halaili.ht.9

الموريسكيون الأندلسيون في إسبانيا  من خلال

رحلتي الشهاب الحجري و الوزير الغساني

     أ.د. حنيفي هلايلي      

 جامعة سيدي بلعباس

                                                                                                                                                      

         إن الإطلاع على الرحلات السفارية أو غيرها يساعد في كثير من الأحيان على الاستفادة من المشاهدات المدونة، والتأمل في التعليقات المسجلة. وعلى البحث عن أسباب التعرض لبعض الموضوعات وإهمال بعضها أو الاكتفاء بالإشارة إليها دون أي تعليق أو تحليل.وقد عد المؤرخون هذه الرحلات من مصادرهم التي يرجعون إليها في تدوين أخبارهم لما لها من أهمية في وصف الأحداث أو لما فيها من الاستطرادات العفوية التي تعين الباحث على الربط بينها وبين استنتاجاته التي يصل إليها.
 
   ومن البديهي أن مؤرخي الدولة السعدية و العلوية قد استخدموا هذه الرحلات في أبحاثهم واستنطقوا الخبرات المدونة في سجلات الرحلات .فكانت بسبب ذلك من أهم المصادر التي اعتمدوا عليها سواء بالنسبة إلى الرحلات التي كانت في بداية انطلاق الدولة أو في الرحلات التي كانت بعد ازدهارها.ولم تكن الفائدة منها مقتصرة على الجوانب السياسية ولكنها أفادت في الدراسات الاجتماعية والأدبية والجغرافية فاعتبرت بسبب ذلك زادا ثقافيا ينهل منه كل حسب اختصاصه وحسب رغبته.  ومن أهم الرحلات التي دونت على عهدي المولى زيدان السعدي و المولى إسماعيل العلوي الرحلتان الموسومتان برحلتي ناصر الدين على القوم الكافرين لأفوقاي و رحلة الوزير في افتكاك الأسير للكاتب محمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني .
         أولا : رحلة الشهاب الحجري

      تعد رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب والمعروف كذلك بـ رحلة أفوقاي الأندلسي، والمختصرة في كتاب آخر عنونه بـ ناصر الدين على القوم الكافرين،(1) من روائع أدب الرحلات للرحالة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري المشهور بـ أفوقاي والشهاب الحجري. لقد تمكن الحجري من مغادرة الأندلس إلى المغرب سنة 1597، لأنه كان مهدداً بأخطار كثيرة بسبب دفاعه عن الأقلية الموريسكية. و كان يعتبر نفسه مجاهداً.لهذا كان يغامر بنفسه دون أن يخاف من تهديدات الحراقين الذين يتربصون بالطائفة الموريسكية من أجل إلحاق الضرر بها:( و بلغ الحال بي حتى إذا وقفت مع جماعة للكلام ترى كل واحد منهم ينسل حتى أبقى وحدي منفرداً)(2).

       يتمحور الكتاب حول فراره الشهاب بدينه وبدنه من ملاحقة محاكم التفتيش سنة(3) 1597 من ضواحي غرناطة، وذهابه إلى مرسى شنتمرية بالبرتغال، وتنكره كمسيحي من إشبيلية، وركوبه بارجة برتغالية مدعيًا توجهه إلى مدينة مازاغان التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي، ليهرب هو وجماعة معه إلى بلاد المسلمين ويرسو في ميناء أزمور المغربي. عرضت لنا الرحلة تطورات الأوضاع التي دفعت المسلمين الموريسكيين إلى مواجهة السلطات الإسبانية تصديا لحملة التنصير التي أجبروا عليها، وكيف أدت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة(1568)، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش التي استهدفتهم وأنزلت بهم أشد صنوف العذاب.إن عنوان الرحلة نفسه يعبر بوضوح عن اتخاذ الحجري لمنهج المواجهة( ناصر الدين على القوم الكافرين)، بل اعتبر مؤلفه السيف الأشهر الموجه ضد النصارى، و اعتبر ميلاده في بلاد الكفار نعمة من الله ( فيقول العبد الفقير... أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي من نعم الله تعالى أن جعلني مسلماً في بلاد الكفار...).(4)

    لعل أهمية الرحلة تكمن في الموقع الذي كان يحتله الحجري.إذ كان صلة وصل حضارية فيما بين(الأنا) المسلمة التي تشكل طاقته و مصدر اعتزازه و افتخاره و(الأخر) و نعني الذات المسيحية، لأنه نشأ و كبر و تكون في فضائها، فتمكن بفضل ذلك من أن يدرس الحضارة المسيحية و يتعمقها. و من هذه الزاوية، نستطيع أن ندرك هذه الشخصية الواقفة على ثقافتين و نقاربه.. و لأجل هذا كان يلجأ الحجري إلى المقارنة بين الحضارتين مع تحيز واضح للذات المسلمة، و كان يرجع إلى المؤلفات المسيحية لمناظرة علمائها.

   سافر الحجري إلى أوروبا، سعياً منه في إنصاف الطائفة الموريسكية التي تعرضت للنهب من طرف أرباب السفن الفرنسية بسبب طرد فليب الثالث(1598-1621) .(5) على إثر هذا النهب ،اتصلت بعض العائلات الموريسكية بالمولى زيدان(1603-1627) و طلبوا منه مساعدتهم و إرسال من يطالب بحقهم، كما أشار الحجري إلى ذلك: ( و طلبوا من السلطان المولى زيدان... أن يأذن لهم في إرسال بعض أصحابهم مع رجل من الأندلس من الذين كانوا قبلهم بتلك المدينة و أسفر نظره أن نمشي بأصحابهم و أعطانا للسلطان كتابه).(6)لهذه الجماعة تلتها رحلة أفوقاي في وصف لاهاي بين 1611-1613، وهي تروي عن زيارة الرحالة لبلاد الهولنديين، يصف فيها لاهاي وأمستردام، وأنشغل في هذه الرحلة بمحاورة الفرنسيين والهولنديين من أجل عرض قضيته الموريسكية، وكانت المناظرات حول الأديان.       

و الظاهر أن رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب يقصد بالأحباب فيما يرجح أنهم إخوانه المسلمون فيما وراء البحر أي في عدوة المغرب، التي لجأ إليها. فعندما دخل أفوقاي بلاد المغرب كان سلطانها أحمد المنصور الذهبي(1578-1603)، و كان قد تولي منصبه في جمادى الأولى سنة 986 هـ الموافق لشهر أوت 1578م وسط معركة وادي المخازن، التي لقي فيها البرتغاليون على يد المغاربة هزيمة كبيرة، فلقب بالمنصور تيمنا بالنصر الذي أحرزته جيوش المغرب، وكان عصره من أعظم عصور المغرب. تعدَّدت أسماء المعركة في الإسطوغرافية المغربيَّة، مثل: معركة الملوك الثلاثة، ومعركة القصر الكبير، ومعركة وادي المخازن، وهو الاسم الذي دَرَجَ على استعماله المؤرخون المغاربة في كتبهم، وربَّما خطر لبعض المؤرخين المعاصرين أنْ يسموها اليومَ بدافع تصحيح جاء متأخرًا عن موعده: "معركة الملوك الأربعة"؛ لأنَّها إضافةً إلى الملوك الثلاثة الذين ذهبوا ضحايا لها، كانت منطلقًا لبروز ملك رابع سطع نجمه عاليًا في المغرب، ألا وهو أحمد المنصور الذهبي.(7)
    كان حينما وفد عليه الشهاب الحجري أفوقاي بلغت مدة حكمه أكثر من عشرين عاما. فلما قدّم إليه قائده محمد بن إبراهيم الشعياني وكان أثيرا لديه و موضع ثقته وتقديره لما أبداه في حكم منطقة أزمور من حزم ، لمّا قدم إليه هذا الأندلسي الفار، ووقف على قصته و ما يتمتع به من براعة أدبية و لغوية، أولاه عطفه وأمر بتعيينه مترجما للبلاط، وأبدى الشهاب براعة في أعمال الترجمة من العربية إلى الإسبانية و من الإسبانية إلى العربية، وأسبغ عليه لقب (ترجمان سلاطين مراكش). كان يستعمله السلطان سفيرا عنه في بعض البلاد الأوروبية. و لما توفي السلطان أحمد المنصور في سنة 1012 هـ (1603م) استمر الشهاب في عمله بالبلاط المغربي خلال الحرب الأهلية بين السعديين التي تلت وفاة المنصور ثم مدة أخرى في ظل ولده السلطان مولاي زيدان. الذي أرسله في مهمة إلى بلاد هولندا وفرنسا.(8)

     يتضح من الأسلوب الذي ترجم به الشهاب هذا الكتاب أن اللغة العربية كانت ما تزال قوية عند الموريسكيين المثقفين، بالرغم من كل ما فعلته إسبانيا، وفعله ديوان محاكم التفتيش الإسباني، لقتل  الحضارة العربية الإسلامية و التراث الأندلسي. ويشير الشهاب في كتابه إلى المقري مؤرخ الأندلس وإلى كتابه الجامع ( نفح الطيب) وقد عاش الرجلان في نفس العصر،

   و الظاهر أن أفوقاي قد لقي المقري بمصر خلال مروره بها في طريقه إلى الحج أو خلال العودة منه، وذلك في سنة 1040 هـ / 1631 م قبيل وفاة المقري بقليل.(9) كانت لأفوقاي معرفة عميقة بالديانتين المسيحية واليهودية، وكانت له استشهادات من نصوصها وكتبها المقدسة. وكان بحق مُعبّرا عما قد نسميه اليوم بحوار الثقافات الذي لم يكن أن يكون آنذاك إلا حوار أديان.

   ولد أحمد ابن القاسم ابن أحمد الفقيه قاسم ابن الشيخ الحجري، والمعروف بالشهاب الحجري، وكذلك بأفوقاي، في سنة 1569، وقيل في 1570، بمنطقة من أحواز غرناطة، وهو من الموريسكيين، المسلمين الأندلسيين الذين لم يتمكنوا من الهروب من الأندلس إبان سقوطها واضطروا إلى أن يتظاهروا بأنهم نصارى خوفا من ملاحقات محاكم التفتيش والتي كانت تقتل كل من تظهر عليه أي علامات تدل على أنه مسلم أو عربي إلى درجة أنهم بدلوا أسماءهم، ولهذا تلقب بـ»أفوقاي»، وتعلم اللغة العربية من أبيه العالم وحفظ القرآن، ودرس علوم الشرع سرًا، وتعلم اللغات الأعجمية، وانكب على كتب العقائد اليهودية والنصرانية واطلع على دقائقها، وعاش في إشبيلية ومدريد، وظل سنين طويلة يعد العدة ويتحين الفرص للفرار من إسبانيا، واستطاع أن يغادرها متنكرا في هيئة مسيحي عجوز، في سنة 1007هـ-1598م. واستقبله السلطان أحمد المنصور الذهبي، واطلع على قصته وما يتمتع به من كفايات أدبية ولغوية، أولاه عطفه، وأمر بتعيينه مترجما للبلاط، وأبدى الشهاب براعة في أعمال الترجمة من العربية إلى الإسبانية ومن الإسبانية إلى العربية، وأسبغ عليه لقب ترجمان سلاطين مراكش. وكان السلطان فوق ذلك يستعمله للسفارة عنه في بعض البلاد الأوروبية.

    ولما توفي السلطان أحمد المنصور استمر الشهاب في عمله بالبلاط المغربي خلال الحرب الأهلية التي تلت وفاة المنصور ثم مدة أخرى في ظل ولده السلطان المولي زيدان، وكان له دور بارز في الحياة الثقافية بالمدينة. ولما صدر قرار طرد الموريسكيين، وتعرضوا وهم في طريقهم إلى المنفي على متن السفن للسرقة من قبل قراصنة البحر الأوروبيين، اشتكوا إلى السلطان زيدان السعدي عند وصولهم إلى مراكش، وقرر قبل أن يطالب السلطات الفرنسية، أن يبعث بأحمد بن قاسم الحجري سفيرا إلى أوروبا، وبالتحديد إلى إسبانيا وفرنسا وهولندا بهدف رد الاعتبار للأقلية الموريسكية واسترجاع ما نهب منها اثر طردها من الأندلس.

    وذكرت المصادر التاريخية أنه لما زار مصر كان يحدث المسلمين ببعض قصصه، فطلب منه الشيخ علي الأجهوري، وهو من كبار علماء المالكية، أن يكتب كتابا يضمن فيه قصته، فكتب كتاب «رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب»، ثم اختصره في كتاب «ناصر الدين على القوم الكافرين»، وذكر أنه انطلق بحرا حاملا كتاب السلطان، متنقلا بين المدن الأوروبية، قاصدا بلاط حكامها وملوكها وأمرائها يطالبهم باسترداد حقوق هذه الطائفة. وعرض في كتابه تجربة الموريسكيين العرب المتنصرين المريرة مع الأسبان وتفاصيل الرحلة وما دار فيها من مناظرات بينه وبين علماء النصارى واليهود وبعض النخب وأوائل المستشرقين والأمراء في أوروبا. وتكمن أهمية هذه الرحلة في كونها شاهدة ومعبرة عن العلاقات التي كانت قائما آنذاك بين دار الإسلام متمثلة في المغرب والإمبراطورية العثمانية من جهة، ودار الكفر والحرب متمثلة في أوروبا من جهة أخرى.(10)

     وعرضت الرحلة لتطورات الأوضاع التي دفعت المسلمين الموريسكيين إلى مواجهة الحكومة الإسبانية تصديا لحملة التنصير التي اجبروا عليها، وأدت لاندلاع ثورتهم الكبرى في غرناطة، بالإضافة إلى الحيل التي لجأوا إليها للتخفي من محاكم التفتيش التي استهدفتهم وأنزلت بهم أشد صنوف العذاب.(11)

    اعتبر الباحثون والدارسون أن نص الرحلة بمثابة وثيقة تاريخية نادرة، وأحد أهم النصوص في اللغة العربية التي تناولت تجربة الموريسكيين المتنصرين. وذكر المؤرخون أنه في أواخر حياة أفوقاي سافر الشهاب لأداء فريضة الحج، ولما عاد نزل بتونس وأصبح من المقربين لأميرها الداي مراد(1637-1640)، وعكف على ترجمة العديد من المؤلفات العربية إلى اللغة الإسبانية، خاصة كتب الشرع لكي يستعين بها الموريسكيون في المنفي الذين مازالوا يجهلون اللغة العربية. (12)

    لرحلة الحجري أهداف ثقافية كانت تتمثل في تحصين و تقوية الشخصية الثقافية الإسلامية،و تفوق في ذلك بالنظر لتكوينه و معرفته بالديانات الأخرى، فحاول الانتصار للمسلمين و الإسلام منطلقا من معاناته كموريسكي مطرود و جريح. و لهذا جاءت رحلته مشحونة بآهات معبرة عن حسرة هذه الأقلية و آلامها، لاسيما و أنها عاشت الاضطهاد و التعذيب من محاكم التفتيش و الحراقين. غير أن الظاهرة الموريسكية قد خفت حدتها مع مرور الوقت. و دخلت أوروبا ظرفية جديدة في النصف الثاني من القرن السابع عشر و الثامن عشر. فظهرت انشغالات و طموحات جديدة.

ثانيا : رحلة الوزير الغساني

   تراوحت مهام السفراء المغاربة في قضايا افتكاك الأسرى، و قضايا الجلاء عن الثغور التي تحتلها اسبانيا في الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط. و بالرغم من كثرة الموفدين المغاربة إلى اسبانيا، فإن قلة منهم هي التي اهتمت بتدوين رحلة سفارية. و من بين هؤلاء الموفدين، الوزير الغساني(ت : 1119هـ/1757م)(13) الذي زار اسبانيا في العقد الأخير من القرن السابع عشر. و قد كانت الغاية من السفارة، التي توجه على رأسها، افتداء الأسرى المسلمين في اسبانيا و استرجاع ما يوجد من المخطوطات العربية في خزائنها. فقد استغل السلطان مولاي إسماعيل(1672-1727) من تم أسرهم في حصار مليلية ليقايض، بهم الأسرى المسلمين و المخطوطات العربية، و إن كان بعض الدارسين يشكك في أن الغاية من السفارة هي افتكاك الأسرى و جلب الكتب .(14)

    تعتبر رحلة الغساني الأولى من نوعها إلى الديار الإسبانية، و تشكل المرجع الأساسي الذي نهلت منه سائر الرحلات السفارية الأخرى.إن المعلومات التي عرفت بالوزير الغساني شحيحة، إذ تشير في أغلبها أن الغساني سليل أسرة أندلسية استقرت بمدينة مراكش، و أنه كان كاتباً في البلاط السلطاني بمدينة مكناس، و اكتسب شهرته كخبير بجمع الكتب و نسخها. و الظاهر أن الغساني لم يدون حياته البيوغرافية في رحلته السفارية.

   عندما استرجع السلطان العلوي إسماعيل(1672-1727) مدينة العرائش من الأسبان بعد حصار طويل سنة 1689، و أسر من كان في قلاعها ، فكر في توجيه سفارة قصد افتداء الأسرى المسلمين و استرجاع ما يوجد من الكتب العربية في أسبانيا.(15) و يتعلق الأمر بالخزانة الزيدانية التي كان قد سطا عليها القراصنة أثناء رحلة زيدان السعدي(1603-1627) البحرية بين أسفي و أغادير خلال الأزمة التي أعقبت وفاة أحمد المنصور(1578-1603). ولأن الغساني كان على دراية بالكتب، اختاره السلطان للقيام بهذه المهمة. و يرى الكاتب بنحادة بأن سفارة الغساني إلى اسبانيا ،تندرج ضمن توجه جديد للمخزن المغربي في تعامله مع البلدان الأوروبية.(16)

   بدأ الغساني رحلته بأخبار مرسى جبل طارق وختم رحلته بأخبار ووقائع عن فتح الأندلس وبين المدخل والمخرج يمتد نصّ الغساني ويتشعب، بينما هو يقف على الأحوال والمشاهد من مدينة إلى أخرى من مدن الأندلس، وصولاً إلى مدريد في قلب الجزيرة الأيبيرية، وتتعدد طبقات نصه ومستوياته، وينبني خطابه، فإذا بنا، إلى جانب الأديب الناثر وذواقة الشعر والجمال، بإزاء عالم اجتماع وسياسي عارف بخفايا الأشياء، ومثقف مطلع ليس على وقائع التاريخ العربي-الإسلامي وحسب، وإنما الأوروبي أيضاً.

   لقد أحسن السلطان العلوي اختيار السفير الذي أرسله. فهو ليس مثقفا وأديبا وعالما بالتاريخ، وليس وزيرًا عارفًا بتفاصيل الصراعات الدولة والتناقضات بين الدول الأوربية فقط، ولكنه - على حد تعبير نوري الجراح - يبتعد عن كل تلفيق أو تحامل أو تزوير، ويتميز بأمانة كبيرة وروح متسامحة في فترة عصيبة من الصراع الإسلامي مع الغرب سادت خلالها أوربا روح التعصب الأعمى الذي لم يسلم من شروره حتى المسيحيون أنفسهم في محاكم التفتيش. (17)
خرجت سفارة الغساني من مدينةسبتة في 15 محرم 1102هـ/19 أكتوبر 1690م متجهة إلى جبل طارق، و مكثت الرحلة في العاصمة مدريد زهاء ستة أشهر، و عاد الغساني إلى المغرب في 29 ماي 1691.هذه المدة كانت كافية للوزير ،لأن يقدم وصفا ضافيا لأسبانيا، فاعتبر بحق مؤرخا و ديبلوماسيا من الطراز الرفيع، و تعتبر رحلته أهم مصنف إسلامي عن تاريخ أوروبا في القرن 17م. و من خلال الرحلة يمكننا رصد المحطات التالية:

أ‌-                    الغساني كمؤرخ:

   لم تكن الكتابة التاريخية عند الغساني مجرد استحضار للبطولات، أو لغرض تبرير وجوده كمسلم في دار الحرب، و إنما الغاية هي محاولة فهم الأخر انطلاقاً من تاريخه، فاعتنى بكتابة تاريخ إسبانيا ، منذ القرن 15م، حيث قدم وصفا للملك الإسباني كارلوس الثاني الذي كان في ضيافته.(18)

    ثم تحدث عن ملوك أسبانيا. و الملاحظ أن الغساني كلما ذكر ملك من هؤلاء أردف اسمه بعبارة(دمره الله)، ففليب الثاني(1556-1598) اعتبره أخبث ملوك أسبانيا، لأن عصره تميز بالعصبية و الدموية خاصة تجاه الموريسكيين، و القضاء على ة مسلمي غرناطة سنة 1568 بكل قسوة ووحشية.(19)

     وعبر تاريخ ملوك أسبانيا ، تحدث عن علاقة ملوك أسبانيا بالضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، فعندما أرخ لشارل الخامس( شارلكان)(1516-1556)، تحدث عن الهجوم الذي شنه على مدينة الجزائر سنة 1541م.(20)و الهجوم لأجل الاستيلاء على تونس سنة 1534.(21) كما أرخ لمعركة وادي المخازن لسنة 1578.(22)

    استعرض الغساني سفراء الدول الأوروبية المقيمين بمدريد و هم من فرنسا و ألمانيا و انجلترا و البرتغال، و لخص الحروب الأسبانية الفرنسية وتعرض لشرح أسبابها فيما يتعلق بوراثة العرش في كل البلدين و السياسة الإسلامية لفرنسا تجاه الدولة العثمانية فيما يتعلق بسياسة الامتيازات.و فسر سبب ثراء أسبانيا خلال هذه الفترة إلى قوة التجارة مع العالم الجديد. و احتلت الحروب العثمانية الأوروبية حيزا واسعا في نص الرحلة فهو يتعرض للحروب التي قادها سليمان الثاني(1687-1691)من أجل استرجاع مدينة بلغراد في الفترة التي كان فيها الغساني بالبلاط الإسباني.(23)

ب‌-                الغساني الدبلوماسي:

يبدو هذا الوصف من خلال عنوان كتابه المبرر لوجوده كمسلم في دار الكفر .لقد حرم فقهاء الإسلام إقامة المسلم في ديار الكفر، إلى جانب تحفظ النصارى من إقامة المسلمين بين ظهرانيهم خاصة مسألة الحجر الصحي،المعروفة في جميع نقاط التماس بين شمال

و جنوب البحر الأبيض المتوسط منذ القرن 14م.(24)

ج- الغساني و الجدل الديني:

كان الغساني في سفره بإسبانيا يلتقي برجال الدين المسيحيين و يتحادث معهم في مسائل عقدية، و من خلال نص الرحلة يبدو أنه كان متسامحا معهم في الحوار و الجدال الديني. و الواقع أن الغساني انبهر بالتنظيمات و المؤسسات التي كانت موجودة بإسبانيا و ساهمت في ازدهارها و تقدمها وصفها في رحلته :

-       البريد: و هو مخصص للرسائل.

-       الصحافة: و هي من وسائل الاتصال بالعالم الأوروبي و لها دور مهم في نقل الأخبار و رواج التجارة.

-       الأمن في الطرق: و يساهم به رجال متخصصون في الحراسة للقضاء على الفوضى و اللصوصية.

-       المارستانات: و هي بمثابة مستشفيات إذ كان بمدريد لوحدها 14 مارستاناً، و يقوم رجال بالإشراف عليه تطبيقا و تمويلاً.

-       نظام التفتيش: و كان صارما يقوم به ديوان محاكم التفتيش و متحرر من سلطة الحاكم.

     يشكل أدب الرحلة ثروة معرفية كبيرة، ومخزناً للقصص والظواهر والأفكار، فضلاً عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجول وأنفس تنفعل بما ترى، ووعي يلم بالأشياء ويحللها ويراقب الظواهر ويتفكر بها. وقبل أن ترسم لوحة أوسع لرحلة ومسارها لا بد من الإشارة إلا أن رحالتا  الشهاب الحجري والوزير محمد بن عبد الوهاب الأندلسي كانا من كبار مثقفي العصر، وكانا يتمتعان بسرعة هائلة بنسخ الكتب و حسن النظر و المشاهدة .



(1) رحلة السفير الشهاب الحجري أهم وثيقة تاريخية كتبت عن نفي الأندلسيين الموريسكيين العرب المتنصرين، وصورت ظروف انتقالهم إلى شمال إفريقية وما لقوه في إسبانيا من اضطهاد وعدوان. ينظر الكتاب: أحمد قاسم، الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين( تحقيق و تقديم و ترجمة: شورفان كوننكزفلد، قاسم السامرائي، خيرا ردفيي خرز، مدريد: المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، بدون تاريخ. و أيضا : رحلة أفوقاي الأندلسي( حققها و قدم لهاك محمد رزوق)،ط1، بيروت: سيكو للطباعة و النشر، 2004.

(2) الحجري، ناصر الدين على القوم الكافرين،(تحقيق: محمد رزوق)، الدار البيضاء: الالدار الجديدة، 1987، ص 29.

(3) تأسست محاكم التفتيش في اسبانيا خلال عهد الملكين الكاثوليكيين. فكانت أول محكمة في إشبيلية التي مارست الضغط على اليهود المتنصرين (Conversons). ما أنشأت محاكم أخرى منذ 1482م بقرطبة، وجيان، وبلد الوليد، وفي سنة 1483م، أصدرت البابوية بروما براءة تقضي بإنشاء مجلس أعلى لمحاكم التفتيش (Suprema) تشرف على شؤون الدين المسيحي الكاثوليكي .كما تأسست محكمة سانت أفيتو (S. Oficio)، بقرطبة سنة 1482م. للمزيد راجع :

Guy, Testas et Jean, Testas, L’inquisition , que sais-je ? Paris, PVF, éd, 1983, P.7.

بلغت البيبليوغرافيا الخاصة بدراسة محاكم التفتيش سنة 1963، حوالي 1950 عنوانا، وصدرت على شكل دراسات عديدة ومتنوعة للمزيد راجع:

Bartolomé, Bennassar L’inquisition Espagnole XVe XIXe Siècle, Paris, hachette, 1979, pp. 72 – 101.

                                                                                               

(4)  الحجري، ناصر الدين، ص 17.

(5)  فليليب الثالث بالإسبانية) Felipe III) ): أبريل 1578 - 31 مارس 1621.والمعروف أيضًا باسم فيليب الورع، كان ملك إسبانيا وملك البرتغال والغرب وصقلية حيث حكم باسم فيليب الثاني. ولد في مدريد ونجل فيليب الثاني ملك إسبانيا وزوجته الرابعة آنا من النمسا ابنة الإمبراطور ماكسيميليان الثاني.

(6)  الحجري،ناصر الدين، ص 18.

(7) لقي في هذه المعركة معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة هي معركة قامت بين بلاد المغرب الأقصى والبرتغال في 30 جمادى الآخرة 986 هـ، 4 أوت 1578م ثلاثة ملوك حتفهم هم عبد المالك وسباستيان والمتوكل؛ ولذا عرفت بمعركة الملوك الثلاثة، وفقدت البرتغال في هذه الساعات ملكها وجيشها ورجال دولتها، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد، فاستغل فيليب الثاني ملك أسبانيا الفرصة وضم البرتغال إلى تاجه سنة (988هـ - 1580م)، وورث أحمد المنصور العرش السعدي في فاس، وأرسل سفارة إلى السلطان العثماني يعرض عليه فيها انضمام دولته لدولة الخلافة العثمانية. للمزيد يرجى العودة إلى المراجع التالية:

- شوقي ،أبو خليل: وادي المخازن، دار الفكر: دمشق، 1988م.

- إبراهيم ،حسن: واقعة وادي المخازن في تاريخ المغرب، دار الثقافة: الدار البيضاء، 1979م.

- إحسان ،هندي: معركة وادي المخازن، مركز الدراسات التاريخية: دمشق، 1985م.

- عبد المجيد، قدوري، المغرب و أوروبا مابين القرنين الخامس عشر و الثامن عشر، مسألة التجاوز،ط1،بيروت: المركز الثقافي العربي،2000، ص ص 174-175.

- إبراهيم، حركات، المغرب عبر التاريخ،الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1420هـ/2000، ص ص 258-261.

- إبراهيم علي حسن، (أحمد المنصور الذهبي)، سلسلة: خالدون في تاريخ المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1407هـ /1987م، ص: 35 -36

(8)  حول السفراء المغاربة و ظرفيات الرحلات ، راجع الدراسة القيمة: عبد المجيد قدوري، سفراء مغاربة في أوروبا،في الوعي بالتفاوت،ط1،الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،1416هـ/1995. ص ص 13-20.

(9)  لقد أشار المقري لمأساة  الموريسكيين  بخصوص الطرد و النفي بقوله : ( قاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً، و لم يقيض الله لهم نصراً إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر و ألف(1609). فخرجت ألوف بفاس و ألوف أخرى بتلمسان بوهران و جمهورهم خرج بتونس... و كذلك بتطوان و سلا و الجزائر. ينظر: أحمد المقري، نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، و ذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب،( نشر : ؛حسان عباس)، بيروت: دار صادر،ج4، ص 528.

(10)  لاحظ بيرنار لويس الاختلاف الموجود في علاقات الإسلام بالغرب، و أرجع ذلك إلى منطق التميز بين العالمين،( إذا كان الإسلام هو المعبر الأساسي لتحديد الهوية الإسلامية في علاقته مع الأخر، فإن الغرب تعود أن يميز بين الناس حسب معايير أخرى كالانتماء القومي أو الترابي.و ركز لويس على مركزية الإسلام في تحديد مجموعة من المصطلحات : كدار الكفار و دار الكفر و ملوك الكفار.. فالدبلوماسية الإسلامية في نظره لجأت إلى تقسيم العالم إلى قسمين: دار الإسلام و دار الحرب.و كان المسلمون يستعملون الجهاد ضرورة فرضها القانون و الدين. و من أجل هذا ، صار الغرب لا يرى في الإسلام إلا الحرب زو المواجهة. للمزيد راجع: Lewis,Bernard,Le langage politique de l’Islam, Gallimard, Paris,1988,pp.88-113.

(11)  انطلق ماكسيم رودنسون في دراسته لمواطن الاحتكاك بين العالم المسيحي و العالم الإسلامي، حيث قدم قراءة موجهة للمصطلحات السياسية عند العرب، فلاحظ أن اهتمام المسيحيين بالعرب جاء نتيجة دخول هؤلاء و سيطرتهم على الأندلس، و بين كيف صارت إسبانيا فضاء للاتصال الثقافي المباشر، و اعتبر حروب الإستردادات عملية أوروبية موجهة ضد الإسلام و مدعمة لنفوذ البابوية. راجع: Rodinson,Maxime,La Fascinatio de l’Islam, Paris, Maspero,1980,p.22.

(12)  تميزت الكتابة عند الحجري بالتشنج و الجدل. فجاءت الرحلة مكتوبة بجمل متقطعة و سريعة النفس. و كان المؤلف يلجأ في غالب الأحيان إلى اعتماد الأسلوب المبني على الحوار الملائم للمناظرات. و تبنى الحجري إستراتيجية المواجهة في الكتابة ليشعر قارئه بعمق التعارض الحضاري الإسلامي. كما اعتمد الحجري على الذاكرة ليستحضر الأحداث التي عاشها في أوروبا خلال رحلته، فجاءت مناظراته في شكل مسرحيات ركز فيها على(الأنا) التي شخصت بطل المسرحية و همش منافسيه و محاوريه الذين كانوا يجسدون(الأخر) الأوروبي و شوههم. راجع: ناصر الدين على القوم الكافرين، ص ص 18-25.

(13) الوزير محمد بن عبد الوهاب الأندلسي الفاسي المتوفى عام 1119هـ/1707م، يعتبر أحد كبار رجال العلم في عصره، تحدث عنه محمد بن الطيب القادري، في نشر المثاني، بالقول: «هو الكاتب الأرفع أبو عبد لله محمد المدعو حمو بن عبد الوهاب الوزير الغساني الأندلسي الفاسي، كتب للسلطان مولانا إسماعيل، وكان نجيبا في ذلك، ذكر أنه كان كلما يلقى من الأوامر يكتبها ويستوفيها، ولا يغرب عليه شيء منها مع كثرتها. وقد أرسله مولانا السلطان إلى بلاد الروم بالأندلس، يقصد أن يستخرج ما بأيديهم من أسرى المسلمين، وألف في رحلته تلك كتابا أسماه: رحلة الوزير في افتكاك الأسير."

(14)               Pérés ,Henri,L’Espagne vue par les voyageurs musulmans de 1610-à1930,Adrien-Maisonneuve,Paris 1937,p.7(198p).

تم نشر هذا الكتاب لأول مرة في سنة 1939، من طرف ألفريد البستاني بالعرائش، و ترجمه المستشرق الفرنسي سوفار:

H.Sauvaire,Voyage en Espagne d’un ambassadeur Marocain(1690-1691),Ernest Leroux,Paris,1884(252p).

كما قام المستشرق الروسي (Ignati KRACHKOVSKI)  بتعريف الرحلة ووزيرها ، ينظر:                            

أغناطيوس، كراتشوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي(نقله إلى العربية: صلاح الدين عثمان هشام)،القاهرة،الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية،1957، القسم الثاني، ص ص 732-735. و أيضا الباحث الإسباني:

Vernet(Juan.G), «  La Embajada de Al Ghassani(1690-1691), »,In Al Andalus,Vol18,,N°1,1953,pp109-131.

و أهملت الدراسات العربية موضوع الرحلة، ينظر:

-        عبد المجيد ، القدوري، سفراء مغاربة في أوروبا(1610-1691)،في الوعي بالتفاوت،ط1،÷الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،1416هـ-1995،(154 ص).

-        أعمال ندوة: الرحالة العرب و المسلمون : اكتشاف الأخر،المغرب منطلقا و مؤئلاً، ط1،الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،2003،( 475 ص).

(15)  الخزانة الزيدانيةهي مخطوطات تعود لمكتبة السلطان المغربي زيدان الناصر بن أحمد، استولى عليها قراصنة أسبان في عرض مياه المحيط الأطلسي سنة 1612م وهي موجودة اليوم بخزانة الإسكوريال بإسبانيا. المخطوطات ذات أهمية علمية بالغة وهي من أشهر الخزائن العلمية في تاريخ المغرب، حيث تتكون من كتب مكتبة زيدان ووالده السلطان أحمد المنصور الذهبي ومما حازه من مكتبتي أخويه الشيخ المأمون وأبي فارس بعد وفاتهما، وتضم الخزانة الزيدانية دراسات في مختلف المجالات وبلغات متعددة منها التركية والفارسية واللاتينية.كما ارتبط اسم (الإسكوريال) بمكتبة المخطوطات والكتب العربية الإسلامية بمدريد، والتي تقع بقصر الإسكوريال الذي اكتمل بناؤه في عهد الملك الاسباني فيليب الثاني سنة 1584م. وتعود أصول القصة بعد ثورة ابن أبي محلي سنة 1612م اضطر السلطان زيدان السعدي إلى مغادرة مراكش في اتجاه ميناء آسفي ليسافر منها إلى أغادير، واستأجر سفينة :  (Notre dame de la garde) تعود للقنصل الفرنسي جان فيليب دي كاستيلو لتحمل نفائسه وخزانة كتبه التي قدرت بأربعة آلاف مخطوط في مختلف فنون العلم والأدب. كانت السفينة على أهبة الإقلاع إلى مرسيليا ، لكن غير مسارها وحَمَّلَها خزانته و أمتعته –من بينها التاج و الصولجان – و أمر القنصل بحارته بالتوجه إلى مدينة أغادير مقابل 3000 دوكا أو درهما ذهبيا. واكترى سفينة أخرى هولندية لنفسه و لخدمه و لحشمه و لبعض الفرسان المخلصين له ، فوصلت السفينتان معا إلى أغادير ، في نفس اليوم فغادر زيدان السفينة الهولندية رفقة زوجاته و خدمه ، و رفض (دي كاستيلو) إفراغ مركبه قبل أن يؤدي له الثلاثة آلاف درهم ذهبي، وبعد انتظار ستة أيام بسبب تأخر وصول المال بسبب الأحوال المضطربة، فر (دي كاستيلو) من ميناء أغادير قاصدا مرسيا حاملا المكتبة و التاج و الصولجان و الألبسة و غيرها من الأمتعة ، و كان ينوي تقديمها لحاكم مرسيليا (دوك دوكيس) مقابل ما اتفق مع زيدان عليه" .إلا أن الظروف قادت السفينة في اتجاه مدينة سلا، فتعرضت لها في الطريق أربع سفن إسبانية و استولت عليها بكل سهولة فاعتقد ملاحوها خطأ بوجود ذهب في الصناديق، فلما فتحوها ولم يجدوا بها إلا الكتب فكروا بتقديمها هدية لملكهم وذلك سنة 1612م فتوجهوا بها إلى مدينة بلنسية ، و من ثم أمر الملك فيليب الثالث الإسباني، بنقل هذه المكتبة الضخمة إلى دير الإسكوريال . للمزيد راجع:

- أحمد شوقي،بنين : ( خزانة مراكشية بالأسكوريال)، مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية، العدد9، الرباط،1982،ص ص 127-142.  و المعروف أن إسبانيا  سلمت للمغرب نسخ مصورة على الميكرو فيلم، وسلمها ملك إسبانيا إلى ملك المغرب في 16 جويلية 2013 في زيارة رسمية.

(16)  سفير مغربي في مدريد في نهاية القرن السابع عشر، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، لمحمد بن عبد الوهاب الغساني( تحقيق و تقديم: عبد الرحيم بنحادة)، طوكيو: معهد الأبحاث في لغات و ثقافات آسيا و إفريقيا، 2005، ص 16.

(17)  تتمتع رحلة الغساني حسب الجراح بقيمة استثنائية، فهي تأتي بعد خمسين سنة من رحلة قاسم الحجري، و فيها صور و انطباعات عن الحياة الأسبانية في القرن 17م. ينظر نص الرحلة (تحرير و تقديم: نوري الجراح، ط1،أبو ظبي: دار السويدي للنشر و التوزيع،2002، ص ص12-13.

(18) الملك كارلوس الثاني (تشارلز الثاني)   1661    -1700 ملك إسبانيا وقشتالة وأراغون ودوق لوكسمبورغ (1665-1700) وكونت بورغوندى (1665-1678)، وكان آخر ملوك هابسبورغ على عرش إسبانيا وحاكم أجزاء كبيرة من إيطاليا والأراضي الإسبانية في البلدان المنخفضة الجنوبية والإمبراطورية الإسبانية في الخارج والتي تمتد من الأمريكيتين إلى جزر الهند الشرقية الأسبانية. عرف بإعاقته البدنية والفكرية والعاطفية بالإضافة إلى دوره في التطورات التي سبقت حرب الخلافة الإسبانية.

(19)  حول سياسة فليب الثاني تجاه المشكل الموريسكي، و تطبيقه لسياسة التنصير

و الإدماج ، و إصدار ترسانة من القوانين الردعية في حقهم كمنع استعمال الألبسة العربية، و تسليم الكتب، يرجى مرجعة:

حنيفي،هلايلي،الموريسكيون الأندلسيون في الجزائر خلال القرنين 16و17م،  مقاربات جديدة في الهجرة و الإسهام الحضاري، ط1، سيدي بلعباس: منشورات مخبر البحوث

 و الدراسات الإستشراقية في حضارة المغرب الإسلامي 2014، ص ص 52-45.

 راجع بخصوص ثورة غرناطة: ليلى، الصباغ:( ثورة مسلمي غرناطة عام 976هـ/أواخر عام 1568م، و الدولة العثمانية)،مجلة الأصالة، العدد 27،سبتمبر-أكتوبر 1975، ص ص 116-175.

(20) جمع شارل الخامس قوة غزو هائلة، عـُهد بقيادتها إلى كوندوتييريين شجعان وذوي خبرة وهم أندريا دوريا وفيرانتي الأول غونزاغا وهرنان كورتيس. رغم هذا منيت الحملة التي انطلقت في أكتوبر سنة 1541 بالفشل التام، لأن الظروف غير المواتية للإبحار دمرت 150 سفينة محملة بالأسلحة والقوات والإمدادات. لم يكن شارل الخامس قادراً مع ما تبقى أن يكلل المغامرة بالنصر فعاد إلى إسبانيا، وفي أوائل ديسمبر من تلك السنة، تخلى نهائياً عن سياسته المتعلقة بالسيطرة على البحر.

كانت الحملة الأسبانية بقيادة الإمبراطور شارل الخامس على مدينة الجزائر مابين 21-25 أكتوبر 1541 بترسانة عسكرية قوامها 23 ألف و 500 جندي  محملين على 516 سفينة.و أسفرت الغارة عن هزيمة نكراء للأسطول الأسباني و تحولت مدينة الجزائر إلى دار الإسلام و الجزائر المحروسة.ينظر:

- محمد بن محمد بن عبدالرحمن بن رقية التلمساني، الزهرة النيرة فيما جرى للجزائر حين أغارت عليها الكفرة.

- Pierre Mesnard, "Charles Quint et les Barbaresques", Revue hispanique, 1959, (vol. 61, 2-3), p. 215-235.

Daniel Nordman, Tempête sur Alger : l'expédition de Charles Quint en 1541, éditeur Bouchene, coll. Histoire du Maghreb, Saint-Denis, juin 2006, 702 pages,

(21)  الحقبة الإسبانية في تونس، ترمز إلى الفترة بين 1535 و1574 تاريخ احتلال الإسبان لعدة مناطق ساحلية في البلاد.

دخلت الدولة الحفصية سنة 1535 في صراع خلافة بين السلطان أبو عبد الله محمد الحسن وأخيه الأصغر رشيد. طلب الأخير العون من العثمانيين الذين تمكنوا من الاستيلاء على العاصمة بقيادة خير الدين بارباروسا (دون إرجاع رشيد على العرش). استنجد أبو عبد الله محمد الحسن بشارل الخامس، ملك إسبانيا الذي جهز جيشا قوامه 33،000 رجل و400 سفينة بالتحافل مع الدول البابوية، جمهورية جنوة ونظام فرسان مالطة. تمكن الإسبان من القيام بإنزال شمالي العاصمة في 16 يونيو، ثم بالإستيلاء على ميناء حلق الوادي، ثم تمكنوا من دخول العاصمة في 21 يوليو. أعيد تنصيب السلطان حسن على العرش لكنه أجبر على المصادقة على معاهدة تضع البلاد عمليا تحت الحماية الإسبانية. استمر في السنوات التالية الصراع بين الإسبان وحلفاءهم والعثمانيين. تمكن العثمانيون في النهاية سنة 1574، من طرد الإسبان نهائيا بعد الانتصار عليهم في معركة تونس.

حلل السّندسيّة في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، تونس1985، م2، ص205.

أحمد بن أبي الضيّاف، أتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك مغراوة وعهد الأمان، الدار العربية للكتاب، 2001، م1، ج2، ص11.

(22) معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة هي معركة قامت بين بلاد المغرب الأقصى والبرتغال في 30 جمادى الآخرة 986 هـ، 4 أغسطس 1578م. تطور الأمر من نزاع على السلطة بين محمد المتوكل والسلطان أبو مروان عبد الملك إلى حرب مع البرتغال بقيادة الملك سبستيان الذي حاول القيام بحملة صليبية للسيطرة على جميع شواطئ المغرب، وكي لا تعيد الدولة المغربية بمعاونة العثمانيين الكرّة على الأندلس. انتصر المغاربة، وفقدت الإمبراطورية البرتغالية في هذه المعركة سيادتها وملكها وجيشها والعديد من رجال الدولة، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد ثم عادت الإمبراطورية البرتغالية بعد 93 سنة من سيادة إسبانيا عليها. لتفاصيل أكثر ينظر الهامش :7.

(23) من الواضح أن السلطان سليمان الذي ذكره الغساني هو سليمان الثاني بن إبراهيم الذي بويع في شهر نوفمبر عام 1687 م وكانت أيامه الأولى أيام اضطراب بسبب تسلط الانكشارية على تسيير الحكم. لكنه استطاع تأديبهم والتغلب عليهم خصوصا بعد أن عقدت الدولة مجلسا للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ السلطة وكانت نتيجة هذا الاجتماع أن ولي صدارة الوزارة مصطفى باشا الكوبرلي الذي استعمله لإنقاذ السلطة . للمزيد حول شخصية هذا السلطان: يلماز،أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية،(ترجمة: عدنان محمود، و مراجعة محمود الأنصاري)،ط1،استانبول: منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1408هـ/1988م، مجلد1، ص ص 556-563.

(24)  حول الهجرة من دار الكفر إلى الدار الإسلام، يرجى العودة إلى:

أحمد،الونشريسي، المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي أهل أفريقية و الأندلس و المغرب،(تحقيق: محمد حجي و آخرون)،ط1،بيروت: دار الغرب الإسلامي،1981،ج 2،ص ص 113-119. و أيضا عن قضايا الحجر الصحي،ينظر: عبد الرحيم ،بنحادةL سفيران في مغربيان في مدريد)، أعمال ندوة السفر في العالم العربي الإسلامي: التواصل و الحداثة،الرباط: منشورات كلية الآداب ، 2003،ص ص 47-66.

اليوم39
الأمس48
الأسبوع139
الشهر964
الكل2042

Who Is Online

1
Online

17-10-11