geneche.ht.7
الاتجاهات الدينية للحركة الوطنية الجزائرية
في كتابات أبي القاسم سعد الله
د./ قـنانـش محمد
المركز الجامعي عيـن تموشنت
تمهيــد
ورثت الجزائر بعد الاستقلال نخب واعية من العقول النيرة الخفاقة و من المواهب و الكفاءات الخلاقة ، استطاع أن يتتلمذ على يدها و علمها و سيرتها جيل الجزائر الحرة مطلع الستينيات و السبعينيات . فكانت تلك النخب المثقفة وقتها القاطرة المسيرة و القوة المحركة للنهضة الثقافية و الفكرية و التاريخية في مجال التعليم و التكوين و التأهيل لدى الطلاب الجزائريين . من هنا بدأت ملاح المدرسة الجزائرية ذات البعدين الوطني و الحضاري .
من الوجوه المشرقة التي مثّلت الرّعيل الأول للمدرسة الجزائرية عشية الاستقلال ، يقودنا الحديث إلى ذكر بعض الرموز الوطنية الشامخة من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي ، محمد مبارك الميلي ، أحمد توفيق المدني ، الشيخ عبد الرحمن الجيلالي ، مولود قاسم ، عبد الرزاق قسّوم و يحي بوعزيز و غيرهم من الأهرامات الفكرية . و في هذا الشأن ، يأتي أبو القاسم سعد الله ليفرض مكانته المرموقة ضمن أسماء كوكبة المثقفين التي تمّ ذكرها .
وممّا لاشك فيه ، أن أبي القاسم سعد نظرا لمنزلته العلمية و طاقاته الإبداعية ، يتصدّر طليعة المدرسة التاريخية باعتباره شيخ المؤرخين ، و يرجع الفضل في تبوّئه هذه المرتبة العليا إلى عدّة اعتبارات و دلالات ، أهمّها خصوبة فكره و أكاديمية أعماله و نزاهة مواقفه و نبل خلقه و عظيم تواضعه و طهارة وطنيته . فشمائل الرجل ، كانت له المؤهّلات الحقيقية لشخصيته الفكرية و التاريخية و الأدبية القادرة على قيادة يقظة الفكر و نهضة العصر ليؤسّس أبو القاسم غداة الاستقلال إلى يوم التحاقه برفيقه الأعلى ، اللبنات الأولى للمدرسة التاريخية في الجزائر المستقلة .
فأبو القاسم سعد الله المدرسة و الفكر الخلاق و الأديب المبدع ، نحاول أن نقتفي من موسوعته المعرفية ما أنتجه عن تاريخ الجزائر الحديث ، و تحديدا رؤيته الأكاديمية للمنطلقات الإيديولوجية لدى حركة الوطنية الجزائرية .
فما هي يا ترى المنطلقات الإيديولوجية التي جاءت بها المدرسة التاريخية لأبي القاسم سعد الله ؟ ما هي أصولها و فروعها و توجهاتها ؟ ما وزن إسهامات نخبها الوطنية في المسيرة العلمية التاريخية ؟
1 ـ أبو القاسم سعد الله الشخصية الوطنية المتميزة : الواجب يقتضي منا التعرّض إلى هذه الشخصية الفذّة " أبو القاسم سعد الله " الشخصية الوطنية المبدعة ، له شأن كبير في تأسيس المدرسة لتاريخية الجزائرية بعد استرجاع الجزائر لسيادتها الوطنية سنة 1962 . يعود الفضل إلى ما جادت به سنة 1930 بمولد شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله في بلدة " قمار " ولاية واد سوف ، أين حفظ القرآن الكريم و نهل من عيون المعرفة مبادئ اللغة و أصول الفقه و الدين . إنه الرجل الموسوعي ذي الشخصية المتميزة من أهل الفكر الأبرز على الصعيدين الوطني و الإقليمي اخترق نجمه الأفق المعرفي ، بازغا محلّقا في سماء الكوكب الأرضي و متلألئا وهّاجا في رحاب الفضاء الكوني .
تبوّأ مكانته المرموقة ضمن أعلام الإنتاج الفكري و الإصلاح الاجتماعي ، بحيث تلقى تكوينا علميا متكاملا قائما على أسس معرفية صلبة ، أهّلته ليكون مؤرخا و مفكرا و أديبا . نال أبو القاسم سعد كفاءته العلمية بصلابة إرادته و جسامة تضحياته ، خلال سفريته العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية أين تحصل على شهادة الدكتوراة
من جامعة منيسوتا ، تم انتقل إلى كلية دار العلوم بالقاهرة . (1) سمح له تكوينه العلمي أن يتخصّص في رحاب التاريخ ، فاتجه ميوله نحو تاريخ أوربا و المغرب العربي في الحديث و المعاصر ، و تاريخ النهضة الإسلامية الحديثة .
تقلّد عدّة وظائف في التعليم العالي ، ليصبح المؤرخ المفكر ، سفير ا للجزائر في الحقل المعرفي عبر جامعات الوطن العربي و العالم الغربي . في البداية ، اشتغل بجامعة الجزائر أستاذا مشاركا في التاريخ مند سنة 1967 ليرتقي في عام 1971 إلى أستاذ في التاريخ و رئيسا لقسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الجزائر . (2) درّس في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية ، بحيث كان أستاذا مساعدا في التاريخ بجامعة وايسكنسين و أوكلير من 1960 إلى 1976 و جامعة متشيغان بإقليم البحيرات الكبرى من 1987 إلى 1988 .
أمّا في الوطن العربي ، فقد كان ممثلا متميزا للجزائر في مجال التعليم العالي ، مشرفا على تدريس مادة التاريخ بجامعة عين الشمس بمصر عام 1976 ، و جامعة دمشق عام 1977 و جامعة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية عام 1985 ، و جامعة آل البيت بالأردن عام 1996 . و قد كان أيضا أستاذا زائرا بجامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية ، بقسم التاريخ طوال سنوات 1994 ، 1996 و 2001 .
خاض شيخ المؤرخين معارك مريرة و شاقة في مراحل تكوّنه و تعلّمه ، فكانت مسيرة في الشأن محفوفة بالصبر و التحدّي و مفارقة الوطن و الأهل ، جعلت منه تلك الظروف الرجل الفحل المبدع ، الشغوف و التواق إلى العلم و المعرفة ، لأن طالب العلم في نظره ، عليه أن يتجاوز حدود التعب و حنين البعد عن الديار و الأمصار ، فأهّله ذلك الإيمان ليظل المغامر الناجح و المثابر الصالح في تكوين نفسه و رفع قدره و قدر وطنه . و الجزائر تعيش سنواتها الأخيرة من ثورتها المظفرة ، سجّل أبو القاسم سعد الله سنة 1960 مذكرته في الماجستير ، عن الشاعر محمد العيد آل خليفة بعنوان : " محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري في العصر الحديث " ، فشاء القدر أن لا يناقش الرسالة و توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تحصل على منحة الدراسة من قبل قيادة جبهة التحرير الوطني . (3) حوّلته تلك الرحلة العلمية إلى رجل جهاد و علم ، طالبا للمعرفة و ممثلا للجزائر الثائرة على المحتل الغاشم .
عاد سعد الله إلى أرض الوطن ، ليشتغل أستاذ قسم التاريخ بجامعة الجزائر بعد أن نال شهادتي الماجستير عام 1962 و الدكتوراة عام 1965 من جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية . (4)
مند السنوات الأولى من فجر الاستقلال و الوطن ما يزال يضمد جراح الحرب و ويلات المستعمر ، استقر أبو القاسم في الجزائر ، معترضا على البقاء و الإقامة في فيافي الغربة و أهوالها ، مواصلا رسالة جهاده الفكري و التربوي ، مساهما بكل جهوده في تحقيق تطلّعات الأمة و إنجاح طموحات مسيرتها الثقافية و أهداف ثورتها التحريرية المباركة . لذلك أنكبّ عمله في الجامعة على التدريس ، حيث كلّف بتلقين العلوم لطلبته فيما يتعلّق 22 تخصّصا عبر مشواره التعليمي ، خصّ التاريخ الوطني و الأوربي ، و ميادين الحضارة و التراث الفكري الإسلامي .
شملت المواد و المواضيع التي عكف شيخ المؤرخين على تعليمها لطلابه ، التاريخ المعاصر للعالم الإسلامي فيما بين القرنين السادس عشر و التاسع عشر ، تاريخ الأوقاف و النظم ، انتشار الإسلام في الوقت الحاضر ، تاريخ العالم
المعاصر ، تاريخ أوربا الحديث ، تاريخ أوربا في عصر النهضة ، التغلغل الأوربي في العالم الإسلامي الحديث، الحركات التحررية و الإصلاحية في العالم الإسلامي الحديث ، النهضة الإسلامية الحديثة فيما بين 1800 و 1924
و الفرق المذهبية الإسلامية ، و مناهج البحث الحديث في التاريخ . (5)
زيادة عن مهنيته المعرفية في التعليم الجامعي ، رحلاته العلمية داخل الوطن و في الخارج بحيث تشهد له انجازاته الفكرية بمحاضراته و مشاركاته في المؤتمرات و الملتقيات العربية و الدولية على غزارة إنتاجه و موسوعية فكره .
و في هذا الصدد ، تشير المعطيات الإحصائية إلى 43 مشاركة علمية لأبي القاسم سعد في الملتقيات الوطنية و العربية و العالمية ، تضمنت العديد المحاضرات التي ألقاها شيخ المؤرخين في جامعات المغرب العربي و الشرق الأوسط و في المؤسّسات الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية .
لم يتوان أبو القاسم عن نضاله الفكري و الثورة التحريرية بانتصاراتها تسقط الحكومات الفرنسية الأولى تلو الأخرى ، مشهرا سلاح قلمه الثائر يدوي في وجه المستعمر الفرنسي الجائر ، معرّفا بما يحدث في الجزائر ، لا يخرج عن نطاق شعب عشق التضحية ، يتطلّع إلى شمس الحرية و هو يكافح المحتل بوعي و روية من أجل جزائر حرّة عربية . أول محاضرة ألقاها سعد الله ، كانت في يوم 31 أكتوبر نوفمبر 1957 ، في نادي طلبة المغرب العربي بالقاهرة ، بعنوان : " الثورة الجزائرية في ذكراها الثالثة " نسرد بعض ما جاء في بداية المحاضرة : " أيها الإخوة عندما نحتفل اليوم بذكرى ثورة الجزائر ، لا نحتفل بها كجزائريين ، و لا كمغاربة و إنّما نحتفل بها كعرب يؤمنون بعدوّ واحد و هدف واحد و وطن واحد ، إنما نحتفل بها كعرب لأن الثورة في الجزائر نابعة من قلوب الملايين العربية المتمرّدة ، معبّرة عن آمالها في الوحدة و التحرّر ، مجسّمة للإرادة العربية التي لا تقهر مهما طالت بها السنون و تكاثفت حولها السحب ... " (6) و المحاضرة الثانية في جامعة الجزائر عام 1966 ، بعنوان " الجزائر و القومية العربية " ، و الندوة الفكرية عن " الثورة في العالم الثالث ، بجامعة وايسكنسين بعام 1967 بالولايات المتحدة الأمريكية . (7)
لم تتوقف حركة الإبداع و التأليف عند أبي القاسم سعد الله ، مند أن انطلق فيها فترة الخمسينيات و الثورة تعيش سنوات الدعم و الحسم . أنتج فكره الموسوعي مند نهاية خمسينية القرن الماضي إلى مطلع الألفية الثانية العديد من المقالات و الندوات و المداخلات و المحاضرات في ملتقيات و مؤتمرات محلية و إقليمية و دولية تفرّعت مواضيعها حول الفكر الإنساني و التاريخ الوطني و الإسلامي ، و الإنتاج الأدبي من شعر و نثر و قصص و مسارح أهّلته أن يغدو الرجل بلا منازع المفكر و المؤرخ و الأديب الموسوعي ، الذي أغنى وطنه و أشرق فجره و شرّف عصره .
كل هذه الخصائص و الخصال العلمية و الأدبية ، جعلت من أبي القاسم سعد الله الشخصية العلمية و التاريخية و الأدبية المتميزة في الجزائر المستقلة . طوال مشواره العلمي و المهني ، أنتج سعد الله أكثر من 100 مقال في شتى المواضيع ، من بحوث و تراجم و دراسات علمية و تاريخية مختلفة و قضايا متنوعة ، اجتهد فيها و أبدع إلى حدّ كبير أبهر مفكري عصره ، بحيث اخترق سيطه فضاء الجزائر و حدود الوطن العربي و الإسلامي . لقد استطاع أن يخلّد وجوده العلمي في الكثير من الجامعات و المنتديات و الندوات داخل الوطن و في الدول العربية و الغربية .
على غرار حضوره القوي في الجامعات الجزائرية ، كان أبي القاسم سفير الجزائر في جامعات تونس و ليبيا و مصر و المملكة العربية السعودية و المملكة الهاشمية الأردنية و سوريا و فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الولايات
المتحدة وحدها ، يعدّ أبو القاسم سعد المثقف الوحيد الذي تمكّن من نقل ثقافة و تاريخ بلده هناك ، ليعرّف بمكانة الجزائر و فكرها و حضارتها داخل المجتمع الأمريكي المتعدّد الأجناس و اللغات و الديانات و الثقافات . شارك في مؤتمر المستشرقين الأمريكيين بجامعات سان فرانسيسكو عام 1966 و جامعة ميتشيغان عام 1978 و جامعة كارولينا الشمالية عام 1993 و جامعة أريزونا عام 1994 . (8)
2 ـ أبو القاسم سعد الله منظّر الحركة الوطنية : إن الفكر الخصب الذي تميزت به الحياة العلمية لشيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله ، بات من اللازم الاعتراف بعظمة هذا الرجل بأنه المؤسّس الأول للمدرسة التاريخية الجزائرية بعد الاستقلال . و يمكن إبراز قدرات و أحقّية سعد الله " المدرسة و الموسوعة " في عوامل رئيسية و أسس جوهرية
تتمثل بالأساس في سعة فكره و خصوبة إنتاجه و مصداقية وطنيته ، و تحليله الرصين لتاريخ و مكوّنات الحركة الوطنية الجزائرية ، التي سنحاول من خلالها تسليط الضوء على مفاهيم و مواقف " المنظّر " سعد الله من الحركة الوطنية . فبالنسبة للرجل الموسوعي بفكره الخلاق ، فإن أبي القاسم سعد الله استطاع أن يغني المكتبة الوطنية و ينمّي مخزونها القومي العلمي بثرواته المعرفية و إبداعاته الفكرية . و أنتج في مجال تخصّصه " ترسانة " من المؤلفات الموسوعية ، يتقدّم موسوعته الأولى ، كتابه الضخم " تاريخ الجزائر الثقافي " كالدوحة التي ألقت بأغصانها على جمهور القرّاء و نخب المجتمع الجزائري و العربي في عشرة مجلدات أو أجزاء ، بمجموع 5071 صفحة ، و موسوعته الثانية " أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر " الموزّعة في خمسة مجلّدات بمجموع 1675 صفحة ، و موسوعته الثالثة هي رسالته للدكتوراة ، عنوانها " الحركة الوطنية الجزائرية " بمجلّداتها الأربعة و تعداد صفحاتها 1880 صفحة .
فضلا عن كتبه الأخرى التي زادت عن 40 مؤلفا ، اشتملت على التراجم و الدراسات المختلفة و التحقيق و الإبداع الأدبي بمختلف ضروبه . (9)
ما تمّ ذكره ، شهادة إثبات بأن شيخ المؤرخين مدرسة تاريخية وطنية بكل المقاييس ، إذ أنه اجتمعت في خصاله العلمية أربعة صفات انصهرت في كيانه و استقرّت في وجدانه ، فأزهرت حقله و أنارت عقله . و هذه الخصال هي بالأساس ، صفة " سعد الله المؤرخ ، الأديب ، الناقد ، و المنظّر " . لقد عبّر أبو القاسم سعد الله عن مفاهيمه و مواقفه من الحركة الوطنية الجزائرية في العديد من مؤلفاته و كتاباته ، غير أنّنا سنحاول إبراز ذلك من خلال بعض المحاضرات التي ألقاها أبو القاسم في الملتقى الوطني الأول لكتابة تاريخ الثورة الجزائرية عام 1981 .
يحاول أبو القاسم سعد الله إيضاح مفاهيمه و تأسيس موقفه من الحركة الوطنية ، انطلاقا من الاتجاهات الفكرية و الثقافية التي ميزت مسيرة النضال الوطني التحرّري في الجزائر ما قبل الاستقلال ، و بالتحديد فترة العشر سنوات السابقة للثورة . اشتملت الحركة الوطنية فكريا و ثقافيا على ثلاث اتجاهات ، هي في الأصل الاتجاهات الدينية و الاتجاهات السياسية ، و الاتجاهات الثقافية . (10)
المعروف أن الحركة الوطنية تعني في حدّ ذاتها مجموعة ردود الفعل الوطنية الجزائرية ضدّ سياسة المستعمر الفرنسي انطلقت مند أن وطأت أقدام المحتل أرض الجزائر الحرّة . و لذلك في البداية يوضّح سعد الله مفهومه لهذه المرحلة
أن بداية النضال الوطني التحرّري كان منصبا على دحر المستعمر و تخليص البلاد منه . ذلك أن الحركة الوطنية الجزائرية كانت بالدرجة الأولى سياسية تقوم على مقاومة المستعمر بالسلاح أولا ، خصوصا خلال القرن التاسع عشر ، ثمّ لجأت إلى العمل السياسي المنظم في شكل أحزاب و هيئات ، سواء كان التنظيم السياسي في الجزائر أو في فرنسا نفسها ، فإن محتواه الفكري و الثقافي كان ضعيفا إن لم يكن معدوما . (11) فأبو القاسم سعد الله ، يلغي أية علاقة بين الدافع الفكري و نظيره السياسي التحرّري في هذه الفترة بالذات ، ممّا يرجح القول أن إرادة التحرّر لدى الجزائريين في بداية الاحتلال نابعة من صميم طاقتهم الفطرية التلقائية الخالية من أية ثقافة سياسية أو فكرية .
3 ـ الاتجاهات الدينيـة : إن ّ الفجوة الفكرية و الثقافية الحاصلة في بداية نشاط الحركة الوطنية الجزائرية في أوائل القرن التاسع عشر لا يراها أبو القاسم سعد الله معوّقا للنضال الوطني التحرّري فحسب ، بل يفسّرها بيقظة الوعي الشعبي المبكّر و الملامح التي ستنضج نهضة سياسية تأخذ في مداها القريب الجوانب الفكرية و السياسية مع مرّ الزمن و تدفع شرائح المجتمع الجزائري و نخبه للتفاعل مع النظام الاستعماري ، بغاية رصّ صفوف المقاومة الشعبية التحرّرية تحت راية الجهاد . فالاتجاهات الدينية هي في حدّ ذاتها إحدى الروافد المغذّية للنضال الوطني التحرّري حسب أبي القاسم سعد الله . اتّسم نشاط التيارات الدينية على مدى القرن التاسع عشر بتعميق مسيرة الوعظ الديني الرامي إلى غرس محبة الوطن في وجدان الأمة انطلاقا من الذود على قيم الإسلام و مثل المجتمع بغاية مواجهة تداعيات الغزو الاستعماري و ما رفقه من تجهيل و تفقير و تبشير الموجه بالأساس إلى تقويض مقوّمات المجتمع الأهلي . حمل رسالة التغيير و الإرشاد و التوعية رجال من النخب التقليدية ، لهم باع في مجال الفقه و التعليم و القضاء ، يتقدّمهم عبد القادر المجاوي و مولود بن الموهوب و بن عثمان خوجة ، الذين يعود لهم الفضل في بلورة برنامج الاتجاهات الدينية طوال القرن التاسع عشر . و حسب سعد الله ، فإن نشاط هؤلاء الرجال تمثل أصلا في جهودهم الفردية بإلقائهم للدروس الدينية من فقه و تفسير و تعليم داخل المساجد و المدارس القرآنية .
لقد كان هؤلاء الرجال مركز إشعاع فكري و أدبي بكتاباتهم الفقهية و إنتاجا تهم الأدبية تمكّنوا من خلالها التصدّي للمدرسة الاستعمارية التي كان أصحابها يروّجون بأفكارهم شرعية و مشروعية الغزو الفرنسي الجزائر مطلع القرن التاسع عشر. استطاعت هذه النخبة من المثقفين الجزائريين من الرّد على دعاة الفكر الكولونيالي و منهم ألكسيس طوكفيل و ألفونس دي لامارتين و جول فيري و غيرهم من ذوي النزعة الاستعمارية الفرنسية .
حاولت الإدارة الفرنسية في بداية الاحتلال توظيف كل أدوات السيطرة على المستعمرة بأقل التكاليف بغرض استكمال مخطط الغزو في ظروف هادئة . و لذلك شجّعت الاستيطان بشكليه الرّسمي و الحرّ ، و انتهاجها لسياسة التبشير و التمييز و التفقير . إلا أن المستعمر لم يجد الوضع كما تصوّره دعاته ، و جاء الرّد مباشرا و موحّدا من قبل الجزائريين مند بداية الاحتلال إلى متمّ القرن التاسع عشر . في هذا المضمار ،كان المحرّك القوي في هذا الشأن هو الوازع الديني الذي حملت لواءه النخب الدينية و ثقافتها المحافظة ، فأسهمت في إشعال لهيب المقاومة المسلّحة .
تمثل النخب الدينية توجّهات نضالية و إصلاحية ، غدّت الحركة الوطنية و كانت منطلق المقاومات الشعبية إبان القرن التاسع عشر ، تنقسم حسب رأي شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله إلى ثلاثة تيارات تحرّرية رئيسية :
التيار التقليدي : يحصره شيخ المؤرّخين في موقف رجال الدين من الاستعمار سلبا و إيجابا ، فنراه يصف الدور الايجابي لأصحاب التيار التقليدي بمصطلح " الإسلام المجاهد " . (12) يتجلّى هذا الموقف في مسيرة الجهاد التي قادها رجال الطرق الصوفية من المرابطين أمثال لالة فاطمة نسومر ، الشيخ ابن الحداد ، الشيخ بوعمامة ، على امتداد مرتفعات الإقليمين التلّي و الصحراوي ، فكانت بالفعل بطونا للكفاح و حصونا للمقاومات الشعبية على مدى أزيد من خمس عقود من زمن القرن التاسع عشر . لقد حمل قادة الإسلام الجهادي لواء المقاومة الشعبية برفع السلاح في وجه المستعمر الفرنسي و قواته الغازية ، محاولة منهم تطهير الوطن من وطأة الكافر .
فالدور الأكبر في المقاومة الوطنية العسكرية و الفكرية في بدايتها ، كان على عاتق هؤلاء الرجال ، من ا لزوايا التي كانت وراء كل الثورات و الانتفاضات . (13) و تكفي الإشارة هنا إلى الطريقة الرحمانية و القادرية و الدرقاوية التي لعبت دور ا مؤثرا في المقاومات الشعبية ضدّ الغاصب الفرنسي . لهذا ، فأغلب الذين رفعوا السلاح ضدّ الفرنسيين كانوا شيوخا أسندوا ظهورهم إلى مقدّمين لطرق معينة خاصة الرحمانية و القادرية ، مثل الشيخ مولاي أحمد في منطقة الشرق الجزائري . (14) نظرا لدورها المتصاعد في دعم وتيرة المقاومة مند بداية الاحتلال ، ازداد عدد مريدي الطرق الصوفية ، لأنها على رأي سعد الله ، حاملة لواء الإسلام المجاهد . و لهذا الغرض ، تحوّلت حركة الزوايا إلى قواعد شعبية للمقاومة التحرّرية أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر . لذلك ، تشير إحصائيات عام 1851 في قطاع الشرق الجزائري إلى تسجيل 67.13 ألف مريدا للطريقة الرحمانية ، 15.64 ألف مريدا للطريقة الطيبية و 8.34 ألف مريدا للطريقة القادرية ، و 4.95 ألف مريدا للطريقة التيجانية ، و 1.17 ألف مريدا للطريقة الحنصالية . (15) خلقت هذه الإيجابية في الذهنية الاستعمارية مشاعر التعجّب و الذهول ، لمّا رأت فرنسا في التيار التقليدي المجاهد عزيمة تصفية المستعمر ، فأدركت أهميته في المقاومة ، و راحت تعمل بشتى الوسائل على تقويضه و إبادته بأساليب متعدّدة كتدجين قادته ، و ترهيب أتباعه . في هذا الصدد ، يقول سعد الله : " عمد المستعمرون إلى تفتيت القيادة الواحدة في الأسرة الدينية الواحدة ، فجعلوا الابن ضدّ أبيه ، و الأخ ضدّ أخيه ، و المقدّم ضدّ شيخه ، و ربطوا كل واحد منهم بمصلحة أو وظيفة ، فجعلوا بعض المرابطين قيادا ، و وضعوا حوله العيون و أحاطوا البعض الآخر بالأبّهة ، و وصل بهم الأمر أن زوّجوه من فرنسيات ، غير أن بعضهم حرموه و اتهموه و هكذا ضاع السّر الذي كان أصحاب هذا الاتجاه يتمتّعون به عند الشعب . " (16)
و في المقابل ، عزّز النظام الاستعماري علاقته من التيار الثاني ، الممثل في الإسلام السكوني على حدّ تعبير أبي القاسم سعد الله ، الذي يعكس الوجه الآخر للتيار التقليدي . يمثل الموقف السكوني بعض الفرق من رجال الطرق الصوفية و بالأخص بعض فروع الطريقة التيجانية و الطريقة الرحمانية و الدرقاوية . و يرى سعد الله في أمر هذه الحركات الصوفية ، أنها لم تساهم إسهاما مباشرا في المقاومة . (17) و هذا يعني أنها وقفت موقف المؤيد أو المدافع عن مصالحها على حساب المسألة الوطنية ، ممّا يسّر على المحتل في بداية الاحتلال أن يتخذها حليفا طبيعيا له في ضرب الحركات الصوفية الأخرى الدّاعمة لروح المقاومة . و لذلك يكون قد نجح المستعمر في تشويه الاتجاه الصوفي و تفكيكه إلى نقيضين ، بحيث تحوّل ما يوصف بالإسلام السكوني إلى " مهزلة " عندما ضاع سرّ تلك الفروع ، فزالت الهيبة في أعين الناس ، و غذت كلمة " المرابط" عشية اندلاع الكفاح المسلّح مرادفة لعبارات التخريف ، الدّجل و التخلّف بعدما كانت سلوكا و أسوة يقتدى به في التديّن و الوعي و التحرّر و الجهاد .
التيار المعتدل : من الطبيعي أن العاملين في الحقل الديني كما يرى سعد الله ، صنفان ، الصنف الأوّل من المتصوّفة و يتشكل كما قلنا سابقا من الإسلام المجاهد ، أي التيار التقليدي المقاوم ، و الإسلام السّكوني ، أي التيار
التقليدي المتحالف ، و يعيش هذا الصنف المركّب من أموال عامة المجتمع . أمّا الصنف الثاني ، فإنه يستفيد من أموال الدولة و يمثل رجالات الاتجاه المعتدل من جمهور الفقهاء ، موظفون عند الدولة و يقومون بدور الإفتاء و القضاء و الإمامة و التعليم ، إنهم " النخب الدينية من العلماء " . ، تلقّى هؤلاء العلماء تكوينهم العلمي و المعرفي في مدرسة المستشرقين الفرنسيين حسب رأي أبي القاسم سعد الله . و لما شعر المسؤولون الفرنسيون صعوبة إيجاد العلماء المتعاونين معهم إبان السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال ، بسبب هجرة بعض العلماء الجزائر بعد الاحتلال ، و عدم وثوق الفرنسيين فيهم لأنهم لم يتخرّجوا من مدارسهم ، كانت حاجة المستعمر ملحّة عليه أن يشرع في تكوين نخب من العلماء و المثقفين الجزائريين ، يقفون إلى جانبه و يعملون على إنجاح سياسته .
بعد تأسيس المدارس الفرنسية العربية الثلاث سنة 1850 في الجزائر و اتساع حركة الاستعراب ، بغاية سعي فرنسا إلى ملء المكاتب العربية و إدارات الشؤون الأهلية ، تمّ تخرّج دفعات قليلة من تلك المدارس ، تسلّم أصحابها وظائف دينية و تعليمية كانت شاغرة ، تخصّ الإفتاء و القضاء و التعليم و الإمامة . و يقول سعد الله : " لم يكن الفرنسيون يوظفون من الجزائريين ، إلا أولئك الذين تخرّجوا على أيديهم و تحت إشرافهم ، و يعملون العراقيل أمام المتخرّجين من المعاهد الإسلامية الأخرى لعدم الثقة فيهم " . (18) و قد كان هؤلاء الرجال تحت أنظار المستعمر الفرنسي ، تحت الرقابة المستمرة ، و لم يكونوا أحرارا في نشاطهم فحسب ، بل ظلّوا موظفين مقيّدين و مجرّدين من أي الحق في الاعتراض و الرأي و النقد .
غير أن السياسة الاستعمارية الفرنسية المتبعة في الجزائر خلال هذه الفترة، أنتجت أفواجا من النخب المجدّدة للتيار التقليدي ، استطاعت من خلالها الحركة الثقافية الجزائرية أن تتفاعل مع تحدّيات عصرها . حاول بعضهم من تلك النخب التعبير عن موقفه باعتدال ، عن طريق اللجوء إلى التأليف و بعث التراث الوطني . و في هذا الشأن يضرب سعد الله مثالا عن هذا الدور بقوله : " أسهم ابن أبي شنب في بعث التراث الوطني ، و الحفناوي بن الشيخ و محمود بن دالي في الصحافة الوطنية و الرسمية ، و دعا آخرون إلى اليقظة العلمية مثل ابن الموهوب و المجاوي.
و انتقد آخرون التدخل في شؤون القضاء الإسلامي مثل المكي بن باديس ، و عبد الحليم بن سماية الذي وقف باسم الدين ضدّ التجنيد الإجباري للجزائريين في الجيش الفرنسي . و هناك من تأثر كما يرى سعد الله بأفكار و مبادئ الجامعة الإسلامية ، من أمثال مصطفى بن الخوجة الذي دعا إلى تحرير العقل و الالتزام بمبادئ الإسلام الصحيح عن طريق التعليم و الاقتداء بالأوربيين في مجال العمل و الاجتهاد ، و هم واثقين بأن الإسلام يركّز على ذلك .
شكّل أنصار هذا التيار كتلة من النخب الجزائرية ، يصفها أبو القاسم سعد الله باسم" كتلة المحافظين " . تتكوّن هذه الكتلة من المثقفين التقليديين أو العلماء ، و من المحاربين القدماء ، و من زعماء الدين و بعض الإقطاعيين و المرابطين ، و من بعض المعلّمين و الصحفيين المتأثرين بفكرة الجامعة الإسلامية ، الذين تخرّجوا من المدارس القرآنية و المدارس الفرنسية الجزائرية . ركّز أصحاب التيار المحافظ المعتدل على نبذهم للأفكار الغربية ، التجنيس و التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي ، و دعوا إلى المحافظة على النظم الإسلامية و التعليم العربي و الحرص على القيم و التقاليد القديمة ، لكنهم من الناحية السياسية رفضوا مقاومة المستعمر ، متمسّكين بإرادة الله إلى حين أن تتحقق معجزة تخليص البلاد من المحتل الفرنسي . (19) و من الشخصيات البارزة لدى كتلة التيار المعتدل ، الممثلة لأفكار و قيم كتلة المحافظين ، الشيخ عبد القادر المجاوي ، سعيد بن زكري ، عبد الحليم بن سماية ، مولود بن الموهوب ، و حمدان بن الونيسي الذي كان أستاذا لعبد الحميد بن باديس . (20 )
يمثل هذا الاتجاه بكل ما يحمله من مميزات و بكل ما له من تحوّلات ، إرهاصات الحركة الوطنية الجزائرية خلال السنوات الأولى التي رافقت الاحتلال الفرنسي إلى نهاية القرن التاسع عشر . تجلّت تلك الإرهاصات في بوادر الحركة الإصلاحية في شكلها التقليدي القائم على النضال الفردي التوعوي المدافع عن مقوّمات الأمة الجزائرية .
من هذا المنطلق ، احتلت قضايا المجتمع و ثوابت الأمة المسلمة مقتضيات دعاة هذا التيار الوطني الإصلاحي .
التيار الإصلاحي : من بين الاتجاهات الفكرية التي احتضنتها الحركة الوطنية هنالك التيار الإصلاحي الذي هو فرع من فروع الاتجاهات الدينية . فالاتجاه الإصلاحي حسب شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله ، لا يبدأ تاريخه بميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ثلاثينية القرن الماضي و أنما تعود أصوله إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر . لذا يقول سعد الله : " إن الدعوة إلى الإصلاح ، أقدم بكثير من تاريخ إنشاء الجمعية ، و بذور هذه الدعوة في كتابات عبد القادر المجاوي في السبعينيات عن التعليم ، و كتابات المكي بن باديس عن إصلاح القضاء في التمانينيات من القرن التاسع عشر . " (21) تمكّن الشيخ المجاوي من نشر أفكاره الإصلاحية عن طريق التعليم في مدارس الجزائر و قسنطينة ، و تخرّج على يده كل من ابن أبي شنب ، مولود بن الموهوب ، و مصطفى بن خوجة .
و من جهة أخرى ، أثرت جهود الشيخ المكي بن باديس في سلك القضاء ، و استمرّت أفكاره بعد في أحفاده أمثال حميدة بن باديس ، و الشيخ عبد الحميد بن باديس .
على هذا الأساس ، تعود جذور الاتجاه الإصلاحي إلى عوامل رئيسية بارزة ، و ترجع في البداية إلى كتابات و أعمال كتلة المحافظين ، أي التيار الديني المعتدل ، و انتشار أفكار الجامعة الإسلامية و زيارة محمد عبدو إلى الجزائر مطلع القرن الماضي ، و انتعاش الحركة الثقافية بين الجزائر و بلاد المشرق عن طريق الزيارات و الرسائل المتبادلة بين المهاجرين في الجزائر و إخوانهم في المشرق العربي . و في هذا الشأن يقول سعد الله : " و ما إقامة الشيوخ حمدان الونيس و الإبراهيمي و العقبي في الحجاز قبل الحرب العالمية الأولى ، و زيارة ابن باديس إلى المشرق العربي أثناء الحرب العظمى ، و زيارة الطاهر الجزائري للجزائر ، إلا إرهاصات الإصلاح في الجزائر قبل ظهور جمعية العلماء؛ بل أنه يمكننا أن نعد ّ حركة الأمير خالد حركة إصلاحية ، و هي قد ظهرت قبل أو واكبت حركة العلماء " . (22)
تأسّست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس من ماي 1931 بنادي الترقي في الجزائر العاصمة برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس ، و بعد وفاته في السادس عشر من أبريل 1940 ، تقلّد رئاسة الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي . فإذا كانت جهود الجمعية الإصلاحية استمرارية لحركة الإصلاح التي انطلقت أواخر القرن التاسع عشر على يد أصحاب التيار الديني المعتدل ، فإن فجوة الاختلاف واسعة بين المدرستين في التصوّر و المنهج و الهدف و الإستراتيجية . فالإصلاح الذي دعا إليه العلماء يختلف في عمقه و حجمه عن حركة الإصلاح التي سبقت جمعية العلماء . ركز المصلحون السابقون نشاطهم الإصلاحي على النصوص الأدبية و المقالة الصحفية و تجلّى آثارهم في الجرائد و خطب الجمعة و النوادي الثقافية و مؤلفاتهم الفقهية.
و بالمناسبة ، يورد شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله نص خطبة للمولود بن الموهوب عندما تولّى منصب الإفتاء في قسنطينة ، ركّز فيها على محاربة المسلمين للجهل و التعصّب ، و حبّ العلم و التحلّي بالتسامح و تقليد جيرانهم الأوربيين المتفوّقين ، و دعا إلى اكتساب المعارف بقوله : " زينوا أفكاركم بالمعارف و اتركوا النوم ، يا قوم ، فإنه ليس أمس كاليوم ، فمن ترك التعلّم ، فهو الجلمود لأن الزمان زمان سباق ، و كل شيء له المعرفة صداق ..." (23) .
و لذلك تميزت حركة الإصلاح لدى الاتجاه المحافظ بخصوصيات واضحة ، جعلت إيديولوجيتهم الدينية تتصف حسب أبي القاسم سعد الله ، بالإصلاح المحتشم أو الحذر ، لأنهم كانوا أناس مدينين في الأغلب للإدارة الاستعمارية بوجودهم . أما العلماء المسلمين الجزائريين ، انصبّ نشاطهم الإصلاحي في رأي سعد الله على العمل السافر الجريء ، القائم على تصفية الدين من الخرافات و بعث التعليم العربي ، و إحياء التراث بنشر حضارة الإسلام و تنشئة جيل يؤمن بهذه القيم ليدعم الحركة الوطنية . انطلاقا من هذه الأسس ، يقول شيخ المؤرخين عن العلماء :
" فإن إصلاح العلماء ، قام على خطة عمل مرسومة للوصول إلى هدف محدّد و يكفي أن نقول أن برنامجهم يمثل دفعة جديدة ربطت الإصلاح بالدين و الدنيا ، و بالتراث و الوطنية . (24) هذا و يرى البعض من المفكرين الجزائريين ، أن الاتجاه الإصلاحي كان له الدور الأبرز في بعث النهضة الثقافية و تعميق الوعي الوطني الحضاري المنتفض على البدع و التحجر و الانزواء إلى الماضي العقيم . فالاتجاه الإصلاحي كما يراه سعد الله و غيره ، أنه فكر متقدّم و متطوّر بالقياس مع الاتجاه السابق ، بل هو ثورة عليه . لقد أحدث الفكر الإصلاحي نوعا من التوازن بين الماضي و الحاضر و أوجد جسرا بينهما ، فهو يختار من الماضي ألمع فتراته ، و يسعى إلى التوفيق بين الحضارة الإسلامية و بين الحضارة الغربية الغازية . (25) حمّلت راية الإصلاح بمفهومه الحديث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مند تأسيسها في الخامس من ماي 1931 ، بفكر مستنير و متفتح على عكس التيار المحافظ ، معلنة رسالة التحرير في بعد الواسع ، يؤدي بالوطن في المدى البعيد إلى التحرّر الشامل أو الاستقلال التام . إن غاية الجمعية غاية إصلاحية ، تهدف إلى تطهير الدين و العودة إلى الأصول لاستنباط الأحكام ، و تنشئة جيل جزائري جديد مسلّح بثقافة وطنية و فكر عربي ، ليتمكن في المستقبل من تحقيق الأمنية الغالية و هي الاستقلال . (26)
يعكس التيار الإصلاحي بكل تجرّد روح النهضة الجزائرية التي مكّنت رجالاته من اكتشاف الصلة بين الواقع الجديد و موقف المجتمع من هذا الواقع و كيفية التفاعل مع متغيراته و تداعياته . من هنا استطاع أصحاب هذا الاتجاه الوطني حسب أبي القاسم سعد ، إيجاد القدرة على تصحيح هفوات التيار التقليدي من خلال بعث حركة إصلاحية تنفرد بتنظيمها و برنامجها و أطرها و إستراتيجيتها عن التيار التقليدي ، في مواجهة النظام الاستعماري .
خاتمــة
من خلال ما تقدّم ، يمكن استخلاص حقائق تاريخية في غاية الأهمية عن الحركة الوطنية خلال القرن التاسع عشر ، انطلاقا من الاتجاهات الدينية التي مثل روادها مسيرة النضال الوطني على مدى هذه المرحلة التاريخية .
على هذا الأساس ، ينبغي أن نقول في حق هذه التيارات الوطنية الدينية ، أنها اتسمت صيرورتها التاريخية و النضالية بجملة من التطوّرات و المتغيرات ، استفادت منها فيما بعد الحركة الوطنية الجزائرية مع طلائع القرن العشرين .
ركّز دعاتها على مقاومة المستعمر انطلاقا من التمسّك بعناصر الهوية الوطنية العربية الإسلامية ، و ذلك عن طريق الخطاب الديني الذي تلك التيارات و التي مسألة الهوية من المقتضيات الجوهرية للأمة .
تنوّع الاتجاهات الدينية دلالة على خصوبة مسيرة ردّ الفعل الوطني على الاستعمار الفرنسي من جهة ، و الوقوف في وجه مخطّطاته الرامية إلى الاستيطان و الاستيلاء و الإخضاع من جهة أخرى .
نشوء نخبة وطنية متشبعة بالوازع الديني ، كانت بمثابة الحصن الحصين في مجابهة سياسة المستعمر ، و طاقة مجدّدة و باعثة للمقاومات الشعبية .
بروز تيارات متباينة في المنهج و موحدة في الهدف ، أعطى دفعة قوية ، سمحت بنشأة حركة إصلاحية متكاملة الأهداف ، واضحة المعالم ، كانت وراء ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .
لذا ، يذهب بنا القول إلى اعتبار أن اهتمامات رجالات الاتجاهات الدينية ، قد أثمرت جهودهم بتأسيس فكر وطني تحرّري ، كانت انطلاقاته الأولى تحصين الذات و إصلاح الأفراد و توعية المجتمع ، بغرس مشاعر حبّ الوطن وتعميق ثوابت الأمة في الوجدان الجماعي والمحافظة على الذاكرة الجماعية و الذود على مقدّسات الكيان الجزائري .
الهوامــش
(1) منتدى شخصيات بلادي ، " السيرة الذاتية لأبي القاسم سعد الله " ، الجزائر ، 2008 ، ص 2 .
(2) المرجع السابق ، ص 2 .
(3) أحمد بن السائح ، " الدكتور أبي القاسم سعد الله ، مؤسّس المدرسة التاريخية الجزائرية " ، المكتبة الرقمية ، الجزائر ، 2013 ، ص 1 .
(4) أحمد بن السائح ، نفس المرجع ، ص 1 .
(5) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .
(6) أبو القاسم سعد الله ، " الذكرى الثالثة للثورة الجزائرية 1957 " ، مجلة الثقافة ، العدد 83 ، الجزائر ، أكتوبر 1984 ، ص ص 243 ـ 251 .
(7) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .
(8) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص ص 3 ـ 4 .
(9) أحمد بن السائح ، المرجع السابق ، ص ص 1 ـ 2 .
(10) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، 1981 ، ص ص 18 ـ 26 (11) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 18 .
(12) أبو القاسم سعد الله ، المرجع السابق ، ص 20 .
(13) حميدة عميراوي ، جوانب من السياسة الفرنسية و ردود الفعل الوطنية في قطاع الشرق الجزائري ، الطبعة الأولى ، دار البعث للطباعة و النشر ، قسنطينة الجزائر ، ص 64 .
(14) عميراوي ، نفس المرجع ، ص ص 64 ـ 65 .
(15) عميراوي ، نفس المرجع ، ص 65 .
(16) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 20 .
(17) سعد الله ، نفس المرجع ، ص ص 20 ـ 21 .
(18) سعد الله ، المرجع السابق ، ص 21 . (19) أبو القاسم سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية 1900 ـ 1930 ، ج 2 ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 1983، ص ص 151 ـ 152 .
(20) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 154 .
(21) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، المرجع السابق ، ص 21
(22) أبو القاسم سعد الله ، الملتقى الوطني الأول لتاريخ الثورة ، 28 ـ 31 أكتوبر 1981 ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، ص ص 21 ـ 22 .
(23) أبو القاسم سعد الله ، " مساهمة بعض المفكرين الجزائريين في اليقظة الإسلامية في القرن التاسع عشر " ، ملتقى الفكر الإسلامي السادس من 24 جويلية إلى 10 أوت 1972 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، المجلد الرابع ، مطابع دار البعث ، قسنطينة ، 1973 ، ص ص 106 ـ 107 .
(24) سعد الله ، نفس المرجع ، ص 22 .
(25) عبد الله ركيبي ، " دراسة مقارنة للتيارات الفكرية قبل الثورة و أثناءها " ، مجلة الأصالة ، عدد 22 ، خاص بالذكرى العشرون لاندلاع الثورة الجزائرية 1954 ـ 1974 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، الجزائر ، ديسمبر 1974 ، ص ص 38 ـ 49 .
(26) أحمد الخطيب ، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و أثرها الإصلاحي في الجزائر ، المؤسّسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، 1985 ، ص ص 118 ـ
