halaili.ht.2

حكم هجرة الأندلسيين إلى المغرب العربي

 من خلال فتاوى الونشريسي

أ.د. حنيفي هلايلي

 جامعة سيدي بلعباس

  استمر الوجود الإسلامي في شبه جزيرة ابيريا على طول أكثر من تسعة قرون متتالية. وقد كان هذا الوجود مصحوبا بقوة سياسية عسكرية طوال القرون الثمانية الأولى( منذ فتح الأندلس سنة 92هـ/711م حتى سقوط غرناطة في سنة 897هـ/1492م)، ثم أصبح هذا الوجود متمثلا في بقاء مجموعات كبيرة من المسلمين منتشرة في شتى أنحاء اسبانيا حاملة تسميات مختلفة : المدجنين   Mudejares أولاً ثم الموريسكيين Moriscos بعد ذلك(1). و لم يكن لهؤلاء سلطة سياسية ترعى شؤونهم، و إنما ظلوا مجرد رعايا يخضعون للسلطة المسيحية و يتعرضون لشتى ضروب الاضطهاد، حتى صدرت ضدهم في النهاية قوانين الطرد الجماعي فيما بين سنتي 1609-1614م، و حتى بعد هذا التاريخ بقيت مجموعات كبيرة من هؤلاء الموريسكيين متظاهرة بالتنصر و إن احتفظت بعقيدتها الإسلامية في الباطن.

     و يدل  على ذلك ما احتفظت لنا به وثائق كثيرة لمحاكمات قام بها ديوان التفتيش Inquisicion  ضد من اتهموا بالحفاظ على الإسلام وراء ستار من اصطناع المسيحية. و ترجع آخر وثائق هذه المحاكمات إلى تاريخ سنة 1729(2). سقطت غرناطة –آخر قلاع المسلمين في إسبانيا- سنة (897 هـ=1492م)، وكان ذلك نذيرًا بسقوط صرح الأمة الأندلسية الديني والاجتماعي، وتبدد تراثها الفكري والأدبي، وكانت مأساة المسلمين هناك من أفظع مآسي التاريخ؛ حيث شهدت تلك الفترة أعمالاً بربرية وحشية ارتكبتها محاكم التحقيق (التفتيش)؛ لتطهير أسبانيا من آثار الإسلام والمسلمين، وإبادة تراثهم الذي ازدهر في هذه البلاد زهاء ثمانية قرون من الزمان.

أولاً : محاكم التفتيش: المراقبة و التعذيب.

    ظهرت فكرة تأسيس محاكم التفتيش(3) منذ أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كان البابوات يعهدون إلى الأساقفة بمعاقبة المارقين و الملحدين.  تأسست هذه الدواوين في إسبانيا خلال عهد الملكيين الكاثوليكيين إيزابيلا و فردينا ندو( 1474-1516). فكانت أول المحاكم في إشبيلية  و قرطبة و جيان و بلد الوليد سنة 1482، و التي تابعت اليهود و فرضت عليهم التنصير(4).  في سنة 1483 أصدر الفاتيكان براءة تقضي بإنشاء مجلس أعلى لمحاكم التفتيش تشرف على شؤون الدين الكاثوليكي.

    بفضل جهاز محاكم التفتيش أضحى الموريسكيون عبيدا بدون سيادة، و بدأت عمليات الإستيلاب الثقافي  و التغريب بعد مصادرة أملاكهم، و تؤكد وثائق محاكم التفتيش  أن روح المعاهدة التي بموجبها سقطت غرناطة (25 نوفمبر 1492/21 محرم 897هـ)، لم تحترم بنودهاالتي وقعت بين الطرفين، بل سرعان ما تنكر لها الطرف المسيحي ، و بدأ المسؤولون السياسيون و الدينيون الأسبان، وهم المنغلقون دينيا و حضاريا على أنفسهم ، و المؤمنون بوجوب محاربة كل ما هو غير كاثوليكي، في عملية جديدة، تقضي باسترداد ليس المدينة فقط، بل أيضا بإسترداد روحي و حضاري لكافة سكان المملكة.

    وصف ريشليو- كاردينال فرنسا و رئيس وزرائها في عهد لويس الثالث عشر- عمل اسبانيا في إبادة العنصر العربي الإسلامي في الأندلس و طرد جميع من تبقى منهم فيها عامي 1609و1614 بأنه أكثر ما عرفه التاريخ في جميع عصوره من أعمال القسوة و البربرية(5) .

   يصعب إعطاء تاريخ محدد لنشوء محاكم التفتيش، لكن فكرة التحقيق في العقائد الكنسية الرومانية ظهرت في وقت مبكر. فخلال المجلس الكنائسي الثالث في لتران Latran سنة  1179أصدر البابا ألكسندر الثالث أمراً بمتابعة المارقين و حجز ممتلكاتهم.(6)  ويرجع تأسيس محاكم التفتيش بأسبانيا إلى عهد الملكيين الكاثوليكيين، إذ تحصلا على براءة من الفاتيكان فأنشئت محكمة التفتيش الأولى في اشبيلية سنة 1480 و بدأت مشروعها في قشتالة ضد اليهود المتنصرين فطاردت ألوفا منهم. و بعد صدور قرار التعميد الإجباري ضد الأندلسيين سنة 1502أصبحت محاكم التفتيش تتابع الموريسكيين بصرامة. ففي وصية لفرديناندو إلى شارل الخامس نجده يأمره: »بضرورة اختيار محققين أكفاء و مخلصين للكاثوليكية و تضييق الخناق على طائفة محمد – عليه الصلاة و السلام- (7).

    لقد وزعت محاكم التفتيش قائمة مفصلة لكل المظاهر التي تنبئ عن إتباع ملة الإسلام من طرف الموريسكيين، و فتح باب الوشاية بهم من طرف العناصر الأسبانية، و الجدير بالملاحظة أن أملاك الكنيسة  ومحاكم التفتيش تأسست أساسا من الأحباس و الاستيلاء غير الشرعي لأملاك الموريسكيين. لهذا الغرض وزعت محاكم التفتيش بيانا كاشفا عن مظاهر إتباع الدين الإسلامي للوشاية بأصحابها، و فيه:"   إذا تم الاحتفال بيوم الجمعة، إذا احترموا تعاليم الإسلام الخمسة...إذا تزوجوا على النهج المحمدي، إذا غنوا الأغاني العربية، ... إذا غسلوا موتاهم و لفوهم في كفن...إذا سمعنا أن الدين الإسلامي هو الأحسن أنه لا يوجد غيره للوصول إلى الجنة..."(8).

    و قد تسبب هذا البيان في محاكمة الآلاف من المتهّمين الذي وقعوا في فخ الوشاية و الحقد و الانتقام ، وحكم عليهم بالسجن و الجلد و الاسترقاق و التهجير. وكان من مظاهر مأساة الموريسكيين إجبارهم على تغيير أسمائهم العربية بأخرى مسيحية. و قد وجد هذا المظهر في سجلات محاكم التفتيش، بحث اكتشف أمر موريسكية و اسمها لويزا الأزرق التي اختلط عليها أسماء زوجها و أبنائها السبعة على أن تناديهم بأسماء لاتينية أمام أعضاء محاكم التفتيش فأحرقت و هي حية(9).كما أصدرت محكمة التفتيش بغرناطة في سنة  1526البيان التالي:" نطالب من الآن فصاعداً كل الجراحين و الأطباء و الأشخاص المرخص لهم بألا يقوموا بقطع مقدم عضو أي شخص دون إذن من الأسقف أو الحاكم، و كل من يخالف ذلك يعرض إلى النفي من المملكة"(10).

     لقد أقرت محاكم التفتيش قطع الموريسكيين عن جذورهم و هويتهم الثقافية وذلك بالقضاء على نظامهم الاجتماعي انطلاقا من قمة الهرم، أي سحق الزعماء و المتضلعين في شؤون الإسلام.وبسبب تعنت الموريسكيين و تشبتهم بالهوية الإسلامية، و رفضهم لكل محاولات الإدماج، الأمر الذي جعل المؤرخ الفرنسي برودال (Braudel)يصر على :" أن المشكل الموريسكي هو صراع ديني ، و بمعنى آخر صراع حضاري، يصعب حله، فهو مدعوا لأن يستمر" (11).

   كان دور المرأة الموريسكية أساسيا في رفض اندماج مجتمعها في المجموعة المسيحية،فقد لعبت دورا مشرفا، في مواجهة محاكم التفتيش، ذلك أنها مثلت الحارس المين للقيم و التقاليد الإجتماعية منها و الدينية. فإيزابال كالافار Isabel Calavara أحرقت لأنها لم تخبر عن والدتها و أختها،و هي في العشرين من عمرها، و من النساء من شنقن أنفسهن، أو رمين بأنفسهن في البئر، أو قطعن ألسنتهن كي لا يبحن بأسرار العائلة عند الاستنطاق و التعذيب (12).وفي البيت ، كانت المرأة الموريسكية ضامنة للطعام الحلال، و إحياء الأعياد الدينية، و متكفلة بتعليم أبنائها تعاليم الإسلام. و في بعض الأحيان كانت تعقد اجتماعات سرّية في بيتها لتعليم القرآن و قواعد الإسلام مثلما فعلت خوانا لوبيز Juana Lopez (13).

    بلغت نسبة الموريسكيين المقدمين لمحاكم التفتيش لغاية 1533 حوالي 3.3% . ويمكن تصنيف الأعمال المرتكبة من طرف الموريسكيين و المعاقب عليها من طرف محاكم التفتيش إلى ما يأتي:

 الوضوء- الطهارة- الصلاة- صوم رمضان – الاحتفال بيم الجمعة – عدم شرب الخمر – عدم أكل لحم الخنزير – قراءة كتب عربية – القول بأن الإسلام هو الأصلح – ختان الأطفال – الزواج على الطريقة الإسلامية (14).

   و المتتبع لمسار سياسة محاكم التفتيش تجاه الجالية الإسلامية، يلاحظ تطبيق قوانين صارمة منها :

 - منع الآباء من تلقين أبنائهم شعائر الإسلام.

 - إجبار الصغار و الكبار على حضور الحفلات الدينية في الكنائس.

 - تحويل المساجد إلى كنائس.

 - إنشاء مفتشية ، تدقق في أموال و مداخيل الموريسكيين و عقاراتهم.

 - مصادرة الكتب (15).

  كما صدرت عدة إجراءات و تدابير، تتعلق بمحاولة إدماج الطفل الموريسكي في المجتمع الأسباني، و هي محاولات لقطع صلة الأطفال الموريسكيين عن هويتهم الإسلامية، و تتمثل في الأساس من :

-        منع الموريسكيين من ختان أطفالهم.

-        منع تسميتهم بأسماء عربية.

-        تسليم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات و خمسة عشر سنة إلى السلطات الإسبانية قصد تلقينهم مبادئ المسيحية(16).

ثانيا : التقية : أسلوب المواجهة الجديد.

     لقد كان على مئات الآلاف من المسلمين الذين تخلّفوا بأرض الأندلس بعد سقوط دولة الإسلام مجابهة فتن كقطع الليل المظلم استهدَفت دينهم و دنياهم: فقد حُكم عليهم بترك العقيدة و المظاهر الإسلامية و إتباع العقيدة الكاثوليكية و التشبه بالنصارى حتى في أبسط الأمور، و من لم يلتزم بتلك الأوامر يٌعرّض نفسه للقتل و السجن و التعذيب و التهجير و مصادرة الأملاك و الأموال. فاضطروا لإظهار النصرانية و إضمار الإسلام في انتظار فرج من عند الله يكشف غمتهم و يرفع الحيف عنهم؛ و استمروا على هذه الحال إلى سنة 1609م لمّا قرر الملك فيليب الثالث(1598-1621) طرد الأندلسيين نهائياً من اسبانيا .
   لقد حاول الإسبان الدفاع عن هذا الطرد و قدّموا عدّة مبررات محاولين إخفاء فظاعة عملهم الهمجي اتجاه شعب مسلم هو أولى بالأندلس التاريخية. ومن هذه الأسباب مجتمعة ، ما يلي:

1- تشبّث الأندلسيين بالإسلام و رفضهم الاندماج في المجتمع النصراني.

2- الخطر الديمغرافي.
3- أخطار الغزو الخارجي.

     بعد عمليات التنصير القسّري (1502)، لجأت الجماعات الموريسكية إلى تأسيس جمعيات سرية، و استمر الفقهاء في تأطير تنظيماتهم الاجتماعية، وكانت محاكم التفتيش في مقابل ذلك ترفض و بشكل قاطع كل أشكال الحوار و الجدال مع المسلمين. لذلك رخص الإسلام للمسلمين بعدم إظهار الواجبات الدينية في ظروف قاهرة أو خشية مضرة كبيرة بالشخص (17).

   ابتدع الموريسكيون أسلوبا جديداً لمواجهة المد المسيحي، يعتمد أساسا على مبدأ التقية، و قد عبر بهذا الصدد الشهاب الحجري الأندلسي: " و كانوا يعبدون دينيين : دين النصارى جهراً، و دين المسلمين في الخفاء (خفية) و إذا ظهر على أحد شيء من عمل المسلمين، يحكمون فيهم الكفار الحكم القوي، يحرقون بعضهم كما شاهدت... من عشرين سنة قبل خروجي منها ..."(18).

    لقد احتار الموريسكيون في بداية الأمر في الكيفية التي يمارسون بها الشعائر الدينية وسط المجتمع الإسباني الضاغط، و تحت المراقبة الشديدة و المستمرة من طرف محاكم التفتيش. لهذا أجاز فقهاء الإسلام في عدوة المغرب للموريسكيين بممارسة العبادات سراً، ففي سياق الرد الذي جاء به الفقيه الونشريسي عن تساؤلات سكان غرناطة ، الذين سألوه عن احتمال رجوعهم إلى أرض الإسلام أو البقاء في دار الكفر(اسبانيا) مما جعل الفقيه يبيح العودة إلى دار الإسلام، و كأنه واجب ديني(19).وقد استغرب لوي كاردياك من هذا التصريح و ألح على أنه خطأ كبير صدر من فقيه بوزن الونشريسي(20). وهذه الفتوى كانت وراء تصاعد حدة التوتر بين الفئتين المسلمة و المسيحية ، خاصة فيما يتعلق باستعمال أسلوب التقية(21).

   بقي الإسلام الخفي جاثما على أرض الأندلس يحمله جيل بعد جيل، على الرغم من وسائل الإرهاب و الإقصاء إلى غاية سنة 1614، و هذا يعني أن سياسة محاكم التفتيش و الكنيسة الرامية إلى تنصير الأندلسيين قد فشلت . حاول الراهب الإسباني بدرو لونقا Pedro longas دراسة عقيدة الموريسكيين و تحليل أركان الإسلام مع محاولته تحديد الأطر العامة للإسلام الخفي المتبع في اسبانيا من خلال وثائق محاكم التفتيش ، فوصل إلى تحديد أربع ركائز شملت ما يلي :

-  الخط السياسي المتبع من طرف الموريسكيين في المجال الديني مابين 1492-1614.

 -  تمسك الموريسكيين بممارسة شعائر الإسلام رغم مراقبة محاكم التفتيش لهم.

 -  اختلاف وضعية الموريسكيين زمانا و مكانا .

 -  عدم فعالية الوسائل التي استعملتها محاكم التفتيش لتحويل الموريسكيين إلى المسيحية  (22).

  لقد اعتبر الموريسكيون مبدأ التقية كموقف سياسي يواجهون به الظروف التاريخية الصعبة، و هذا ما أشار إليه جل الباحثين. و من أسباب استعمال التقية من طرف الموريسكيين في اسبانيا خلال القرن السادس عشر ما يلي :

-        تعنت محاكم التفتيش و رفضها لأسلوب الحوار و التسامح و التعايش.

-        ازدياد الضغط الكنيسي على المسلمين بعد صدور مراسيم التعميد القسّري.

-        نقض بنود اتفاقية تسليم غرناطة (1492) و التي تعهد فيها الملكان الكاثوليكيان باحترام الحريات و تعاليم الدين الإسلامي.

-        الصفات القبيحة التي ألصقتها الكنيسة بالموريسكيين.

-        تسامح الإسلام لأتباعه بالتستر في أداء الواجبات الدينية عند الشعور بالخطر.

-        ظهور فتاوي تجيز استعمال التقية في الأندلس لأول مرة .

     أصر الموريسكيون على استعمال التقية كأسلوب للدفاع عن الهوية الثقافية و الدينية،

 و هذا انطلاقا من التوجيه القرآني الذي يراعي اليسر و الآمان للمسلم و عدم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. و لهذا استعمل الموريسكيون الأساليب التالية :

-        التحايل على رجال الكنيسة و عيون محاكم التفتيش.

-        رفض العمل بالشعائر المسيحية جملة و تفصيلا.

-        التمسك بالإسلام دينا و عقيدة.

    إن الالتجاء المستمر للتقية كان يمثل بالنسبة للموريسكيين خطر لا شك فيه، فتكرار حركات غريبة على الديانة المسيحية، يجعل أعين محاكم التفتيش تطارد بلا هوادة الموريسكيين.لقد حافظ الموريسكيون ، و إلى اللحظات الأخيرة، على فقهائهم

و تنظيماتهم الدينية.و قد توبع الموريسكيون من طرف محاكم التفتيش على الصوم،

 و الوضوء و الصلاة، و الصدقة و الحج.كما امتنع الموريسكيون بصفة عامة عن أكل لحم الخنزير و شرب الخمر رغم الضغوط الكبيرة التي كانت تمارس ضدهم.

 ثالثا : موقف فقهاء الإسلام من الهجرة الأندلسية.

     تردد الأندلسيون في مسألة الهجرة أو البقاء في الأندلس، فعرضوا أمرهم على علماء المغرب قصد إيجاد حلول لمحنتهم. و مما لاشك فيه أن مسألة الهجرة كانت أعسر على اجتهاد فقهاء ذلك الزمان،و هي مشكلة بقاء جماعات إسلامية منقطعة تماماً عن بلاد الإسلام، داخل بلاد النصرانية،و لابد من أن نقرر أن المأساة لم تبدأ منذ سقوط غرناطة و إنما يوم خطا ألفونسو السادس ملك قشتالة و ليون خطوته الحاسمة التي قررت مصير الأندلس الإسلامي باستيلائه على إمارة طليطلة سنة 478هـ/1085م،إن استيلاء طليطلة تم بصورة سلمية نتيجة خيانة أميرها العاجز الذي ابتلى به المسلمون في طليطلة هو عبد القادر بن ذي النون،ولم يقتصر الأمر على سقوط طليطلة بل سقطت معها توابعها، ذكر ابن الكردبوس في كتابه الاكتفاء أنه سقط بسقوطها ثمانون منبراً(23).

1- التعريف بالونشريسي

هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني، من الفقهاء المالكية البارزين في المغرب الإسلامي، ولد بجبل ونشريس في حوالي 834هـ-1431م، و نشأ بمدينة تلمسان في ظل سلاطين دولة بني زيان، حيث أخذ عن شيوخها العلم من اللغة و الفقه و علوم القرآن.و كان الفقيه لا يخشى في الحق لومة لائم ، و لذا غضب عليه السلطان محمد الخامس أبو ثابت الزياني صاحب تلمسان سنة 874هـ/1469م، الذي اتهمه بالتآمر عليه، فأمر بنهب داره و إحراق مكتبته، فاضطر الونشريسي للفرار إلى مدينة فاس فاستوطنها.فنال الحظوة و التكريم فطاب له المقام بها. تميز الونشريسي بإطلاعه الواسع على مسائل الفقه و القضايا التي تتصل بالأقضية و النوازل و الفتاوي و الأحكام، التي ألزم نفسه بتدريسها و التأليف فيها،قال عنه أحمد المنجور في الفهرسة: " كان مشاركا في فنون العلم إلا أنه أكب على تدريس الفقه... فصيح اللسان و القلم حتى كان البعض من يحضر تدريسه يقول: لو حضر سيبويه لأخذ النحو من فيه..".

قال عنه الكتاني في سلوة الأنفاس:" كان شديد الشكيمة في دين الله لاتأخده في الله لومة لائم." .شهدت المصادر بمتانة علم الونشريسي و تكوينه، و كان أعجوبة عصره، تقلد رياسة الخطط الثلاث في فاس: القضاء و الفتوى و التدريس، وكان من العلماء المجتهدين، و عرف بالرزانة و حسن التدبير .

كان الونشريسي محل الإحترام و التقدير من الخاصة و العامة لتجنبه الخوض في السياسة و مغالطة أولي الأمر و التزامه بالتدريس و مواظبته على التأليف، و قد أشاد به العديد من العلماء فاعتبره ابن عاسكر في دوحة الناشر:" حجة المغاربة على أهل الأقاليم و فخرهم الذي لا يجحده جاهل و لا عليم".ألف الونشريسي العديد من الكتب جلها في الفقه و مسائل الشريعة عرف منها:

-        أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى و لم يهاجر و مايترتب عليه من العقوبات .

-        الفائق في الوثائق.

-        غنية المعاصر.

-        مختصر أحكام البرزلي.

-        المعيار المعرب.

-        عدة البروق في تلخيص ما في المذهب من الجموع و الفروق.

 وافته المنية في العشرين من شهر صفر(914هـ/1508م)، عن عمر يناهز الثمانين سنة، قضى منها أربعين سنة بتلمسان، و أربعين سنة بفاس.

و ارتبطت شهرة الونشريسي بكتاب المعيار الذي جمع فيه النوازل الفقهية في شكل أبواب تتصل بتعامل الأفراذ و تهم شؤون المجتمع. وقد أثار فيها مسائل ثقافية و اجتماعية و اقتصادية و عقائدية. مثل التعليم و القضاء و التصوف و التقاليد و السلوك و الاجتهاد و المعاملة.

2-         فتوى الونشريسي:(24)

       كتب الونشريسي الفتوى الأولى قبل سقوط غرناطة 1492 ، وذلك سنة 1484م، في شأن أندلسيين هاجروا إلى المغرب، و لم ترق لهم ظروف العيش،:" ندموا على الهجرة بعد حلولهم بدار الإسلام و سخطوا و زعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة و أنهم لم يجدوا بدار الإسلام التي هي دار المغرب...بالنسبة إلى التسبب في طلب أنواع المعاش..." (25). وصرح آخرون منهم: " إن جاء صاحب قشتالة إلى هذه النواحي نسير إليه فنطلب منه أن يردنا إلى هناك"(26). لقد رد الونشريسي على هذه المزاعم بقوله:"...  أن الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة... و لا تسقط هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى الطاغية(الملك) لعنه الله على معاقلهم و بلادهم إلا تصور العجز بكل وجه، و حال الوطن و المال، فإن ذلك كله ملغى في نظر الشرع، قال تعالى:"  ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ     سورة النساء: 97-98 - أما المستطيع بأي وجه كانت و بأي حيلة تمكنت، فهو معذور و ظالم لنفسه إن قام...(27).

   كان الونشريسي صارما حينما صرح في حقهم:" ما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام و سب دار الإسلام، و تمني الرجوع إلى دار الشرك و الأصنام،و غير ذلك من الفواحش المنكرة، التي تصدر إلا من اللئام، يوجب لهم خزي الدنيا و الآخرة وينزلهم أسوأ المنازل،

 و الواجب على من مكنه الله في الأرض و سيره لليسرى،أن يقبض على هؤلاء، و أن يرهقهم العقوبة الشديدة، و التنكيل المبرح ضربا و سجنا، حتى لا يتعهدوا حدود الله، لأن فتنة هؤلاء أشد ضرراً من فتنة الجوع و الخوف نهب الأنفس و الأموال...(28).

    هل كان على الموريسكيين أن يعلنوا تنصرهم و يخفوا إسلامهم ؟. فالنص الذي أجاب عن تساؤلات الموريسكيين، قد جعلت الونشريسي يستنج أن هجرة هؤلاء كانت للدنيا،  و ليست للدين، بينما الهجرة من أرض الكفر إلى دار الإسلام واجب شرعي. لقد انتقد المؤرخ المصري حسين مؤنس هذه الفتوى، قائلاً: " فهذا الشيخ الذي تصدى لإبداء الرأي في مصير المسلمين المتخلفين في الأندلس، لم يكلف نفسه، عندما جلس يكتب هذه الفتوى ، عناء البحث عن أحوال من يفتي فيهم، و يتقصى أخبارهم، و يعرف الأسباب التي تضطرهم إلى البقاء في الأندلس، و تحول بينهم و بين الهجرة إلى المغرب.(29).

     و يضيف حسين مؤنس في موضع آخر: " و قد فاته (الونشريسي) أن ضعاف الناس أكثر من الأقوياء، و أن العاجزين عن الرحلة و الهجرة هم الغالبية العظمى... لقد كان لفتوى الونشريسي و أمثالها أسوأ الأثر على مصير الجماعات الإسلامية الباقية في الأندلس، فقد حكم عليها بالكفر و مقيمة في الجحيم الذي كانت تعانيه..".(30).

     بالرغم من انتقادات حسين مؤنس للفقيه، و اتهامه بقصر النظر في إصدار حكم قاسي على مسلمي الأندلس في مثل هذه الظروف الحرجة، و أنه لم يكن في موقع تقصي الحقائق لإصدار حكم شرعي بخصوص هجرة الأندلسيين. فإن بلاد الأندلس بعد سقوط غرناطة و صدور قرارات التعميد الإجباري أصبحت أرض كفر و حرب، و أصبح من الصعوبة بمكان على المسلمين هناك تأدية شعائر الإسلام بكل حرية.

3 – الفتوى الثانية:

وجه الونشريسي الفتوى الثانية سنة ( 901هـ/1495م) ، في شأن أحد الأندلسيين الذي أراد البقاء في الأندلس لمؤازرة إخوانه المسلمين لدى السلطات الأسبانية: " يتكلم عنهم مع حكام النصارى فيما يتعرض لهم من نوائب الدهر، و يخاصم عنهم، و يخلص كثيراً منهم من ورطات عظيمة بحيث يعبر عن تعاطي ذلك عنهم... و بحيث يلحقهم في فقده ضرر كبير إن فقدوه...(31).وكان رفض الونشريسي في هذه المسألة واضحا : "لأن مساكنة الكفار من غير أهل الذمة... لا تجوز و لا تباح، لما تنتجه من الأدناس و الأوصار، و المفاسد الدينية

 و الدنيوية..."(32).

    لقد بين الونشريسي في فتواه صعوبة القيام بشعائر الإسلام في وسط البيئة المسيحية المعادية لكل ماهو مسلم، قائلا : " ... فكيف يتوقف متشرع أو يشك متورع في تحريم هذه الإقامة مع استصحابها لمخالفة جميع القواعد الإسلامية الشريفة...(33).

    من خلال هذه النوازل يتضح أن الونشريسي أكد على مبدأ وجوب الهجرة لإرتباطها بالعقيدة الإسلامية و الحفاظ عليها من الشرك و التضليل و الردة بفعل الضغوطات و التنكيل المسلط من قبل محاكم التفتيش زمنئذ. والظاهر أن الفقيه لم يتصور حدوث هذه الظاهرة الدفاعية في وسط بيئة مسيحية معادية، لم يسبق و أن أبدى فيها فقهاء الإسلام برأيهم.

   عندما ندقق في حكم الهجرة الصادر عن الونشريسي يصرح بأن دخول بعض المسلمين تحت حكم النصارى أمر لم يعرفه المسلمون إلا في القرن الخامس الهجري بعد استيلاء النورمانديين على صقلية، لذلك لم يتعرض جمهور الفقهاء لمسألة الهجرة من قبيل هذه المشكلة. و الواقع أن هذا الكلام يدل على علم قليل بتاريخ الإسلام، و هذا الإهمال عرفه علماء المشرق و المغرب معاً. ففي أثناء الصراع الطويل بين الإسلام و النصرانية لم يخل الأمر بين حين و حين من أن تقع بعض بلاد الإسلام في أيدي غير المسلمين(34).

    إن تاريخ الأندلس و فهم أحداثه و تفاعلاتها و مسبباتها بالإضافة إلى دراسة الآثار التاريخية التي تظهر كشواهد ملموسة على مرور الزمن يؤدي ذلك إلى تكوين رؤية واضحة لجوهر حضارتنا الإسلامية عبر عصور ازدهارها، كما يفضح حقيقة الحضارة الغربية القائمة على التسلط و القهر و الإكراه، و التي كان من أوائل ضحاياها شعب الأندلس المسلم، الشعب الذي استمدت من جهوده عناصر الحضارة عندما أنارت الأندلس أرجاء أوروبا المظلمة، و لا يزال الغرب منذ تلك العصور و حتى اليوم يصور المسلمين و الإسلام بأبشع الصور، و يشن عليهم الحرب بمختلف الأساليب.

  الإحالات:

(1)  حدد المؤرخ الإسباني ميكال دي إيبالزا ، وجود ثلاثة مراحل للإطار الديني و الاجتماعي للأندلسيين من وجهة نظر القانون الإسباني، و يشمل المراحل التالية:

 - مرحلة المدجنين: قبل التعميد القسري(1502-1525).

 - المرحلة الموريسكية: اعتبر فيها المسلم منصراً أو مسيحيا رديئاً و نعتتهم الكنيسة بالهراطقة(mauvais chrétiens).

 - مرحلة الطرد النهائي( 1609-1614). و هي مرحلة عودة الأندلسيين إلى ديار الإسلام. للمزيد راجع :

  حنيفي ،هلايلي، الموريسكيون الأندلسيون في الجزائر خلال القرنين السادس عشر و السابع عشر، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة وهران، 1999، ص ص 15-17.

(2) لعبت محاكم التفتيش دور الحارس الأمين على المصالح الأسبانية و هي تلاحق الموريسكيين و تطاردهم أينما كانوا، و قد شبهها أحد الباحثين الأسبان ، بأنها كانت تمارس بيداغوجية الخوف و القهر. أنظر :

  Bartolomé,Bennassar,l’inquisition espagnol XVé-XIXé siècle,Paris, Hachette,1979, pp.72-101

(3)   بلغت البيبليوغرافيا الخاصة بدراسة محاكم التفتيش سنة 1963 حوالي 1950 عنوانا.

(4)  Guy, Testas et jean Testas,L’inquisition, que sais-je,Paris,PUF,1983,p.7.

(5) أسعد، حومد، محنة العرب في الأندلس،ط2،بيروت : المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1988، ص 5.

(6) Guy Testas et jean Testas,L’inquisition,Que sais-je,Paris,P.U.F,1964,p.7.

(7)   شارل، لي، العرب و المسلون بعد سقوط غرناطة،(تعريب: حسن سعيد الكرمي)،بيروت: منشورات دار لبنان للطباعة و النشر، 1988، ص 125.

(8) لوي ، كاردياك، الموريسكيون الأندلسيون، المجابهة الجدلية(1492-1640)، ( تعريب

و تقديم: عبد الجليل التميمي)،تونس- الجزائر: الدار التونسية للنشر و التوزيع، 1989، ص ص   114- 115.

(9)    أعمال المؤتمر العالمي للدراسات الموريسكية الأندلسية حول" دين و هوية الموريسكيين الأندلسيين و مصادر وثائقهم"، (تقديم: عبد الجليل التميمي)،تونس ، 1984، ج1، ص ص 59-69.

(10) )   نفسه، ج2، ص 191.

(11) Fernand,Braudel,La méditerranée et le monde méditerranéenne à l’époque de Philippe II,Paris,Armand colin,2ed, 1966,T2,p.118.

(12) Jeanne , Vidal,Quand on brûlait les morisques(1544-1621),Nîmes,1986,p.165.

(13)  لوي، كاردياك، المرجع السابق، ص 72.

(14)   الأرشيف الإسباني المتعلق بملفات محكم التفتيش بلنسية، قضية رقم : 799.

(15)  بلقاسم ، درارجة :" الأندلسيون المسلمون و محاكم التفتيش"، في أعمال المؤتمر العالمي الخامس للدراسات الموريسكية الأندلسية حول (الذكرى الخمسمائة حول سقوط غرناطة 1492-1992)، تقديم: عبد الجليل التميمي، تونس ، 1993، ج2، ص 69.

(16)   العروسي، الميزروري،" الطفل الموريسكي و أزمة هوية"، في أعمال المؤتمر العالمي السابع للدراسات الموريسكية الأندلسية، حول (العائلة الموريسكية: النساء و الأطفال)، تقديم : عبد الجليل التميمي، تونس ،1997،ص 54.

  1. (17) هذا ما جاء مطابقا للآية الكريمة في قوله تعالى : " " ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ  ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ  ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ  النحل: ١٠٦

    (18)  أحمد بن قاسم،الشهاب الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين (تحقيق: محمد رزوق)،الدار البيضاء: دار الشروق، 1987، ص 21. راجع أيضا: ناصر الدين ،سعيدوني: من التّراث التاريخي و الجغرافي للغرب الإسلامي،ط1، بيروت: دار الغرب الإسلامي،1999، ص ص 344-350.

(19)  للمزيد من التفاصيل حول مفهوم التقية عند الموريسكيين يرجى العودة إلى: جمال ، يحياوي، سقوط غرناطة و مأساة الأندلسيين 1492-1610، الجزائر : دار هومة،2004.،284 ص.

(20)  لوي، كاردياك ، المرجع السابق، ص 93.

(21)   نفسه ، ص 94.

(22)   بدرو ، لونقا، الحياة الدينية للموريسكيين الأندلسيين(تعريب: جمال عبد الرحمن)، مراجعة: عبد الجليل التميمي، تونس، 1993، ص ص 40-42.

(23)  الونشريسي، أسنى المتاجر في بيان من غلب على وطنه النصارى و لم يهاجر و مايترتب عليه من العقوبات

و الزواجر، (تحقيق: حسين مؤنس)،صحيفة معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، المجلد 5، العدد 1-2، 1957، ص ص 135-138.

(24)  أبو العباس أحمد بن يحيى بن عبد الواحد بن علي الونشريسي، ولد حوالي 834هـ/1430م،عرف بفصاحة لسانه و براعة قلمه وشجاعته الأدبية. تقلد بفاس الفتوى و التدريس و القضاء.، ألف العديد من التصانيف ، ولعله ليس من قبيل الصدف أن يموت الونشريسي في نفس السنة(1508)التي استولى فيها الإسبان على وهران ، للمزيد حول حياته، راجع : أبو القاسم ، سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ط1، بيروت: دار الغرب الإسلامي ، 1998، ج1، ص ص 123-132. و أيضا : ناصر الدين ، سعيدوني، من التراث التاريخي و الجغرافي للغرب الإسلامي، ط1، بيروت: دار الغرب الإسلامي،1999، ص ص 277-289.

(25) أحمد، الونشريسي، المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية و الأندلس و المغرب،

 ( إشراف: محمد حجي)، بيروت: دار الغرب الإسلامي 1981، ج2، ص 119.

(26)  نفسه، ح2، ص 120.

(27)   نفسه، ج2، ص ص 121-122.

(28)   نفسه، ج2، ص 132.

(29)    حسين، مؤنس، المقال السابق، ص ص ص 133-134.

(30)    نفسه، ص ص 144-147.

(31)    نفسه، ج2، ص 137.

(32)     نفسه، ج2، ص 138.

(33)  نفسه، ج2، ص 139.

(34)  في أيام المهدي العباسي استولى الروم على الحديثة و حكموها أعواما حتى استردها المسلمون أيام الهادي. للمزيد راجع: حسين ، مؤنس، المقال السابق، ص 134-137.

اليوم39
الأمس48
الأسبوع139
الشهر964
الكل2042

Who Is Online

1
Online

17-10-11