م وهي موجودة اليوم بخزانة الإسكوريال بإسبانيا. المخطوطات ذات أهمية علمية بالغة وهي من أشهر الخزائن العلمية في تاريخ المغرب، حيث تتكون من كتب مكتبة زيدان ووالده السلطان أحمد المنصور الذهبي ومما حازه من مكتبتي أخويه الشيخ المأمون وأبي فارس بعد وفاتهما، وتضم الخزانة الزيدانية دراسات في مختلف المجالات وبلغات متعددة منها التركية والفارسية واللاتينية.كما ارتبط اسم (الإسكوريال) بمكتبة المخطوطات والكتب العربية الإسلامية بمدريد، والتي تقع بقصر الإسكوريال الذي اكتمل بناؤه في عهد الملك الاسباني فيليب الثاني سنة 1584م. وتعود أصول القصة بعد ثورة ابن أبي محلي سنة 1612م اضطر السلطان زيدان السعدي إلى مغادرة مراكش في اتجاه ميناء آسفي ليسافر منها إلى أغادير، واستأجر سفينة :  (Notre dame de la garde) تعود للقنصل الفرنسي جان فيليب دي كاستيلو لتحمل نفائسه وخزانة كتبه التي قدرت بأربعة آلاف مخطوط في مختلف فنون العلم والأدب. كانت السفينة على أهبة الإقلاع إلى مرسيليا ، لكن غير مسارها وحَمَّلَها خزانته و أمتعته –من بينها التاج و الصولجان – و أمر القنصل بحارته بالتوجه إلى مدينة أغادير مقابل 3000 دوكا أو درهما ذهبيا. واكترى سفينة أخرى هولندية لنفسه و لخدمه و لحشمه و لبعض الفرسان المخلصين له ، فوصلت السفينتان معا إلى أغادير ، في نفس اليوم فغادر زيدان السفينة الهولندية رفقة زوجاته و خدمه ، و رفض (دي كاستيلو) إفراغ مركبه قبل أن يؤدي له الثلاثة آلاف درهم ذهبي، وبعد انتظار ستة أيام بسبب تأخر وصول المال بسبب الأحوال المضطربة، فر (دي كاستيلو) من ميناء أغادير قاصدا مرسيا حاملا المكتبة و التاج و الصولجان و الألبسة و غيرها من الأمتعة ، و كان ينوي تقديمها لحاكم مرسيليا (دوك دوكيس) مقابل ما اتفق مع زيدان عليه" .إلا أن الظروف قادت السفينة في اتجاه مدينة سلا، فتعرضت لها في الطريق أربع سفن إسبانية و استولت عليها بكل سهولة فاعتقد ملاحوها خطأ بوجود ذهب في الصناديق، فلما فتحوها ولم يجدوا بها إلا الكتب فكروا بتقديمها هدية لملكهم وذلك سنة 1612م فتوجهوا بها إلى مدينة بلنسية ، و من ثم أمر الملك فيليب الثالث الإسباني، بنقل هذه المكتبة الضخمة إلى دير الإسكوريال . للمزيد راجع:

- أحمد شوقي،بنين : ( خزانة مراكشية بالأسكوريال)، مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية، العدد9، الرباط،1982،ص ص 127-142.  و المعروف أن إسبانيا  سلمت للمغرب نسخ مصورة على الميكرو فيلم، وسلمها ملك إسبانيا إلى ملك المغرب في 16 جويلية 2013 في زيارة رسمية.

(16)  سفير مغربي في مدريد في نهاية القرن السابع عشر، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، لمحمد بن عبد الوهاب الغساني( تحقيق و تقديم: عبد الرحيم بنحادة)، طوكيو: معهد الأبحاث في لغات و ثقافات آسيا و إفريقيا، 2005، ص 16.

(17)  تتمتع رحلة الغساني حسب الجراح بقيمة استثنائية، فهي تأتي بعد خمسين سنة من رحلة قاسم الحجري، و فيها صور و انطباعات عن الحياة الأسبانية في القرن 17م. ينظر نص الرحلة (تحرير و تقديم: نوري الجراح، ط1،أبو ظبي: دار السويدي للنشر و التوزيع،2002، ص ص12-13.

(18) الملك كارلوس الثاني (تشارلز الثاني)   1661    -1700 ملك إسبانيا وقشتالة وأراغون ودوق لوكسمبورغ (1665-1700) وكونت بورغوندى (1665-1678)، وكان آخر ملوك هابسبورغ على عرش إسبانيا وحاكم أجزاء كبيرة من إيطاليا والأراضي الإسبانية في البلدان المنخفضة الجنوبية والإمبراطورية الإسبانية في الخارج والتي تمتد من الأمريكيتين إلى جزر الهند الشرقية الأسبانية. عرف بإعاقته البدنية والفكرية والعاطفية بالإضافة إلى دوره في التطورات التي سبقت حرب الخلافة الإسبانية.

(19)  حول سياسة فليب الثاني تجاه المشكل الموريسكي، و تطبيقه لسياسة التنصير

و الإدماج ، و إصدار ترسانة من القوانين الردعية في حقهم كمنع استعمال الألبسة العربية، و تسليم الكتب، يرجى مرجعة:

حنيفي،هلايلي،الموريسكيون الأندلسيون في الجزائر خلال القرنين 16و17م،  مقاربات جديدة في الهجرة و الإسهام الحضاري، ط1، سيدي بلعباس: منشورات مخبر البحوث

 و الدراسات الإستشراقية في حضارة المغرب الإسلامي 2014، ص ص 52-45.

 راجع بخصوص ثورة غرناطة: ليلى، الصباغ:( ثورة مسلمي غرناطة عام 976هـ/أواخر عام 1568م، و الدولة العثمانية)،مجلة الأصالة، العدد 27،سبتمبر-أكتوبر 1975، ص ص 116-175.

(20) جمع شارل الخامس قوة غزو هائلة، عـُهد بقيادتها إلى كوندوتييريين شجعان وذوي خبرة وهم أندريا دوريا وفيرانتي الأول غونزاغا وهرنان كورتيس. رغم هذا منيت الحملة التي انطلقت في أكتوبر سنة 1541 بالفشل التام، لأن الظروف غير المواتية للإبحار دمرت 150 سفينة محملة بالأسلحة والقوات والإمدادات. لم يكن شارل الخامس قادراً مع ما تبقى أن يكلل المغامرة بالنصر فعاد إلى إسبانيا، وفي أوائل ديسمبر من تلك السنة، تخلى نهائياً عن سياسته المتعلقة بالسيطرة على البحر.

كانت الحملة الأسبانية بقيادة الإمبراطور شارل الخامس على مدينة الجزائر مابين 21-25 أكتوبر 1541 بترسانة عسكرية قوامها 23 ألف و 500 جندي  محملين على 516 سفينة.و أسفرت الغارة عن هزيمة نكراء للأسطول الأسباني و تحولت مدينة الجزائر إلى دار الإسلام و الجزائر المحروسة.ينظر:

- محمد بن محمد بن عبدالرحمن بن رقية التلمساني، الزهرة النيرة فيما جرى للجزائر حين أغارت عليها الكفرة.

- Pierre Mesnard, "Charles Quint et les Barbaresques", Revue hispanique, 1959, (vol. 61, 2-3), p. 215-235.

Daniel Nordman, Tempête sur Alger : l'expédition de Charles Quint en 1541, éditeur Bouchene, coll. Histoire du Maghreb, Saint-Denis, juin 2006, 702 pages,

(21)  الحقبة الإسبانية في تونس، ترمز إلى الفترة بين 1535 و1574 تاريخ احتلال الإسبان لعدة مناطق ساحلية في البلاد.

دخلت الدولة الحفصية سنة 1535 في صراع خلافة بين السلطان أبو عبد الله محمد الحسن وأخيه الأصغر رشيد. طلب الأخير العون من العثمانيين الذين تمكنوا من الاستيلاء على العاصمة بقيادة خير الدين بارباروسا (دون إرجاع رشيد على العرش). استنجد أبو عبد الله محمد الحسن بشارل الخامس، ملك إسبانيا الذي جهز جيشا قوامه 33،000 رجل و400 سفينة بالتحافل مع الدول البابوية، جمهورية جنوة ونظام فرسان مالطة. تمكن الإسبان من القيام بإنزال شمالي العاصمة في 16 يونيو، ثم بالإستيلاء على ميناء حلق الوادي، ثم تمكنوا من دخول العاصمة في 21 يوليو. أعيد تنصيب السلطان حسن على العرش لكنه أجبر على المصادقة على معاهدة تضع البلاد عمليا تحت الحماية الإسبانية. استمر في السنوات التالية الصراع بين الإسبان وحلفاءهم والعثمانيين. تمكن العثمانيون في النهاية سنة 1574، من طرد الإسبان نهائيا بعد الانتصار عليهم في معركة تونس.

حلل السّندسيّة في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، تونس1985، م2، ص205.

أحمد بن أبي الضيّاف، أتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك مغراوة وعهد الأمان، الدار العربية للكتاب، 2001، م1، ج2، ص11.

(22) معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة هي معركة قامت بين بلاد المغرب الأقصى والبرتغال في 30 جمادى الآخرة 986 هـ، 4 أغسطس 1578م. تطور الأمر من نزاع على السلطة بين محمد المتوكل والسلطان أبو مروان عبد الملك إلى حرب مع البرتغال بقيادة الملك سبستيان الذي حاول القيام بحملة صليبية للسيطرة على جميع شواطئ المغرب، وكي لا تعيد الدولة المغربية بمعاونة العثمانيين الكرّة على الأندلس. انتصر المغاربة، وفقدت الإمبراطورية البرتغالية في هذه المعركة سيادتها وملكها وجيشها والعديد من رجال الدولة، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد ثم عادت الإمبراطورية البرتغالية بعد 93 سنة من سيادة إسبانيا عليها. لتفاصيل أكثر ينظر الهامش :7.

(23) من الواضح أن السلطان سليمان الذي ذكره الغساني هو سليمان الثاني بن إبراهيم الذي بويع في شهر نوفمبر عام 1687 م وكانت أيامه الأولى أيام اضطراب بسبب تسلط الانكشارية على تسيير الحكم. لكنه استطاع تأديبهم والتغلب عليهم خصوصا بعد أن عقدت الدولة مجلسا للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ السلطة وكانت نتيجة هذا الاجتماع أن ولي صدارة الوزارة مصطفى باشا الكوبرلي الذي استعمله لإنقاذ السلطة . للمزيد حول شخصية هذا السلطان: يلماز،أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية،(ترجمة: عدنان محمود، و مراجعة محمود الأنصاري)،ط1،استانبول: منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1408هـ/1988م، مجلد1، ص ص 556-563.

(24)  حول الهجرة من دار الكفر إلى الدار الإسلام، يرجى العودة إلى:

أحمد،الونشريسي، المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي أهل أفريقية و الأندلس و المغرب،(تحقيق: محمد حجي و آخرون)،ط1،بيروت: دار الغرب الإسلامي،1981،ج 2،ص ص 113-119. و أيضا عن قضايا الحجر الصحي،ينظر: عبد الرحيم ،بنحادةL سفيران في مغربيان في مدريد)، أعمال ندوة السفر في العالم العربي الإسلامي: التواصل و الحداثة،الرباط: منشورات كلية الآداب ، 2003،ص ص 47-66.

geneche.ht.7

الاتجاهات الدينية للحركة الوطنية الجزائرية

في كتابات أبي القاسم سعد الله

د./ قـنانـش محمد

المركز الجامعي عيـن تموشنت

تمهيــد

ورثت الجزائر بعد الاستقلال نخب واعية من العقول النيرة الخفاقة و من  المواهب و الكفاءات الخلاقة ، استطاع أن يتتلمذ على يدها  و علمها و سيرتها جيل الجزائر الحرة  مطلع  الستينيات و السبعينيات . فكانت  تلك  النخب المثقفة وقتها القاطرة المسيرة  و القوة  المحركة  للنهضة  الثقافية  و الفكرية  و التاريخية  في  مجال  التعليم  و التكوين  و التأهيل لدى الطلاب  الجزائريين . من هنا  بدأت  ملاح  المدرسة  الجزائرية ذات البعدين  الوطني  و الحضاري .

من الوجوه  المشرقة التي  مثّلت  الرّعيل الأول للمدرسة  الجزائرية  عشية  الاستقلال ، يقودنا الحديث إلى ذكر بعض الرموز الوطنية الشامخة من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي ، محمد مبارك  الميلي ، أحمد توفيق  المدني  ، الشيخ  عبد الرحمن الجيلالي ، مولود قاسم ، عبد الرزاق قسّوم  و يحي بوعزيز و غيرهم من الأهرامات الفكرية . و في هذا الشأن ، يأتي أبو القاسم سعد الله  ليفرض مكانته  المرموقة  ضمن أسماء كوكبة المثقفين التي  تمّ  ذكرها .

وممّا لاشك فيه ، أن أبي القاسم  سعد نظرا لمنزلته  العلمية و طاقاته الإبداعية ،  يتصدّر طليعة  المدرسة التاريخية باعتباره شيخ المؤرخين ، و يرجع الفضل في  تبوّئه هذه  المرتبة العليا إلى عدّة  اعتبارات  و دلالات ، أهمّها خصوبة فكره  و أكاديمية أعماله و نزاهة مواقفه و نبل خلقه و عظيم تواضعه  و طهارة وطنيته . فشمائل الرجل ، كانت له المؤهّلات الحقيقية لشخصيته الفكرية و التاريخية و الأدبية  القادرة على قيادة يقظة الفكر و نهضة العصر ليؤسّس أبو القاسم غداة  الاستقلال  إلى  يوم التحاقه  برفيقه  الأعلى ، اللبنات  الأولى للمدرسة التاريخية  في الجزائر المستقلة .

فأبو القاسم سعد الله المدرسة و الفكر الخلاق و الأديب المبدع ، نحاول أن نقتفي من موسوعته المعرفية ما أنتجه عن تاريخ الجزائر الحديث ، و تحديدا رؤيته الأكاديمية للمنطلقات الإيديولوجية لدى حركة الوطنية الجزائرية .

فما هي يا ترى  المنطلقات الإيديولوجية  التي جاءت بها المدرسة  التاريخية  لأبي القاسم  سعد  الله ؟ ما هي  أصولها  و فروعها  و توجهاتها ؟ ما وزن  إسهامات نخبها الوطنية في المسيرة العلمية التاريخية ؟

1 ـ أبو القاسم سعد الله الشخصية الوطنية المتميزة : الواجب يقتضي منا التعرّض إلى هذه  الشخصية الفذّة "  أبو القاسم سعد الله " الشخصية الوطنية  المبدعة ، له  شأن كبير  في تأسيس المدرسة  لتاريخية الجزائرية  بعد  استرجاع  الجزائر لسيادتها الوطنية  سنة 1962 .  يعود الفضل إلى ما جادت به سنة 1930  بمولد شيخ  المؤرخين أبي القاسم  سعد الله في بلدة " قمار " ولاية  واد سوف ، أين حفظ القرآن الكريم و نهل من عيون المعرفة مبادئ اللغة و أصول الفقه و الدين . إنه الرجل الموسوعي ذي  الشخصية المتميزة من أهل الفكر الأبرز على الصعيدين الوطني و الإقليمي اخترق نجمه الأفق المعرفي ، بازغا محلّقا في سماء الكوكب الأرضي و متلألئا وهّاجا في رحاب الفضاء الكوني .                                                     

      تبوّأ مكانته المرموقة ضمن أعلام الإنتاج الفكري و الإصلاح الاجتماعي ، بحيث  تلقى تكوينا  علميا  متكاملا قائما على أسس معرفية صلبة ، أهّلته ليكون مؤرخا و مفكرا و أديبا . نال أبو القاسم  سعد كفاءته العلمية بصلابة إرادته و جسامة تضحياته ، خلال سفريته العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية  أين تحصل على شهادة الدكتوراة

من جامعة  منيسوتا ، تم انتقل إلى كلية  دار  العلوم  بالقاهرة . (1) سمح  له تكوينه  العلمي أن  يتخصّص في رحاب التاريخ ، فاتجه ميوله نحو تاريخ أوربا و المغرب العربي في الحديث  و المعاصر ، و تاريخ النهضة الإسلامية  الحديثة .

تقلّد عدّة وظائف في التعليم  العالي ، ليصبح  المؤرخ المفكر ، سفير ا للجزائر في الحقل  المعرفي  عبر جامعات الوطن العربي و العالم الغربي . في البداية ، اشتغل بجامعة الجزائر أستاذا مشاركا في التاريخ  مند سنة 1967 ليرتقي  في عام 1971 إلى أستاذ في التاريخ و رئيسا لقسم التاريخ  بكلية الآداب بجامعة  الجزائر . (2)  درّس  في جامعات  الولايات المتحدة  الأمريكية ،  بحيث كان أستاذا  مساعدا في التاريخ  بجامعة  وايسكنسين  و أوكلير  من 1960 إلى 1976 و جامعة  متشيغان بإقليم  البحيرات الكبرى من 1987 إلى 1988 .

أمّا في  الوطن العربي ، فقد كان  ممثلا  متميزا  للجزائر في  مجال التعليم العالي ، مشرفا على تدريس مادة التاريخ بجامعة عين الشمس بمصر عام 1976 ، و جامعة دمشق عام 1977 و جامعة  الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية عام 1985 ، و جامعة آل البيت بالأردن  عام 1996 . و قد كان أيضا أستاذا  زائرا  بجامعة مينيسوتا بالولايات  المتحدة  الأمريكية ،  بقسم  التاريخ  طوال سنوات 1994 ، 1996 و 2001 .

خاض شيخ المؤرخين معارك مريرة و شاقة في مراحل تكوّنه و تعلّمه ، فكانت مسيرة  في الشأن محفوفة بالصبر و التحدّي و مفارقة الوطن و الأهل ، جعلت منه تلك الظروف الرجل الفحل المبدع ، الشغوف و التواق إلى العلم و المعرفة ، لأن طالب العلم في  نظره ، عليه أن  يتجاوز حدود  التعب و حنين البعد عن  الديار و الأمصار ، فأهّله ذلك الإيمان ليظل المغامر الناجح و المثابر الصالح في تكوين نفسه و رفع قدره و قدر وطنه . و الجزائر تعيش سنواتها الأخيرة من ثورتها المظفرة ، سجّل أبو القاسم سعد الله سنة 1960 مذكرته في  الماجستير ، عن الشاعر محمد  العيد آل خليفة  بعنوان : " محمد العيد آل خليفة  رائد الشعر  الجزائري في  العصر الحديث " ، فشاء  القدر أن لا يناقش الرسالة  و توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية  بعد أن تحصل على منحة  الدراسة  من  قبل قيادة  جبهة  التحرير الوطني . (3)  حوّلته تلك الرحلة العلمية إلى رجل جهاد  و علم  ،  طالبا للمعرفة و ممثلا  للجزائر الثائرة  على المحتل الغاشم .

عاد سعد الله إلى أرض الوطن ، ليشتغل أستاذ قسم التاريخ  بجامعة الجزائر بعد أن نال شهادتي الماجستير عام 1962 و الدكتوراة عام 1965 من جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية . (4)

مند السنوات الأولى من  فجر الاستقلال  و الوطن ما يزال  يضمد جراح  الحرب و ويلات  المستعمر ، استقر أبو القاسم  في الجزائر ، معترضا على  البقاء  و الإقامة في  فيافي  الغربة و أهوالها ،  مواصلا رسالة  جهاده الفكري و التربوي  ، مساهما  بكل جهوده  في تحقيق تطلّعات الأمة  و إنجاح  طموحات مسيرتها الثقافية  و أهداف  ثورتها التحريرية المباركة . لذلك أنكبّ عمله في الجامعة على التدريس ،  حيث كلّف بتلقين العلوم لطلبته  فيما يتعلّق 22 تخصّصا عبر مشواره التعليمي ، خصّ التاريخ الوطني و الأوربي ، و ميادين  الحضارة  و التراث الفكري الإسلامي .

شملت المواد و المواضيع التي عكف شيخ المؤرخين على  تعليمها لطلابه ، التاريخ  المعاصر للعالم  الإسلامي فيما بين القرنين السادس عشر و التاسع عشر ، تاريخ الأوقاف  و النظم ، انتشار الإسلام  في الوقت الحاضر ، تاريخ  العالم

المعاصر  ، تاريخ  أوربا  الحديث ،  تاريخ  أوربا  في  عصر النهضة ، التغلغل  الأوربي  في العالم الإسلامي الحديث، الحركات التحررية و الإصلاحية في العالم الإسلامي  الحديث ، النهضة الإسلامية الحديثة فيما بين 1800 و 1924

و الفرق المذهبية الإسلامية ، و مناهج البحث الحديث في التاريخ . (5)     

زيادة عن مهنيته المعرفية في التعليم الجامعي ، رحلاته العلمية داخل الوطن و في الخارج  بحيث تشهد له انجازاته الفكرية بمحاضراته و مشاركاته في المؤتمرات و الملتقيات  العربية و الدولية  على غزارة إنتاجه  و موسوعية فكره  .

و في هذا الصدد ، تشير المعطيات الإحصائية إلى 43 مشاركة علمية لأبي القاسم سعد في الملتقيات الوطنية و العربية و العالمية  ، تضمنت العديد  المحاضرات التي  ألقاها شيخ  المؤرخين  في جامعات  المغرب العربي  و الشرق الأوسط و في المؤسّسات الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية .

لم يتوان أبو القاسم  عن نضاله الفكري  و الثورة  التحريرية بانتصاراتها تسقط الحكومات الفرنسية  الأولى  تلو الأخرى  ، مشهرا  سلاح قلمه الثائر يدوي  في  وجه  المستعمر الفرنسي الجائر ، معرّفا بما يحدث  في الجزائر ، لا يخرج  عن نطاق  شعب عشق  التضحية ، يتطلّع  إلى شمس الحرية و هو يكافح المحتل بوعي و روية من أجل جزائر حرّة عربية . أول  محاضرة  ألقاها سعد  الله ، كانت  في  يوم 31 أكتوبر نوفمبر 1957 ، في نادي طلبة  المغرب  العربي  بالقاهرة ،  بعنوان : " الثورة  الجزائرية  في ذكراها  الثالثة "  نسرد بعض ما جاء  في بداية  المحاضرة : "  أيها  الإخوة  عندما  نحتفل اليوم بذكرى  ثورة  الجزائر  ، لا نحتفل بها كجزائريين ، و لا كمغاربة و إنّما  نحتفل بها كعرب  يؤمنون  بعدوّ  واحد  و  هدف  واحد  و  وطن واحد ، إنما  نحتفل بها كعرب لأن الثورة  في  الجزائر  نابعة  من قلوب  الملايين  العربية  المتمرّدة  ، معبّرة  عن آمالها  في الوحدة  و التحرّر  ،  مجسّمة للإرادة العربية التي لا تقهر مهما طالت بها السنون و تكاثفت حولها السحب ... " (6)  و المحاضرة الثانية في جامعة الجزائر عام 1966 ، بعنوان " الجزائر و القومية العربية " ، و الندوة الفكرية عن " الثورة في العالم الثالث ، بجامعة وايسكنسين بعام 1967 بالولايات المتحدة الأمريكية . (7) 

لم تتوقف حركة الإبداع و  التأليف عند أبي القاسم سعد الله ،  مند أن انطلق  فيها  فترة الخمسينيات  و الثورة تعيش سنوات الدعم و الحسم . أنتج فكره الموسوعي مند نهاية  خمسينية القرن الماضي إلى مطلع الألفية الثانية العديد من المقالات و الندوات و المداخلات و المحاضرات في ملتقيات و مؤتمرات محلية و إقليمية و دولية تفرّعت مواضيعها حول الفكر الإنساني و التاريخ الوطني و الإسلامي ، و الإنتاج الأدبي من شعر و نثر و  قصص  و مسارح أهّلته أن يغدو الرجل بلا منازع المفكر و المؤرخ و الأديب الموسوعي ، الذي أغنى وطنه  و أشرق فجره  و شرّف  عصره .

كل هذه الخصائص و الخصال العلمية  و الأدبية ، جعلت  من  أبي القاسم  سعد الله  الشخصية العلمية  و التاريخية و الأدبية المتميزة في الجزائر المستقلة . طوال مشواره العلمي  و المهني ،  أنتج سعد الله أكثر من 100 مقال  في شتى المواضيع ، من  بحوث و تراجم  و دراسات  علمية و تاريخية  مختلفة و قضايا متنوعة ، اجتهد  فيها و أبدع إلى حدّ كبير أبهر مفكري عصره ، بحيث اخترق سيطه فضاء الجزائر و حدود الوطن العربي  و الإسلامي . لقد  استطاع أن يخلّد وجوده العلمي في الكثير  من الجامعات و  المنتديات و الندوات داخل الوطن  و في الدول  العربية  و الغربية .

على غرار حضوره القوي في الجامعات الجزائرية ، كان أبي القاسم سفير الجزائر  في جامعات تونس  و ليبيا و مصر  و المملكة العربية السعودية و المملكة الهاشمية الأردنية و سوريا و فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الولايات

المتحدة وحدها ، يعدّ أبو القاسم سعد المثقف الوحيد الذي تمكّن من نقل ثقافة  و تاريخ بلده هناك ، ليعرّف بمكانة الجزائر و فكرها و حضارتها داخل المجتمع الأمريكي المتعدّد الأجناس و اللغات  و الديانات  و الثقافات  . شارك في مؤتمر المستشرقين الأمريكيين  بجامعات  سان  فرانسيسكو عام  1966 و جامعة  ميتشيغان  عام  1978  و جامعة كارولينا الشمالية عام 1993 و جامعة أريزونا عام 1994 . (8)

2 ـ أبو القاسم سعد الله منظّر الحركة الوطنية : إن  الفكر الخصب الذي تميزت به الحياة  العلمية  لشيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله ، بات من اللازم الاعتراف بعظمة هذا الرجل  بأنه المؤسّس الأول  للمدرسة التاريخية  الجزائرية بعد الاستقلال . و يمكن إبراز قدرات و أحقّية سعد الله " المدرسة و الموسوعة " في عوامل رئيسية و أسس جوهرية 

تتمثل بالأساس في سعة فكره و خصوبة إنتاجه  و مصداقية  وطنيته ، و  تحليله الرصين  لتاريخ  و مكوّنات الحركة الوطنية الجزائرية ، التي  سنحاول من خلالها  تسليط الضوء  على مفاهيم  و مواقف " المنظّر " سعد الله  من الحركة الوطنية . فبالنسبة للرجل  الموسوعي  بفكره  الخلاق ، فإن  أبي القاسم  سعد الله  استطاع أن  يغني المكتبة  الوطنية و ينمّي مخزونها القومي العلمي بثرواته المعرفية و إبداعاته الفكرية . و أنتج في مجال تخصّصه " ترسانة " من  المؤلفات الموسوعية ، يتقدّم موسوعته  الأولى ، كتابه  الضخم " تاريخ  الجزائر الثقافي " كالدوحة  التي  ألقت بأغصانها على جمهور القرّاء و نخب المجتمع الجزائري و العربي في عشرة مجلدات أو أجزاء ، بمجموع 5071 صفحة ، و موسوعته الثانية " أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر " الموزّعة  في خمسة  مجلّدات بمجموع 1675 صفحة  ،  و موسوعته الثالثة هي رسالته للدكتوراة ،  عنوانها " الحركة الوطنية  الجزائرية " بمجلّداتها الأربعة و  تعداد  صفحاتها 1880 صفحة .

فضلا  عن كتبه  الأخرى  التي  زادت عن 40  مؤلفا ، اشتملت  على  التراجم  و الدراسات  المختلفة و  التحقيق و الإبداع الأدبي بمختلف ضروبه . (9) 

ما تمّ ذكره ، شهادة إثبات بأن شيخ المؤرخين مدرسة تاريخية وطنية بكل المقاييس ، إذ أنه اجتمعت في خصاله العلمية أربعة صفات انصهرت في كيانه و استقرّت  في  وجدانه  ، فأزهرت حقله  و أنارت عقله . و هذه الخصال هي بالأساس ، صفة  " سعد الله المؤرخ ، الأديب ، الناقد ، و المنظّر " . لقد عبّر أبو القاسم سعد الله عن مفاهيمه و مواقفه من الحركة الوطنية الجزائرية في العديد من مؤلفاته و كتاباته ، غير أنّنا سنحاول إبراز ذلك من خلال بعض المحاضرات التي ألقاها أبو القاسم  في الملتقى الوطني الأول لكتابة تاريخ الثورة الجزائرية عام 1981 .

يحاول أبو القاسم سعد الله إيضاح مفاهيمه و تأسيس موقفه من الحركة  الوطنية  ، انطلاقا  من الاتجاهات  الفكرية و الثقافية التي ميزت مسيرة النضال الوطني التحرّري في الجزائر ما قبل الاستقلال ، و  بالتحديد فترة العشر  سنوات السابقة للثورة . اشتملت الحركة  الوطنية  فكريا و ثقافيا  على ثلاث اتجاهات  ، هي  في الأصل الاتجاهات الدينية  و الاتجاهات السياسية ، و الاتجاهات الثقافية . (10)

المعروف أن الحركة الوطنية تعني في حدّ ذاتها مجموعة ردود الفعل الوطنية الجزائرية ضدّ سياسة المستعمر الفرنسي  انطلقت مند أن وطأت  أقدام  المحتل  أرض الجزائر  الحرّة . و لذلك في البداية يوضّح سعد الله مفهومه لهذه المرحلة 

أن بداية النضال الوطني  التحرّري كان  منصبا على دحر المستعمر  و تخليص البلاد  منه . ذلك أن الحركة  الوطنية الجزائرية كانت بالدرجة الأولى سياسية تقوم على  مقاومة  المستعمر  بالسلاح  أولا ، خصوصا خلال القرن التاسع عشر ، ثمّ لجأت إلى العمل السياسي المنظم في شكل أحزاب و هيئات ، سواء كان التنظيم السياسي في الجزائر أو في فرنسا نفسها ، فإن محتواه الفكري و الثقافي كان ضعيفا إن لم يكن معدوما . (11)  فأبو القاسم سعد الله  ، يلغي أية علاقة بين الدافع  الفكري  و نظيره  السياسي التحرّري  في هذه الفترة  بالذات ، ممّا يرجح القول أن إرادة  التحرّر لدى الجزائريين في بداية الاحتلال نابعة من صميم  طاقتهم الفطرية التلقائية الخالية من أية  ثقافة سياسية أو فكرية .

3 ـ الاتجاهات الدينيـة :  إن ّ الفجوة  الفكرية  و  الثقافية  الحاصلة  في  بداية  نشاط  الحركة  الوطنية  الجزائرية  في  أوائل القرن  التاسع  عشر لا يراها  أبو القاسم سعد  الله  معوّقا للنضال الوطني التحرّري فحسب ، بل يفسّرها بيقظة الوعي الشعبي المبكّر و الملامح التي ستنضج نهضة سياسية تأخذ في مداها القريب الجوانب الفكرية و السياسية مع  مرّ الزمن و تدفع شرائح المجتمع الجزائري و نخبه  للتفاعل مع النظام الاستعماري  ، بغاية  رصّ صفوف المقاومة الشعبية التحرّرية  تحت راية  الجهاد . فالاتجاهات الدينية هي  في حدّ ذاتها  إحدى الروافد  المغذّية  للنضال  الوطني التحرّري حسب أبي القاسم سعد  الله . اتّسم نشاط التيارات الدينية على مدى  القرن التاسع  عشر بتعميق  مسيرة الوعظ الديني الرامي إلى غرس محبة الوطن في وجدان الأمة  انطلاقا من الذود  على قيم الإسلام  و مثل المجتمع بغاية مواجهة تداعيات الغزو الاستعماري و ما رفقه من تجهيل  و تفقير  و  تبشير  الموجه  بالأساس إلى تقويض مقوّمات المجتمع الأهلي . حمل رسالة التغيير و الإرشاد و التوعية رجال من النخب التقليدية ، لهم باع في مجال الفقه و التعليم و القضاء ، يتقدّمهم عبد القادر المجاوي و مولود بن الموهوب و بن عثمان خوجة ، الذين يعود لهم الفضل في بلورة برنامج الاتجاهات الدينية طوال القرن التاسع عشر . و حسب سعد الله ، فإن نشاط  هؤلاء  الرجال  تمثل أصلا في جهودهم الفردية بإلقائهم للدروس الدينية من فقه و تفسير و تعليم داخل المساجد و المدارس القرآنية . 

لقد كان هؤلاء الرجال  مركز  إشعاع  فكري  و أدبي بكتاباتهم  الفقهية و  إنتاجا تهم الأدبية تمكّنوا من خلالها التصدّي للمدرسة الاستعمارية التي كان أصحابها يروّجون  بأفكارهم  شرعية  و مشروعية  الغزو  الفرنسي الجزائر مطلع القرن التاسع عشر. استطاعت هذه النخبة من المثقفين الجزائريين من الرّد على دعاة الفكر الكولونيالي و منهم ألكسيس طوكفيل و ألفونس دي لامارتين و جول فيري و غيرهم من ذوي النزعة الاستعمارية الفرنسية .

حاولت  الإدارة الفرنسية  في بداية  الاحتلال  توظيف كل أدوات السيطرة  على  المستعمرة بأقل  التكاليف بغرض استكمال مخطط الغزو في ظروف هادئة . و لذلك شجّعت الاستيطان بشكليه الرّسمي و  الحرّ ، و انتهاجها  لسياسة التبشير و التمييز و التفقير . إلا أن المستعمر لم يجد الوضع كما تصوّره دعاته ، و جاء الرّد مباشرا و موحّدا من قبل الجزائريين مند بداية الاحتلال إلى متمّ القرن التاسع  عشر . في هذا المضمار ،كان  المحرّك القوي  في  هذا الشأن هو الوازع الديني الذي حملت لواءه النخب الدينية و ثقافتها المحافظة ، فأسهمت في إشعال لهيب المقاومة  المسلّحة .

    تمثل النخب الدينية توجّهات نضالية و إصلاحية ، غدّت الحركة الوطنية و كانت منطلق المقاومات الشعبية إبان القرن التاسع عشر ،  تنقسم حسب رأي شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله إلى ثلاثة  تيارات تحرّرية رئيسية :

    التيار التقليدي : يحصره شيخ المؤرّخين في موقف رجال الدين من الاستعمار سلبا و إيجابا ، فنراه  يصف الدور الايجابي لأصحاب التيار التقليدي بمصطلح " الإسلام المجاهد " . (12)   يتجلّى هذا الموقف في مسيرة  الجهاد التي قادها رجال الطرق الصوفية من  المرابطين  أمثال لالة  فاطمة نسومر  ، الشيخ ابن الحداد ، الشيخ  بوعمامة ، على امتداد مرتفعات الإقليمين التلّي  و الصحراوي ، فكانت بالفعل بطونا  للكفاح  و حصونا للمقاومات الشعبية  على مدى أزيد من خمس عقود من زمن القرن التاسع عشر . لقد حمل قادة الإسلام الجهادي  لواء المقاومة الشعبية برفع السلاح في وجه المستعمر الفرنسي و قواته الغازية ، محاولة منهم تطهير الوطن من وطأة الكافر .

فالدور الأكبر في المقاومة الوطنية العسكرية و الفكرية في بدايتها ، كان على عاتق هؤلاء  الرجال ، من ا لزوايا التي كانت وراء كل الثورات و الانتفاضات . (13) و تكفي الإشارة هنا إلى الطريقة الرحمانية و القادرية و الدرقاوية التي لعبت دور ا مؤثرا في المقاومات الشعبية ضدّ الغاصب الفرنسي . لهذا ، فأغلب الذين رفعوا السلاح  ضدّ الفرنسيين كانوا شيوخا أسندوا ظهورهم إلى مقدّمين  لطرق  معينة  خاصة الرحمانية و القادرية ،  مثل الشيخ  مولاي أحمد في منطقة الشرق الجزائري . (14)  نظرا لدورها المتصاعد في دعم وتيرة المقاومة مند بداية الاحتلال ، ازداد عدد مريدي الطرق الصوفية ، لأنها على رأي سعد الله ، حاملة لواء الإسلام المجاهد . و لهذا الغرض ،  تحوّلت حركة  الزوايا إلى قواعد شعبية للمقاومة التحرّرية أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر . لذلك ، تشير إحصائيات عام 1851 في قطاع الشرق الجزائري إلى تسجيل 67.13  ألف مريدا  للطريقة الرحمانية ، 15.64 ألف مريدا  للطريقة الطيبية و 8.34 ألف مريدا  للطريقة القادرية  ، و  4.95  ألف  مريدا  للطريقة التيجانية ،  و 1.17 ألف  مريدا  للطريقة الحنصالية . (15)  خلقت هذه الإيجابية في  الذهنية الاستعمارية  مشاعر التعجّب  و الذهول ، لمّا رأت فرنسا في التيار التقليدي المجاهد عزيمة تصفية المستعمر ، فأدركت أهميته في المقاومة ،  و راحت  تعمل بشتى  الوسائل على تقويضه و إبادته  بأساليب متعدّدة كتدجين قادته ، و ترهيب أتباعه . في هذا الصدد ، يقول سعد الله : " عمد المستعمرون إلى تفتيت القيادة الواحدة في الأسرة الدينية الواحدة ،  فجعلوا الابن ضدّ أبيه ،  و الأخ ضدّ أخيه ،  و المقدّم ضدّ شيخه ، و ربطوا كل  واحد منهم  بمصلحة  أو وظيفة ،  فجعلوا  بعض المرابطين  قيادا ،  و  وضعوا حوله  العيون  و أحاطوا البعض الآخر بالأبّهة ، و وصل بهم الأمر أن  زوّجوه  من فرنسيات ،  غير أن  بعضهم حرموه  و اتهموه و هكذا  ضاع السّر الذي كان أصحاب هذا الاتجاه يتمتّعون به عند الشعب . " (16)

و في المقابل ، عزّز النظام الاستعماري علاقته من التيار الثاني ، الممثل في الإسلام السكوني على حدّ تعبير أبي القاسم سعد الله ، الذي يعكس الوجه الآخر للتيار التقليدي . يمثل الموقف السكوني بعض الفرق من رجال  الطرق الصوفية و بالأخص بعض فروع الطريقة التيجانية و الطريقة الرحمانية و الدرقاوية . و يرى سعد الله  في  أمر  هذه الحركات الصوفية ، أنها لم تساهم إسهاما مباشرا في المقاومة . (17) و هذا يعني أنها وقفت موقف المؤيد أو المدافع عن مصالحها على حساب المسألة الوطنية ، ممّا يسّر على المحتل في بداية الاحتلال أن يتخذها حليفا طبيعيا له  في ضرب الحركات الصوفية الأخرى الدّاعمة لروح المقاومة . و لذلك يكون قد نجح المستعمر  في تشويه  الاتجاه الصوفي  و تفكيكه إلى نقيضين ، بحيث تحوّل ما يوصف بالإسلام السكوني إلى " مهزلة " عندما ضاع سرّ  تلك الفروع ،  فزالت  الهيبة في أعين الناس ، و غذت كلمة " المرابط" عشية اندلاع الكفاح المسلّح مرادفة لعبارات التخريف ،  الدّجل  و التخلّف بعدما كانت سلوكا و أسوة يقتدى به في التديّن و الوعي و التحرّر و الجهاد .

التيار المعتدل : من الطبيعي أن العاملين  في الحقل الديني كما يرى سعد الله ،  صنفان ، الصنف الأوّل من  المتصوّفة و يتشكل كما قلنا سابقا من الإسلام المجاهد ، أي التيار التقليدي المقاوم ، و الإسلام السّكوني ، أي التيار

التقليدي المتحالف ، و يعيش هذا الصنف  المركّب  من  أموال عامة  المجتمع . أمّا  الصنف الثاني ، فإنه يستفيد من أموال الدولة و يمثل رجالات الاتجاه  المعتدل من جمهور الفقهاء  ،  موظفون  عند الدولة  و  يقومون  بدور الإفتاء و القضاء و الإمامة و التعليم ، إنهم " النخب الدينية من العلماء " . ، تلقّى هؤلاء العلماء تكوينهم العلمي و  المعرفي في مدرسة المستشرقين الفرنسيين حسب رأي أبي القاسم سعد الله . و لما  شعر المسؤولون الفرنسيون  صعوبة  إيجاد العلماء  المتعاونين  معهم إبان  السنوات الأولى التي  أعقبت  الاحتلال ، بسبب  هجرة  بعض العلماء  الجزائر  بعد الاحتلال ، و عدم وثوق الفرنسيين  فيهم لأنهم لم  يتخرّجوا من  مدارسهم ، كانت حاجة المستعمر ملحّة  عليه أن يشرع في تكوين نخب من العلماء و المثقفين الجزائريين ، يقفون إلى جانبه و يعملون على إنجاح سياسته .

بعد تأسيس المدارس الفرنسية العربية الثلاث  سنة 1850 في الجزائر  و اتساع حركة الاستعراب ،  بغاية سعي فرنسا إلى ملء المكاتب العربية و إدارات الشؤون الأهلية ، تمّ تخرّج دفعات قليلة من تلك  المدارس ، تسلّم أصحابها وظائف دينية و تعليمية كانت شاغرة ، تخصّ الإفتاء  و القضاء  و التعليم  و الإمامة . و يقول سعد الله : " لم يكن الفرنسيون يوظفون من الجزائريين ، إلا أولئك الذين تخرّجوا على أيديهم و تحت إشرافهم  ، و يعملون العراقيل أمام المتخرّجين من المعاهد الإسلامية الأخرى  لعدم  الثقة  فيهم " . (18) و قد كان  هؤلاء  الرجال تحت أنظار المستعمر الفرنسي ، تحت الرقابة المستمرة ، و لم يكونوا أحرارا في نشاطهم فحسب ، بل ظلّوا موظفين مقيّدين و مجرّدين من أي الحق في الاعتراض و الرأي و النقد .

     غير أن السياسة الاستعمارية الفرنسية  المتبعة  في الجزائر خلال  هذه  الفترة، أنتجت أفواجا من النخب المجدّدة للتيار التقليدي ، استطاعت من خلالها الحركة  الثقافية  الجزائرية أن  تتفاعل مع تحدّيات عصرها . حاول بعضهم من تلك النخب التعبير عن موقفه باعتدال ، عن طريق اللجوء إلى التأليف  و بعث التراث الوطني . و في هذا الشأن يضرب سعد الله مثالا عن هذا الدور بقوله : " أسهم ابن أبي شنب في بعث التراث الوطني  ، و الحفناوي بن الشيخ و محمود بن دالي في الصحافة  الوطنية  و الرسمية ، و دعا آخرون  إلى اليقظة  العلمية  مثل ابن الموهوب  و المجاوي.

و انتقد آخرون التدخل في شؤون القضاء الإسلامي مثل المكي بن باديس ، و عبد الحليم بن سماية الذي وقف باسم الدين ضدّ التجنيد الإجباري للجزائريين في الجيش الفرنسي . و هناك من تأثر كما يرى سعد الله بأفكار  و  مبادئ الجامعة الإسلامية ، من أمثال مصطفى بن الخوجة الذي  دعا  إلى تحرير  العقل و الالتزام  بمبادئ  الإسلام الصحيح عن طريق التعليم و الاقتداء  بالأوربيين  في  مجال العمل  و الاجتهاد ، و هم  واثقين بأن الإسلام يركّز على ذلك .

شكّل أنصار هذا التيار كتلة من النخب الجزائرية ، يصفها أبو القاسم سعد الله باسم" كتلة  المحافظين " . تتكوّن هذه الكتلة من المثقفين  التقليديين أو  العلماء  ، و من المحاربين  القدماء  ، و من زعماء  الدين  و بعض الإقطاعيين و المرابطين  ، و من  بعض المعلّمين  و الصحفيين  المتأثرين  بفكرة  الجامعة  الإسلامية ، الذين تخرّجوا  من المدارس القرآنية و المدارس الفرنسية الجزائرية . ركّز أصحاب التيار المحافظ المعتدل على  نبذهم  للأفكار الغربية ،  التجنيس و التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي ، و دعوا إلى المحافظة على النظم الإسلامية  و التعليم العربي  و الحرص على القيم و التقاليد القديمة ، لكنهم من الناحية  السياسية  رفضوا مقاومة  المستعمر ،  متمسّكين بإرادة  الله إلى حين أن تتحقق معجزة تخليص البلاد من  المحتل الفرنسي . (19)  و من الشخصيات البارزة  لدى كتلة  التيار المعتدل ، الممثلة لأفكار و قيم كتلة المحافظين ، الشيخ عبد القادر المجاوي  ، سعيد بن  زكري ،  عبد  الحليم  بن سماية ،  مولود بن الموهوب ، و حمدان بن  الونيسي الذي كان أستاذا لعبد الحميد بن باديس . (20 )     

يمثل هذا الاتجاه بكل ما يحمله من  مميزات و بكل ما له من تحوّلات ، إرهاصات الحركة الوطنية الجزائرية خلال السنوات الأولى التي رافقت  الاحتلال  الفرنسي  إلى نهاية  القرن  التاسع عشر . تجلّت  تلك الإرهاصات  في بوادر الحركة الإصلاحية في شكلها التقليدي القائم على النضال  الفردي التوعوي المدافع  عن  مقوّمات الأمة  الجزائرية . 

من هذا المنطلق ، احتلت قضايا المجتمع و ثوابت الأمة المسلمة مقتضيات دعاة هذا التيار الوطني الإصلاحي .

التيار الإصلاحي : من بين الاتجاهات الفكرية التي احتضنتها الحركة الوطنية هنالك  التيار الإصلاحي الذي هو فرع من فروع الاتجاهات الدينية . فالاتجاه  الإصلاحي حسب شيخ  المؤرخين أبي القاسم  سعد الله ، لا يبدأ تاريخه بميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين  في ثلاثينية  القرن  الماضي  و أنما  تعود أصوله  إلى النصف الثاني من  القرن التاسع عشر . لذا يقول سعد الله : " إن الدعوة إلى الإصلاح ، أقدم بكثير من  تاريخ  إنشاء الجمعية ، و بذور هذه الدعوة في كتابات عبد القادر المجاوي في السبعينيات عن  التعليم  ، و كتابات المكي بن باديس عن  إصلاح القضاء في التمانينيات من القرن التاسع عشر . " (21)  تمكّن الشيخ المجاوي  من نشر أفكاره الإصلاحية عن طريق  التعليم في مدارس الجزائر و قسنطينة ، و تخرّج على يده كل من ابن أبي شنب ، مولود بن الموهوب ،  و مصطفى بن خوجة .

و من جهة  أخرى ،  أثرت جهود الشيخ المكي بن باديس  في سلك  القضاء  ، و استمرّت أفكاره  بعد في أحفاده أمثال حميدة بن باديس ، و الشيخ عبد الحميد بن باديس .

على هذا الأساس ، تعود جذور الاتجاه الإصلاحي إلى عوامل  رئيسية  بارزة ، و ترجع  في البداية  إلى كتابات و أعمال كتلة المحافظين ، أي التيار الديني المعتدل ، و انتشار أفكار الجامعة الإسلامية و زيارة محمد عبدو إلى الجزائر مطلع القرن الماضي ، و انتعاش الحركة الثقافية بين الجزائر و بلاد المشرق عن طريق الزيارات و الرسائل المتبادلة بين المهاجرين في الجزائر و إخوانهم في  المشرق العربي . و في  هذا الشأن  يقول سعد الله : " و ما إقامة  الشيوخ حمدان الونيس و الإبراهيمي  و العقبي في الحجاز قبل الحرب العالمية  الأولى ، و  زيارة  ابن باديس إلى  المشرق العربي أثناء الحرب العظمى ، و زيارة الطاهر الجزائري للجزائر ، إلا إرهاصات الإصلاح  في  الجزائر قبل  ظهور جمعية  العلماء؛ بل أنه يمكننا أن نعد ّ حركة الأمير خالد حركة إصلاحية ، و هي قد ظهرت قبل أو واكبت حركة  العلماء " . (22)

تأسّست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس من ماي 1931 بنادي الترقي في  الجزائر العاصمة  برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس ، و بعد وفاته في السادس عشر من أبريل 1940 ، تقلّد رئاسة  الجمعية الشيخ  البشير الإبراهيمي . فإذا كانت جهود الجمعية الإصلاحية  استمرارية لحركة  الإصلاح  التي انطلقت أواخر  القرن  التاسع عشر على يد أصحاب  التيار الديني  المعتدل ، فإن  فجوة  الاختلاف  واسعة  بين  المدرستين  في التصوّر و  المنهج و الهدف و الإستراتيجية . فالإصلاح الذي دعا إليه العلماء  يختلف  في عمقه  و حجمه  عن حركة  الإصلاح التي سبقت  جمعية  العلماء . ركز المصلحون  السابقون  نشاطهم  الإصلاحي على النصوص الأدبية  و  المقالة الصحفية و تجلّى آثارهم في الجرائد و خطب الجمعة و النوادي الثقافية و مؤلفاتهم الفقهية.

و بالمناسبة ، يورد شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله نص خطبة للمولود بن الموهوب عندما تولّى منصب الإفتاء في قسنطينة ، ركّز فيها على محاربة المسلمين للجهل و التعصّب ، و حبّ  العلم  و التحلّي  بالتسامح  و تقليد جيرانهم الأوربيين المتفوّقين  ، و دعا إلى اكتساب المعارف بقوله : " زينوا أفكاركم بالمعارف و اتركوا النوم ، يا قوم ،  فإنه ليس أمس كاليوم ، فمن  ترك التعلّم ، فهو الجلمود لأن الزمان زمان سباق ، و كل شيء له المعرفة صداق ..." (23) .

و لذلك تميزت حركة الإصلاح لدى الاتجاه المحافظ بخصوصيات واضحة ، جعلت إيديولوجيتهم  الدينية تتصف حسب أبي القاسم سعد الله ، بالإصلاح المحتشم أو الحذر ، لأنهم كانوا أناس مدينين في الأغلب للإدارة الاستعمارية بوجودهم . أما العلماء المسلمين  الجزائريين ،  انصبّ  نشاطهم  الإصلاحي في  رأي  سعد  الله  على العمل السافر الجريء ، القائم على تصفية الدين من الخرافات  و بعث التعليم العربي ،  و  إحياء  التراث  بنشر حضارة  الإسلام و تنشئة جيل يؤمن بهذه القيم ليدعم الحركة الوطنية . انطلاقا من هذه الأسس ، يقول شيخ المؤرخين عن العلماء :

" فإن إصلاح العلماء ، قام  على خطة  عمل مرسومة  للوصول  إلى هدف محدّد  و يكفي أن نقول أن  برنامجهم يمثل دفعة جديدة ربطت  الإصلاح  بالدين  و الدنيا ،  و بالتراث و الوطنية . (24)   هذا و يرى  البعض من المفكرين الجزائريين ، أن الاتجاه الإصلاحي كان له الدور الأبرز  في  بعث النهضة  الثقافية  و تعميق الوعي الوطني الحضاري المنتفض على البدع و التحجر و الانزواء  إلى الماضي العقيم . فالاتجاه  الإصلاحي كما  يراه سعد الله  و غيره ، أنه فكر متقدّم و متطوّر بالقياس مع الاتجاه السابق ، بل هو ثورة عليه . لقد أحدث  الفكر الإصلاحي نوعا من التوازن بين الماضي و الحاضر و أوجد جسرا بينهما ، فهو  يختار من  الماضي ألمع  فتراته ، و يسعى إلى التوفيق بين الحضارة الإسلامية  و  بين الحضارة  الغربية  الغازية . (25)  حمّلت  راية الإصلاح  بمفهومه  الحديث  جمعية  العلماء  المسلمين الجزائريين مند تأسيسها في الخامس من ماي 1931 ، بفكر مستنير و متفتح على عكس التيار المحافظ ، معلنة رسالة التحرير في بعد الواسع ، يؤدي بالوطن في المدى البعيد إلى التحرّر الشامل أو الاستقلال التام . إن غاية الجمعية غاية إصلاحية ، تهدف إلى تطهير الدين و العودة إلى الأصول لاستنباط الأحكام  ، و تنشئة  جيل جزائري جديد  مسلّح بثقافة وطنية و فكر عربي ، ليتمكن في المستقبل من تحقيق الأمنية الغالية و هي الاستقلال . (26) 

يعكس التيار الإصلاحي بكل تجرّد روح  النهضة الجزائرية  التي مكّنت رجالاته  من اكتشاف الصلة  بين الواقع  الجديد و موقف المجتمع من  هذا الواقع  و كيفية التفاعل مع  متغيراته  و تداعياته . من هنا استطاع  أصحاب  هذا الاتجاه الوطني حسب أبي القاسم سعد ، إيجاد القدرة على تصحيح  هفوات التيار التقليدي  من خلال  بعث حركة إصلاحية تنفرد بتنظيمها و برنامجها و أطرها و إستراتيجيتها عن التيار التقليدي  ، في  مواجهة النظام الاستعماري .

خاتمــة

من خلال ما تقدّم ، يمكن استخلاص حقائق تاريخية  في غاية الأهمية عن الحركة الوطنية  خلال  القرن التاسع عشر ، انطلاقا من الاتجاهات الدينية التي مثل روادها مسيرة  النضال الوطني على مدى هذه المرحلة التاريخية .

على هذا الأساس ، ينبغي أن نقول في حق هذه التيارات الوطنية الدينية ، أنها اتسمت  صيرورتها التاريخية و النضالية بجملة من التطوّرات و المتغيرات ، استفادت منها فيما بعد الحركة الوطنية الجزائرية مع طلائع القرن العشرين .

ركّز دعاتها على مقاومة المستعمر انطلاقا من التمسّك  بعناصر الهوية الوطنية  العربية الإسلامية ، و  ذلك عن طريق الخطاب الديني الذي تلك التيارات و التي مسألة الهوية من المقتضيات الجوهرية  للأمة .

تنوّع الاتجاهات الدينية دلالة على خصوبة مسيرة  ردّ الفعل الوطني على الاستعمار  الفرنسي من  جهة ، و الوقوف في وجه مخطّطاته الرامية إلى الاستيطان و الاستيلاء و الإخضاع من جهة أخرى . 

نشوء نخبة وطنية متشبعة بالوازع  الديني ، كانت بمثابة  الحصن الحصين في مجابهة  سياسة المستعمر ، و طاقة  مجدّدة و باعثة للمقاومات الشعبية .

بروز تيارات متباينة  في المنهج  و موحدة في الهدف ، أعطى دفعة  قوية ، سمحت  بنشأة حركة  إصلاحية  متكاملة الأهداف ، واضحة المعالم ، كانت وراء ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .

لذا ، يذهب بنا القول إلى اعتبار أن اهتمامات رجالات الاتجاهات  الدينية ، قد أثمرت جهودهم بتأسيس فكر وطني تحرّري ، كانت انطلاقاته الأولى تحصين الذات  و إصلاح  الأفراد  و توعية  المجتمع ،  بغرس  مشاعر حبّ  الوطن وتعميق ثوابت الأمة في الوجدان الجماعي والمحافظة على الذاكرة الجماعية و الذود على مقدّسات الكيان الجزائري . 

الهوامــش

(1) منتدى شخصيات بلادي ، " السيرة الذاتية لأبي القاسم سعد الله " ، الجزائر ، 2008 ، ص 2 .

(2) المرجع السابق ، ص 2 .

(3) أحمد بن السائح ، " الدكتور أبي القاسم سعد الله ، مؤسّس المدرسة التاريخية الجزائرية  " ، المكتبة الرقمية ، الجزائر ، 2013 ، ص 1 .

(4) أحمد بن السائح ، نفس المرجع ، ص 1 .

(5) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .

(6) أبو القاسم سعد الله ، " الذكرى الثالثة للثورة الجزائرية 1957 " ، مجلة الثقافة ، العدد 83 ، الجزائر ، أكتوبر 1984 ، ص ص 243 ـ 251 .

(7) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .

(8) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص ص 3 ـ 4 .

(9) أحمد بن السائح ، المرجع السابق ، ص ص 1 ـ 2 .

(10) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، 1981 ، ص ص 18 ـ 26  (11) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 18 .

(12) أبو القاسم سعد الله ، المرجع السابق ، ص 20 .                                                                                                                 

(13) حميدة عميراوي ، جوانب من السياسة الفرنسية و ردود الفعل الوطنية في قطاع الشرق الجزائري ،  الطبعة الأولى ، دار البعث للطباعة و النشر ، قسنطينة  الجزائر ، ص 64 .

(14) عميراوي ، نفس المرجع ، ص ص 64 ـ 65  .

(15) عميراوي ، نفس المرجع ، ص 65 .

(16) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 20 .

(17) سعد الله ، نفس المرجع ، ص ص 20 ـ 21 .

(18) سعد الله ، المرجع السابق ، ص 21 .                                                                                                                                (19) أبو القاسم سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية 1900 ـ 1930 ، ج 2 ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 1983، ص ص 151 ـ 152 .

(20) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 154 .

(21) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، المرجع السابق ، ص 21

(22) أبو القاسم سعد الله ، الملتقى الوطني الأول لتاريخ الثورة ، 28 ـ 31 أكتوبر 1981 ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، ص ص 21 ـ 22 .

(23) أبو القاسم سعد الله ، " مساهمة بعض المفكرين الجزائريين في اليقظة الإسلامية في القرن التاسع عشر " ، ملتقى الفكر الإسلامي السادس من 24 جويلية إلى 10 أوت 1972 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، المجلد الرابع ، مطابع دار البعث ، قسنطينة ، 1973 ، ص ص 106 ـ 107 .

(24)  سعد الله ، نفس المرجع ، ص 22 .

(25) عبد الله ركيبي ، " دراسة مقارنة للتيارات الفكرية قبل الثورة و أثناءها " ، مجلة الأصالة ، عدد 22 ، خاص بالذكرى العشرون لاندلاع الثورة الجزائرية 1954 ـ 1974 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، الجزائر ، ديسمبر 1974 ، ص ص 38 ـ 49 .

(26) أحمد الخطيب ، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و أثرها الإصلاحي في الجزائر ، المؤسّسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، 1985 ، ص ص 118 ـ

7.01

Abstract:

After independence, Algeria inherited a conscious elite of bright minds, talents and creative talents. It was able to learn in its hand, its knowledge and its course, the generation of free Algeria in the early sixties and seventies. These educated elites were the driving force and the driving force behind the cultural, intellectual and historical renaissance in the field of education, training and rehabilitation among Algerian students. From here began to sail Algerian school of national and civil dimensions.

     There is no doubt that Abu Kacem Saadallah because of his scientific home and creative energies, tops the forefront of the historical school as the Sheikh of historians, and thanks to the rise of this top rank to several considerations and implications, the most important fertility of the idea and the Academy of his work and the integrity of his positions and nobility of creation and Great humility and purity of patriotism. The man's magicians had the true qualifications of his intellectual, historical and literary personality, capable of leading the awakening of thought and the renaissance of the times, to establish Abu-Kasem on the day of his accession to his highest companion, the first building blocks of the historic school in independent Algeria.

Keywords:

Religious trends - Algerian national movement - writings of Abu Kacem Saadallah.

الملخص :

الاتجاهات الدينية للحركة الوطنية الجزائرية

في كتابات أبي القاسم سعد الله

ص ص 14-34

د. محمد قنانش

المركز الجامعي عين تموشنت

ورثت الجزائر بعد الاستقلال نخب واعية من العقول النيرة الخفاقة و من  المواهب و الكفاءات الخلاقة ، استطاع أن يتتلمذ على يدها  و علمها و سيرتها جيل الجزائر الحرة  مطلع  الستينيات و السبعينيات . فكانت  تلك  النخب المثقفة وقتها القاطرة المسيرة  و القوة  المحركة  للنهضة  الثقافية  و الفكرية  و التاريخية  في  مجال  التعليم  و التكوين  و التأهيل لدى الطلاب  الجزائريين . من هنا  بدأت  ملاح  المدرسة  الجزائرية ذات البعدين  الوطني  و الحضاري . وممّا لاشك فيه ، أن أبي القاسم  سعد نظرا لمنزلته  العلمية و طاقاته الإبداعية ،  يتصدّر طليعة  المدرسة التاريخية باعتباره شيخ المؤرخين ، و يرجع الفضل في  تبوّئه هذه  المرتبة العليا إلى عدّة  اعتبارات  و دلالات ، أهمّها خصوبة فكره  و أكاديمية أعماله و نزاهة مواقفه و نبل خلقه و عظيم تواضعه  و طهارة وطنيته . فشمائل الرجل ، كانت له المؤهّلات الحقيقية لشخصيته الفكرية و التاريخية و الأدبية  القادرة على قيادة يقظة الفكر و نهضة العصر ليؤسّس أبو القاسم غداة  الاستقلال  إلى  يوم التحاقه  برفيقه  الأعلى ، اللبنات  الأولى للمدرسة التاريخية  في الجزائر المستقلة .

                                                  الكلمات المفتاحية:

الاتجاهات الدينية- الحركة الوطنية الجزائرية- كتابات أبو القاسم سعد الله.

Citation :

Date de publication : Décembre 2014

pp.14-34

E-ISSN: 2571-9742

Référence électronique

Rédacteur : Mohamed, Gueneche, Université. Ain T’émouchent

Reçu: le 7 Décembre 2013. Accepté: le 20 février 2013; Publié: 15 Décembre 2014

«Religious trends of the Algerian national movement In the writings of Abi Kasem Saad Allah »,

Dialogue  Méditerranéen, [En ligne], n°7 Décembre| 2014,

mis en Ligne le 01 Octobre 2017

Copyright: © 2014 Mohamed,Gueneche. Il s'agit d'un article à accès libre distribué sous les termes du Creative Commons Attribution License , qui permet l'utilisation, la distribution et la reproduction sans restriction dans n'importe quel support, à condition que l'auteur et la source d'origine soient crédités.

PDF 335 HTML

6.01

Abstract:

Algeria was known as a large Andalusian migration that printed the Mediterranean world during the latter period of the Middle Ages and the beginning of the modern era. Algeria has been associated with the Ottoman Empire since the first half of the sixteenth century and has contributed effectively to Ottoman history by engaging in most of the major events in Ottoman history To the extent that it can be said that the Ottoman bet in the Mediterranean world during the sixteenth century was linked to the maximum extent of Algeria. The recent Moriscos migration to the cities of Algeria is limited by the lack of archival documents scattered across the various archives of the Mediterranean countries, especially the Ottoman Empire, which obliges Algerian researchers to discover and reveal this historical migration and its relationship with Algeria. It has long been noted that researchers focus on local archives without returning to the Ottoman archives. The Ottoman document is important in writing some important details in the history of the relations between Algeria and the Ottoman Empire in the context of the conflict with Spain and the tragedy of the Moricos.

Keywords:

The Moriscos case, the Ottoman Empire, Algeria, the Ottoman Firmane, the Inquisition

الملخص :

القضية الموريسكية في الفضاء العثماني الجزائري

على ضوء الفرمانات العثمانية(1492-1614)

ص ص 9-37

أ.د. حنيفي هلايلي

جامعة سيدي بلعباس

عرفت الجزائر هجرة أندلسية واسعة طبعت العالم المتوسطي خلال الفترة الأخيرة من العصر الوسيط و بداية العصر الحديث.و ارتبطت الجزائر بالدولة العثمانية منذ النصف الأول من القرن السادس عشر، و ساهمت بشكل فعال في التاريخ العثماني من خلال الانخراط في جل الأحداث البارزة في تاريخ الدولة العثمانية إلى درجة يمكن القول معها إن الرهان العثماني في العالم المتوسطي خلال القرن السادس عشر ارتبط إلى أبعد الحدود بأيالة الجزائر. و تظل الهجرة الموريسكية الأخيرة إلى حواضر الجزائر محدودة بسبب انعدام الوثائق الأرشيفية و المبعثرة عبر مختلف أرشيفات دول البحر الأبيض المتوسط و خاصة السلطنة العثمانية، و هو الأمر الذي يلزم الباحثين الجزائريين العمل على اكتشافه و إماطة اللثام على هذه الهجرة التاريخية و علاقتها بالجزائر. فقد لوحظ منذ زمن بعيد تركيز الباحثين على الأرشيفات المحلية دون العودة إلى الأرشيف العثماني ،فالوثيقة العثمانية لها أهمية بمكان في كتابة بعض التفاصيل المهمة في تاريخ العلاقات بين الجزائر و الدولة العثمانية في إطار الصراع الدائر مع إسبانيا و مأساة الموريسكيين.

                                                  الكلمات المفتاحية:

القضية الموريسكية، الدولة العثمانية، الجزائر، الفرمانات العثمانية، محاكم التفتيش

Citation :

Date de publication : Mars 2014

pp.9-37

E-ISSN: 2571-9742

Référence électronique

Rédacteur : Hanifi,halaili, Université. Sidi Bel Abbès

Reçu: le 7 Décembre 20134. Accepté: le 20 février 20143; Publié: 15 mars 2014

« The Moriscos issue in Algerian Ottoman spaceIn the light of the Ottoman Firmane (1492-1614) »

Dialogue  Méditerranéen, [En ligne], n°6| 2014,

mis en Ligne le 01 Octobre 2017

Copyright: © 2014 Hanifi,Halaili. Il s'agit d'un article à accès libre distribué sous les termes du Creative Commons Attribution License , qui permet l'utilisation, la distribution et la reproduction sans restriction dans n'importe quel support, à condition que l'auteur et la source d'origine soient crédités.

PDF 792 HTML

المزيد من المقالات...

  1. halaili.ht.6.1
  2. 05.4
  3. bouchnafi.ht.5
  4. 05.3
اليوم32
الأمس48
الأسبوع132
الشهر957
الكل2035

Who Is Online

2
Online

17-10-11