halaili.ht.1

ثنائية توظيف المصادر المحلية و الأوربية في كتابة تاريخ الجزائر

أثناء العهد العثماني من خلال تجربتي دوفولكس ودي غرامون

د.حنيفي هلايلي

جامعة سيدي بلعباس

    لأمد بعيد ظلت المصنفات الأوروبية والوثائق الأجنبية السبيل الوحيد لدراسة تاريخ الجزائر في العهد العثماني، وبالرغم من غياب الوثائق العثمانية والمصادر المحلية سواء المكتوبة باللغة العربية أو التركية عن هذه الدراسات إلاّ أنّها كانت حاضرة (1).

    لقد ظل الأمل معقودا على استغلالها وإماطة اللثام عن مجموعة من القضايا التي ظلت عسيرة الفهم وصعبة التفسير في ضوء الاعتماد الأحادي على النصوص الأجنبية.

ba

لقد انبرى ألبير دوفولكس (Devoulx) بالعدد الهائل من الوثائق العثمانية التي اكتشفها حيث قام بضبطها ودراستها، ونشر العديد من ملفات الوثائق في شكل كتب مستقلة أو دراسات بالمجلة الأفريقية، وعلى هذا الأساس كانت محاولته الأولى في توظيف المصادر المحلية لكتابة تاريخ الجزائر العثمانية.

لكن دوغرامون (H. De Grammont) رفض وبشكل قاطع الاعتماد على المصادر المحلية في كتابة تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، وشكك في نزاهتها ومصداقيتها واتهمها بالتجريد والمبالغة، ونادى بالاعتماد على الرحلات الأوروبية وأرشيف الدول الأوروبية والمذكرات ومراسلات القناصل وانطباعات الرهبان والجواسيس. وعليه فإنّ جل الدراسات التي كتبها دوغرامون، تعتبر مغرضة وتهدف إلى خدمة الاستعمار الفرنسي في مجال التاريخ.

تحاول هذه الدراسة تحديد أبعاد الاختلاف والتكامل بين تجربتي دوفولكس ودوغرامون في محاولتهما كتابة تاريخ الجزائر العثمانية باستعمال مصادر مختلفة، ولكن بإتباع خط واحد في المعالجة التاريخية يتميز بقلة وسرعة الأحكام وسطحية التفسير. فإلى أي حد استجابت هذه الكتابات في إبراز المعالم الصحيحة لتاريخ الجزائر العثمانية؟ وما هي حدود الاستفادة منها؟(2).

انبرى عدد من الأوروبيين بالوثائق العثمانية التي تقف عند كثير من القضايا الشائكة، وبالعدد الهائل من الوثائق المكتشفة، وهي وثائق كانت نتيجة تنظيم محكم للبيروقراطية العثمانية. فماهي الإمكانات التي يوفرها الأرشيف العثماني؟(3).


شجعت الإدارة الفرنسية الأساتذة الجامعيين والباحثين (1880-1962) على كتابة تاريخ الجزائر، وهذا منذ تأسيس  المدارس العليا بالجزائر تطبيقا لقانون 1880، وافتتاح الجامعة الجزائرية عام 1990، وتأسيس معهد الدراسات الشرقية عام 1933، مما ساعد على تطوير  الإنتاج التاريخي من خلال إنشاء النشريات والمجلات المختصة التي اشتهرت منها: المجلة الأفريقية (Revue Archéologie de la province de Constantine)، والمجموعة الأثرية لمقاطعة وهران (Recueil archéologique de la province d’Oran) وحوليات معهد الدراسات العربية (Annales de l’institut des études arabes).

استعمل الفرنسيون المصادر الغربية والأرشيفات الأوربية التي يتألف أغلبها من مذكرات الرحالة ومراسلات القناصل والمغامرين وتقارير الجواسيس وانطباعات الرهبان والجواسيس، وبذلك ظلت المصادر المحلية والمتمثلة في الأرشيفات والمخطوطات بالجزائر وتركيا مهملة، مع كوّنها المادّة الخام لهذه الدراسات(4).

إنّ أغلب الدراسات التاريخية المتعلقة بالفترة العثمانية، والتي تمت على يد كتاب فرنسيين، تعتبر دراسات مغرضة، فهي تخدم إلى خدمة الاستعمار الفرنسي في مجال التاريخ، بحيث أخضعت منهجية التاريخ ومتطلبات البحث إلى واقع الاحتلال ومرامي السياسة الاستعمارية.

فالوجود العثماني بالجزائر في نظر المساهمة الفرنسية كان بمثابة العامل الذي حال دون اكتساب الجزائر مقوّمات الدولة الوطنية وعاق تطور النظم الاجتماعية والاقتصادية. وقد أدّت هذه النظرة المغرضة بالكتاب الفرنسيين إلى تجاهل الوجود التاريخي للشعب الجزائري، واعتبار الجزائر منطقة فراغ حضاري تفتقر إلى وجود شعب متماسك وأمّة متكاملة. فالجزائر بهذا المفهوم كان ينظر إليها على أنّها جزء من الغرب افتك من طرف الشرق في مناسبتين، الأولى عند الفتح الإسلامي (القرن 7 م)، والثانية مع ظهور الأتراك العثمانيين وتأسيس أيّالة الجزائر ( ق 16 م).

إنّ جلّ ما كتب حول الفترة العثمانية يعتبر بالنسبة لاهتمامات التاريخ الجزائري من قبيل القضايا الجانبية والموضوعات الهامشية، بحيث  ظلّ  الاهتمام والتركيز منصب على مدينة الجزائر وعلى ما يهمّ الأوربيين من نشاطا مثل الاحتكارات التجارية ومشاكل القرصنة (الجهاد البحري) المتعلقة بفداء الأسرى ودفع الإتاوات والهدايا، والحملات البحرية العدائية التي شنّها الأوروبيون على السواحل الجزائرية، وهكذا نرى أنّ إهمال المصادر العربية – التركية والاعتماد الكلّي على الوثائق الأوروبية المتصلة بالفترة العثمانية بالجزائر، كان بمثابة رفض التعرف على الحقيقة التاريخية، ومعاداة للرؤية السليمة للتاريخ(5).

1. مساهمة آلبير دوفولكس (Albert Devoulx):

نشر المحافظ دوفولكس العديد من المواضيع التي تتصل بمدينة الجزائر اعتمادا على وثائق الأرشيف ومجموعات المكتبة العامّة بالجزائر، وعمل على نشرها باللغة الفرنسية مثل دفتر التشريفات ووثيقة عهد آمان، وسجل غنائم البحر، وبيان بثكنات الانكشاريين، وتعريف بحياة البحار الجزائري الرايس حميدو، وسجل أوجاق الجزائر.

في 13 أكتوبر 1848 أعلن مرسوم الجنرال شارون (Charron) القاضي بالاهتمام بمخلفات الدولة من وثائق ودفاتر ورسوم، وعهدتها إلى الوكيل، ونتيجة لهذا  المرسوم تعين ألبير دوفو (Albert Devoulx) لهذه المهمة(6). تعلم هذا الأخير اللغة العربية بمعهد باب عزون وكان لوالده ألفونس دوفو (Alphonse Devoulx)، أثر كبير في اهتماماته واختصاصه فيما بعد. كان يساعد آلبير دوفو جزائريان، حيث ترجما له كلّ الوثائق التركية كما ساعداه على ترجماته للعربية وهما محمد بن مصطفى ومحمد بن عثمان خوجة، ولم يفتأ دوفو يذكرهما بخير لجزيل العمل الذي أسدياه له لسير أبحاثه التاريخية. نقل دوفو الدفاتر والوثائق من الإدارة الفرنسية المحلية (Domaine)

وأودعها مكتبة  الدولة العامّة،  وتمكن من جمع الآلاف من الوثائق ويذكر ذلك على لسانه:" من أنّه مرت على يديه حوالي مائة ألف وثيقة". ومجموع دراساته التي نشرها بالمجلة الأفريقية  (Revue Africaine)، تشهد بأنّه  اطلع على أشياء كثيرة (7).ويحق اليوم أن يتساءل الباحث والدارس لتاريخ الجزائر في الفترة العثمانية أين هذه المائة ألف وثيقة التي ذكرها دوفو والتي اطلع عليها طوال إدارته لوثائق الدولة الجزائرية قبل سنة 1830؟.

إذا أخذنا بالاعتبار نجاة أغلبية الدفاتر العربية التركية، يبدو أنّ الأكثرية من هاته الوثائق قد ضاعت. ويذكر دالفان (Delphin) أنّ عددا من مخطوطات ووثائق دوفو قد قام هو نفسه على جمعها وشرائها(8) كما يذكر جون ديني (Jean Deny) أنّه عثر على 200 وثيقة مخطوطة تهمّ الجزائر من 1754 إلى 1829 وتتناول تاريخ الجيش الانكشاري، تحتوي على 25 فرمانا ورسائل وكلاء الجزائر وقناصلها في مدن البحر الأبيض المتوسط: مثل  رسائل حاكم مصر، محمد علي، ويحدس دوني الذي اشترى هذه الوثائق من مكتبات باريس، أنّه متأتية من وثائق دوفو(9).

وقد أكدّ  دلفان  الذي اشتغل مع دوني تبعية تلك الوثائق إلى دوفو بدليل وجود إمضاء هذا الأخير على بعض الوثائق(10).وبالرغم من ذلك فقد وضع دوفو ترقيما للدفاتر التي بلغت 508 دفترا، تخص أجور الانكشاريين وتجنيدهم من الامبراطورية العثمانية وحياتهم العسكرية وأسماء الثكنات والضباط.

وقد حكم عليها دوفو بعدم  جدوى هذه الدفاتر بالنسبة للإدارة المحلية بالجزائر، لذا أمر بإيداعها المكتبة الوطنية بالجزائر سنة 1852 (11).وقد قام فانيان (Fagnan) بترقيمها في الفهرست الذي أقامه للمخطوطات بالمكتبة الوطنية بالجزائر(12).بعد موت دوفو سنة 1876 أهمل هذا القسم من الدفاتر والوثائق حتى مطلع القرن العشرين حيث صدر قرار بتاريخ 6 أفريل 1908 يدعو إلى الاهتمام بأرشيف الجزائر.

1. دفتر التشريفات Tachrifat:

وفي فهرس فانيان جاء ما نّصه:"تقارير ورسائل وملاحظات باللغة التركية حول تاريخ الجزائر منذ عهد الداي شعبان في 1103هـ، حتى أوائل الاحتلال الفرنسي، النسخ بدأ باسم محمد الكاتب. قسم كبير منها تمّ  ترجمته من طرف ألبير دوفو، والمخطوط باللغة التركية، وبالخط الديواني(13).

تفطن دوفو لأهمية دفتر التشريفات في مجال تقدم حركية البحث في تاريخ الجزائر العثمانية، وحاول ترجمة بعض النّصوص فقط، بدأ من الأحداث التاريخية: الحرب مع  المغرب، منذ 1692 (1103هـ)، الحملة ضد تونس (1694) تحرير وهران1708 في عهد الداي محمد بكداش خوجة (1707-1710)، الحملة الانجليزية على مدينة الجزائر 1823 وقبلها في عهد الداي عمر باشا (1816-1817) ثم حملة اللورد اكسموث 1816.

- أحداث الحصار الفرنسي للجزائر (1249هـ/1827م)

- الجيش: الموظفين: الخزناجي، وكيل الحرج، الأمناء، ذكر 32 أمين حرفة، الديوان، الأسطول، السفن، الغنائم، الهدايا والأتاوات، الضرائب وجباية الأموال.

-     افتداء الأسرى: المصاريف والطاقم الإداري للعملية.

-     الحاميات العسكرية في البايلكات، حركية النقود، شبكة  توزيع المياه في المدينة.

-     الإحصاء العام للأسرى المسيحيين وهذا حسب الأمّم الأوروبية(14).

إنّ الأهمية التاريخية لدفتر التشريفات تتمثل في الأرقام المسجلة به فيما يخص عددا الأسرى المسيحيين ما بين 1736-1816.

والجدول التالي يوضح ذلك(15):

السنـوات عدد الأسـرى
1736 1.063
1751 1.773
1770 1.323
1780 1494
1790 715
1800 860
1810 1357
1816 1.016

2. مساهمة هنري دلماس دوغرامون (Henri Delmas de Grammont)

يعتبر كتاب هنري دلماس دوغرمون (1830-1892) المسمى: تاريخ الجزائر تحت الحكم العثماني، الذي صدر  سنة 1887 من أشهر الدراسات التاريخية خلال الاستعمار الفرنسي.

استقر دوغرامون بالجزائر منذ 1859، واهتم بالأبحاث حول تاريخ الجزائر خلال الفترة العثمانية، لم يكن دوغرامون  جامعيا أو عسكريا، بل عاصر التغيرات الاجتماعية والسياسية لنظام الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فهو عضو الجمعية التاريخية الجزائرية منذ  1874 ثم رئيسا لها سنة 1878، وكان أحد أعمدة المجلة الأفريقية حيث نشر جلّ أعماله التاريخية.

يعد كتاب دوغرامون حول تاريخ  الجزائر العثمانية الفريد من نوعه المكتوب باللغة الفرنسية، حيث اعتمد على مصادر أولية في معالجة مختلف مضامين الفترة(16).يقول عنه فرندال برودال بأنّه كان  مؤرخا من الطراز الأول بفضل تكوينه، وكان شريفا في تحليلاته، مرتبطا بالحدث أكثر من غيره. ومع هذا فإنّنا نلاحظ من خلال كتابه ارتباطه  برسالة اوروبا الحضارية والتفوق الأوروبي على الآخرين، ولم يتمكن من التجرد عن هذه الصفة(17).

إنّ تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، يتناول التاريخ السياسي بالدرجة الأولى، وهو عمل قائم على جمع مصادر مختلفة ومتنوعة من شهادات وجرائد معاصرة ومصادر أرشيفية، أوروبية بالدرجة الأولى،ومع هذا فقد وفق في كثير من الأحيان في تفسير أسباب المعارك التي شهدتها الجزائر طوال الفترة العثمانية، وهذا بحكم تجربته السياسية والعسكرية. ولأنّ كتاب دوغرامون يحمل بين طياته الأبعاد السياسية والعسكرية لتاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، وذلك راجع إلى طبيعة الوسط السياسي الذي عاش دوغرامون بين أحضانه(18).

ومن الأحكام التي طبعت كتاب دوغرامون هو أنّ الصراع في الجزائر كان بين المؤسستين العسكريتين هما: الانكشارية (الأتراك) ورياس البحر (الأعلاج)، وهذه نظرية حول الإدارة والسياسة العثمانية بالجزائر اتخذها كقاعدة لتفسير الأحداث التاريخية وأثرت على المؤرخين الذين جاؤوا من بعده.

صحح دوغوامون بعض الأخطاء الواردة في المصادر الأوروبية (هايدو)(19) ،الذي أخطأ في الشخصيات وبعض الأحداث في تاريخ الجزائر خلال مرحلة البيلربايات.لقد قرر في كتابه بأنّ الجزائر كانت تعيش من غنائم القرصنة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، وقد دحض ناصر الدين سعيدوني في كتابه (النظام المالي للجزائر) وفند هذه الأطروحة(20).إنّ الإهمال الواضح للمصادر المحلية من طرف دوغرامون جعله لا يثق في صحة الوثائق العربية-العثمانية، ويصفها بالتجريد والمبالغة، ولا يعتمدها في أبحاثه التاريخية.

ذهب دوغرامون بأنّ الجزائر العثمانية يجب أن تدرس من خلال الروايات والملاحظات الأوروبية لا عن طريق المصادر المحلية، واتهم المؤرخين المسلمين بتعمد نشر الأخطاء والمبالغات والأكاذيب في حولياتهم وكتاباتهم.

     وقد أدّت هذه النظرة المغرضة بالكتاب الفرنسيين إلى تجاهل الوجود التاريخي للشعب الجزائري(21).و الكتاب التي سوف نتناوله بالتفصيل هو محاولة تبرير دو غرامون لإدعاءاته الإستعمارية في مجال كتابة تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني و التقليل من أهمية المصادر المحلية .

تم ترجمة كتاب "غزوات عروج وخير الدين من طرف فانتور دو بارادي (Venture de Paradis)(22). ويعود تاريخ الترجمة إلى سنوات 1778 -1780 ضمن رصيد المكتبة الوطنية بباريس تحت عنوان:

"Les pieux exploits d’Aroudj et de Kraïreddine"

حاول Sander Rang و Ferdinand Denis منذ 1837 كتابة  مشروع تاريخي حول الجزائر تمثل في حملة شارلكان" و"نظرة تاريخية وإحصائية لميناء الجزائر". وكان الهدف من هذا المشروع هو إعلام الرأي العام الفرنسي بخصوصيات تأسيس أيالة  الجزائر من طرف الأتراك، ومساندة مشروعهما الرامي إلى ضرورة بناء ميناء بحري بمدينة الجزائر وتدعيم حركة الاحتلال الفرنسي للسواحل الجزائرية ودحض الشعار القائل:" البحر للفرنسيين، واليابسة للجزائريين".

حاول دوغرامون دراسة (كتاب غزوات عروج  وخير الدين) من خلال التأكيد على أهمية الاكتشاف الذي تمّ على يد ساندار ودونيس، من خلال كتابهما "تأسيس أيالة الجزائر: تاريخ بربروسة"'(23).وقد قدم المؤلفات الترجمة العربية للمخطوط العربي، المتواجد بالمكتبة الوطنية في علب المستشرق الشهير فانتور دو بارادي.

يشير دوغرامون في حديثه عن المؤلف بأنّ المعطيات المتواجدة بين صفحات المخطوط، إذا ما حاولنا مقارنتها بنصوص الكتابات الإسبانية المعاصرة للمخطوط، فإنّها تدّل على أهمية الكتاب من خلال تناوله النقدي لتاريخ الجزائر خلال الفترة التركية (العثمانية)(24).

ولكن ما يلاحظ هو أنّه بالرغم من الأبحاث الجادّة حول الفترة، إلى أنّ مؤلف الكتاب ظل مجهولا بالنسبة للمترجمين.والكتاب يبدأ بسنة 1470 وهو تاريخ مولد بربروسة وينتهي عند إسهامات خير الدين البحرية عندما كان قبودان باشا (الأميرال) (1538-1546) العثماني في عهد سليمان القانوني (1520-1566).

يتحدث المخطوط عن أصل بربوسة وجهادهم البحري في حوض المتوسط، واستقرارهم في سواحل شمال افريقيا. وتأسيس أيالة الجزائر، ثم ينتهي المخطوط بالحديث عن مأساة حملة شارلكان على مدينة الجزائر (1541).دوّن دوغرامون بعض الملاحظات حول كتاب المخطوط؟ إن يقول:"كتاب أملي باللغة التركية من طرف خير الدين وأخيه عروج ثم نسخ بالعربية، والذي ترجمه إلى اللغة الفرنسية دوبارادي"(25).

إنّ كتاب غزوات خير الدين باشا، كتب بأمر من السلطان سليمان، وأملى من طرف شاوش سينان. وتوجد منه نسختين باللغة التركية، الأولى تحتوي على 89 صفحة والنسخة الثانية على 128 صفحة. كما توجد نسخة منه في حالة جيّدة بمكتبة Barberini بروما(26).

يتهم دوغرامون المؤرخ التركي حاجي خليفة بأنّه اختصر المخطوط وأشار إليه في كتاب "غزوات عروج وخير الدين".ومن بين النتائج التي توصل إليها دوغرامون مايلي:

  1. لم يملى كتاب غزوات لا من طرف خير الدين ولا سينان شاوش ولا غيرهما.
  2. لم يكتب تحت أي وصاية من أحد.
  3. لم يؤلف المخطوط من طرف عناصر الجيش أو أحد أتباع خير الدين.

ومن هذه الاعتبارات جميعها أن صالح رايس (1552-1556) حرر بجاية من الإسبان سنة 1555 ، وخير دين توفي سنة 1546. وهايدو، جعل موت خير الدين سنة 1548 وذلك بسبب حمى أصابته دامت 14 يوما. وأنّ مؤلف غزوات كتب بعد وفاة خير الدين(27).

  1.  كتاب غزوات يوضح لنا طريقة مقتل عروج (1512-1518) (قتل بالرصاص وهو قرب جدران تلمسان)، لكن الحقيقة أنّه قتل قرب وجدة  وهو يحاول الهرب إلى فاس طالبا المساعدة من سلطانها (رميا بالسهام) وكان ذلك سنة 1518.
  2. يقارن دوغرامون هذه المعلومة برواية الراهب الأسباني ساندوفال (Sandoval) الذي يشير إلى موت أول بربروسة ويشير إلى العلاقات القائمة بين المغرب واسبانيا من خلال سفير أحمد المنصور (1578-1603) الذهبي الذي كان شاهد عيان حول موت عروج الذي ترك الأمتعة والسلاح والمؤن، هاربا نحو منطقة سبدو ومتجها نحو وجدة.

انتصر عروج على أبي حمو الثالث ملك الزيانيين الموالي للأسبان، في معركة قرب سهل أغبال، ودخل  تلمسان في رمضان، سنة 1517م (28). وسعى عروج إلى إقامة تحالف دفاعي وهجومي مع السلطان الوطاسي محمد البرتغالي (1505-1524) ضد الأسبان، فرحب هذا الأخير بالعرض ووافق عليه.

لكن من خلال رواية هايدو، فإنّ السلطان المذكور الذي كان مشغولا بحروبه ضد البرتغاليين وبمحاولته فرض سيادته على كامل التراب المغربي، وإخضاع زعماء الوحدات السياسية العديدة التي كانت قائمة فيه، رفض التدخل في شؤون تلمسان، ومملكتها، ورفض التورط في حرب خارج المغرب ضد عروج(29).

كان ردّ فعل الأسبان سريعا إلى جانب السلطان المخلوع أبي حمو الثالث، فقطعوا أولا خط الرجعة على عروج إلى الجزائر، بقضائهم على حامية قلعة بني راشد الذي كان على رأسها إسحاق بربروسة، ثم حاصروا عروج في تلمسان الذي كان يأمل في وصول المدد إليه من حليفه السلطان الوطاسي، ولما طال الانتظار، حاول الفرار رفقة القليل من جنوده، لكنّ الأسبان أدركوه في منطقة بني يزناسن في ماي 1518 وقتلوه(30)، ونصبوا السلطان الزياني أبي حمو الثالث على تلمسان مقابل دفع ضريبة سنوية لهم، مقدارها 12000 دوكات ذهبية واثنا عشر من الخيل، وستة من إناث الصقور، علامة على التبعية(31).

  1. متى وكيف شيدا الأسبان قلعة عسكرية بصخرة البنيون؟ لا يخفي على أحد حقيقة تواجد الإخوة بربروسة بمدينة الجزائر ومحاولتهما تحرير المدينة من التواجد الإسباني، القابع على أرض الصخرة(32).إنّ القضاء على الحامية الإسبانية كانت البداية الأولى لحكم خير الدين وتأسيسه أيالة الجزائر.

     يعبر مخطوط غزوات عن هذا التأسيس بعبارة أحدهم:" لم نجد الأسباب ولا الكيفية التي شيد بها الإسبان قلعة الصخرة، وهل استوطن المسيحيون بموافقة سكان مدينة الجزائر؟ أو جاؤوا للتجارة فقط؟

  1. تم الحديث عن حملة شارلكان (1541) في 20 صفحة، بينما حملات Francesco deveraHugo de Moncada) (1518)، كان الحديث عنها مختصرا(33).

خلص دوغرامون في الأخير على أنّ كاتب المخطوط، ربما  يكون مفتيا أو شيخا صالحا، بالنظر للكرامات والرؤيا التي كانت تنبئ خير الدين دائما بالمؤتمرات والدسائس التي تحاك ضده من طرف الأعداء وخاصة من طرف أمير كوكو.

     ومن بين الملاحظات التي توصل إليها دوغرامون عند دراسته لمخطوط مجهول غزوات عروج وخير الدين مايلي:

-       كانت وفاة خير الدين بثمان سنوات قبل كتابة مؤلف غزوات.

-       لم يتعرف صاحب المخطوط على هوية محرّري مدينة بجاية.

-       جهل المخطوط الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى مقتل عروج.

-       جهل المخطوط كيفية وتاريخ تشييد قلعة البنيون.

-       تجاهل أحداث مهمة في تاريخ الإخوة بربروسة.

    ويرجح دوغرامون بأنّ كتاب غزوات لم يكن من تأليف خير الدين، ومن الضروري عدم الاعتماد عليه في كتابة تاريخ الجزائر العثمانية، بالرغم من أنّه مصدر مهم لتاريخ مؤسسي الأيالة: عروج وخير الدين بربروسة.

    هذه هي أهمّ الاستنتاجات التي توصل إليها دوغرامون في نقده لكتاب غزوات(34).

    إنّ الدراسات التاريخية المتعلقة بالجزائر العثمانية، التي تمت على يد دوغرامون ودوفو وغيرهما بالرغم من نظره الاختلاف في استعمال المصادر إلى أنّها كانت تهدف بالأساس إلى خدمة الاستعمار الفرنسي في مجال التاريخ، وإخضاع منهجية التاريخ إلى واقع الاحتلال ومرامي السياسة الاستعمارية، فالحكم العثماني في نظر هذه الكتابات كان يقوم على الاستبداد ويتصف بالظلم والعدوان بينما الحضور الفرنسي حسب استنتاجاتهم أقرب إلى العمل الحضاري منه إلى التدخل الاستعماري.

أدّت هذه النظرة المغرضة إلى تجاهل الوجود التاريخي للشعب الجزائري، واعتبار الجزائر منطقة فراغ حضاري تفتقر إلى وجود شعب متماسك وأمّة متكاملة، وأنّ الجزائر كونها منطقة جغرافية يتعاقب عليها الحكام. وهكذا شبه الكاتب الفرنسي جاك بيرك بأنّ الفترة العثمانية "أكثر غموضا من العهد الروماني". إنّ الوجود العثماني بالجزائر في نظر المساهمة الفرنسية كان بمثابة العامل الذي حال دون اكتساب الجزائر مقوّمات الدولة الوطنية وعاق تطور النظم الاجتماعية والاقتصادية، وذلك ليخلصوا إلى مقارنته بالحضور الفرنسية.

وبالرغم من هذه الانتقادات فإنّ المساهمة الفرنسية الاستشراقية في كتابة تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، اعتمدت بالدرجة الأولى على مصادر غربية وأرشيفات أوروبية متعددة اللّغات، متجاهلة المصادر المحلية بشكلها والمخطوط والوثائق، استخدم الكتاب الفرنسيون تقنيات البحث الحديث من حيث تصنيف المادّة التاريخية حسب التخصصات والتقيد بالطرق المتعارف عليها في الفهرسة والتبويب، ونقد المصادر، وكان لهما الفضل في تنشيط الإنتاج التاريخي المتصل بالعهد العثماني الذي يحتاج من المدرسة التاريخية الجزائرية إلى إعادة غربلته وكتابته بمنهجية سليمة وأسلوب علمي رصين.

الهوامش

  1. بالرغم من الغنى الوثائقي لكتاب بروديل إلاّ أنّه ظل يعتبر غياب الأرشيف العثماني به ضعفا وكتب ما نّصه:" فهناك فراغ مدهش بالنسبة للبلاد التركية ونقطة ضعف في هذا الكتاب، وباعث المؤرخين الأتراك والبلقانيين والسوريين والمصريين والمغاربة على ملأ هذه الفراغات ومساعدتنا على هذه المهمة التي لا يمكن أن تكون سوى جماعية.

ينظر:

Braudel (E), la méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philipe II, 5ème édition. A. Colin, 1982, TII, p.532.

  1. من بين أهم الدراسات التي استنطقت الوثائق العثمانية في كتابة تاريخ الجزائر العثمانية، مايلي:

- حنيفي، هلايلي، الموريسكيون الأندلسيون في الجزائر خلال القرنين 16 و17م، رسالة ماجستير، جامعة وهران 1999، في طريقها إلى الطبع.

- خليفة، حماش، الأسرة في مدينة الجزائر خلال العهد العثماني، أطروحة دكتوراه دولة، جامعة منتوري قسنطينة 2006، في 3 أجزاء، غير منشورة.

- محمد زاهي، أوقاف الحرمين الشريفين في مدينة الجزائر خلال العهد العثماني من خلال وثائق المحاكم الشرعية 1518-1830، مذكرة ماجستير، جامعة سيدي بلعباس، 2008، (تحت إشراف د/هلايلي حنيفي).

  1. يوجد باسطامبول أرشيفان مهمّان هما أرشيف TOPKAPISARAY طوبي سراي وهو أرشيف يتضمن الوثائق المتعلقة بالأسرة المالكة، وأرشيف الوزراء Basbakanlik Arsivi ويتضمن الوثائق الإدارية للدولة العثمانية.
    1. Busquet, Raoul, « Le fonds de concessions d’Afrique et l’organisation du gouvernement général de l’Algérie », in, la révolution française, Revue d’histoire moderne et contemporaine, n°5, Paris, Novembre 1908, pp. 385-401.
  2. عبد الجليل، التميمي، موجز الدفاتر العربية والتركية بالجزائر، تونس: منشورات المعهد الأعلى للتوثيق، 1983، ص ص 16-17.
    1. Delphin (G), « Au sujet des mêmes documents », in,  journal Asiatique, Mai-Juin, 1914, p. 168.
    2. Deny, jean, « Documents turcs inédits relatifs à l’Algérie des années 1754 à   1829 », in, journal Asiatique, op.cit, pp 705-709.
    3. Delphin, op.cit, p 710.
  3. قام جون دوني بدراسة هاته الدفاتر ونشر بحثا قيما حولها:
  1. MANTRAN, Robert, Les données de l’histoire moderne et contemporaine de l’Algérie et de la Tunisie, note pour une  étude plus approfondie, Annuaire de l’Afrique du Nord, C.N.R.S., Aix-en-Provence, Paris, 1962, p. 244.
  2. ناصر الدين، سعيدوني، ورقات جزائرية، ط1، دار الغرب: بيروت: 2000، ص ص 26-27.

Deny, jean 'Les registres de solde des janissaires conservés à la bibliothèque nationale d’Alger », in, Revue Africaine, (N°61), 1920, pp 14-46 et 212-260.

كما قال مارسال كولومب بدراسة هذه الدفاتر حول موضوع تجنيد أوجاق الجزائر:

Colombe, Marcel, « Contribution à l’étude du recrutement de l’Odjak d’Alger dans les dernières années de l’histoire de la Régence », in, Revue Africaine, (N°87), pp. 166-181.

  1. ينظر حول هذا الموضوع:

FAGNAN (E), Catalogue général des manuscrits de la bibliothèque nationale d’Algérie, 2e édition, Alger, 1995, P.456.

  1.  ذكر دفتر التشريفات في فهرس فانيان:

FAGNAN, op.cit, p.458.

والداي الذي ذكر هو الداي الحاج شعبان (1688-1695م)، أنظر تفاصيل حياته عند:

Mouloud, GAÏD, l’Algérie sous les Turcs, 2e, éditions Mimouni, Boumerdes, 1991, P.149.

  1. Tachrifat, Recueil de notices historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger, Pub. par A. Devoulx, Alger, imp., du  gouvernement, 1852.

ويحتوي الكتاب على 99 صفحة.

  1. Ibid, p.86.
    1. ولد دوغرامون بفرنسا في 5 أوت 1830، من عائلة أرستقراطية أمضى نصف عمره بالجزائر التي انتقل إليها سنة 1850 في إطار الخدمة العسكرية، كرس معظم حياته في التأليف والأبحاث المهتمة بتاريخ الجزائر  خلال العهد العثماني. وهو أحد المؤسسين البارزين للجمعية التاريخية الجزائرية منذ 1874، وارتبط اسمه بالمجلة الأفريقية، للمزيد حول حياته أنظر:

R.A (N°36), 1892, pp. 289-311.

  1. Fernand, Braudel, l’histoire au quotidien, 2e, Editions de Fallois, Paris, 2001, pp.328-334.
  2. De Grammont (H.D), Histoire d’Alger sous la domination turque 1515-1830, (Présentation de Lemnouar Merouche, éditions Bouchène. France, 2002, pp 7-13.
  3. Haëdo (F.D.de), Histoire des Rois d’Alger, Trad. par H.D. de Grammont, Alger, 1881.
  4. ناصر الدين، سعيدوني، النظام المالي للجزائر في أواخر العهد العثماني (1792-1830)، ط2، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985.
  5. محمد، الميلي، "موقف المؤرخين الأجانب من تاريخ الجزائري"، مجلة الأصالة، عدد 14-15، 1973، ص 58.
  6. جون ميشال فونتور دوبرادي من مواليد 1739 بمرسيليا تعلم اللغتين العربية والتركية بمعهد اللغات الشرقية بباريس. تقلد مهمة مبعوث فرنسا في أهمّ القناصل الفرنسية لدى الإمبراطورية العثمانية، كما كان مستشار نابوليون بونابرت خلال حملته على مصر (1798-1801) توفي سنة 1799 للمزيد راجع:

Venture de Paradis, Tunis et Alger au XVIIIe siècle (Mémoires et observations rassemblés et présentés par Joseph Cuoq, ed Sindabad, Paris, 1983, pp 10-14.

  1. SANDER, RANG et FERDINAND, DENIS, Fondation de la régence d’Alger, histoire des BARREROUSSE, Paris, Librairie orientale, 1837, T I, P.5.
  2. Henri de GRAMMONT, le R’AZAOUAH est-il l’œuvre de kheir-ed- din Barberousse, imprimerie, ville neuve, sur-lot, 1873, in – 8°.

والمخطوط موجود بالمكتبة الوطنية بالجزائر  تحت رقم 942.

والمخطوط موجود أيضا بعنوان: مؤلف مجهول، غزوات عروج وخير الدين، المكتبة الوطنية الجزائرية رقم 1623.

  1. Le R’AZAOUAT est-il l’œuvre de Keir-ed-Din Barberousse,Villeneuve-sur-lot,1882, , p.32.
  2. Hamer, Histoire de l’empire ottomane, TV, p.5.
  3.  Haedo, op.cit., p68.
  4. أنظر أحداث  ضم  عروج لتنس وتلمسان.

Ibid. pp. 25-27.

  1. Ibid, pp. 32-33.
  2. Graulle (A), « La mort et le tombeau de baba Aroudj », in Revue de l’occident Musulman et de la méditerranée, Aix-en- Provence, T24, 1913, p.246.
  3. Haedo, op.cit. p.27.

وأيضا:

Marmol, (L) de Caravajal, Description général de l’Afrique, (Trad. Perrot d’Albancourt). Paris. 1667, T2, p.339.

  1. البنيون، منارة بحرية تبعد عن مدينة الجزائر بـ 200م، قريبة من باب عزون، قدرت حاميتها من الجنود من الإسبان بـ 200 رجلا.

وقد دّمرها خير الدين سنة 1529 رغم مقاومة قائدها الإسباني (Martin de Vargos).

أنظر:Haedo, pp. 66-68

  1. حول حملة شارلكان على مدينة الجزائر، راجع: مجهول غزوات عروج، ص 115.

Marmol, op.cit, T2, pp 403-408.

Haedo, pp 63-65.

مولاي بلحميسي، "غارة شارل الخامس على  مدينة الجزائر 1541"، مجلة تاريخ وحضارة المغرب، الجزائر،عدد 6-7، 1974، ص.ص 34-56.

  1. ذكر فهرس فانيات مخطوط غزوات بالنص التالي:

كتاب رقم 1622: غزوات عروج وخير الدين بربروسة من البداية إلى حملة شارلكان على مدينة الجزائر 948/1541، نسخه من طرف محمد بن رمضان الدلسي" ترجم من اللغة التركية إلى العربية من طرف خوجة المفتي الحنفي بالجزائر، ومحمد الكرغلي، وهو يقع في 58 صفحة بخط مغربي وبمداد أسواد:

أنظر:                                             FAGNAN, (Ed), op.cit, pp.451-452.


اليوم39
الأمس48
الأسبوع139
الشهر964
الكل2042

Who Is Online

1
Online

17-10-11