lounici.ht.2
دور الإدارة الاستعمارية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العـدد 2
دور الإدارة الاستعمارية
في نشر اللغة الفرنسية في الجزائر
د. ابراهيم لونيسي
جامعة سيدي بلعباس
أعلن الفرنسيون منذ الأيام الأولى لاحتلالهم للجزائر أن هدفهم هو إخراج الجزائريين من حالة التوحش والتخلف إلى مرحلة التمدن والتحضر، ولكن لا يمكن لهم القيام بذلك إلا عن طريق إحلال النظم الفرنسية محل النظم الإسلامية القائمة وأبرز وسيلة لتحقيق هذا العمل هو محاربة كل ما هو عربي إسلامي في الجزائر من سلوكات دينية ولغوية وأخلاقية واجتماعية والسعي في المقابل إلى سحر بعض الجزائريين بحضارتهم ولغتهم الراقية وتكوين فئة جزائرية قابلة للاندماج والذوبان في المجتمع الفرنسي والانقطاع عن ماضيها وتراثها اللغوي والديني، وبذلك تصل الإدارة الفرنسية في الجزائر إلى هدفها الأسمى وهو جعل المجتمع الجزائري يصبح مجتمعا متفرنسا لغتا ودينا ونظما.وتعد عملية نشر اللغة الفرنسية في أوساط الجزائريين أبرز وسيلة يمكن لها تحقيق هذا الهدف باعتبار أن اللغة هي الوعاء الأساسي الحامل لكل الإنتاج الحضاري المنتج بهذه اللغة من دين وعلم وفلسفة وقوانين وأعراف وتاريخ وعادات وقيم.
وانطلاقا من هنا فإن الإدارة الاستعمارية في الجزائرية عند سعيها لنشر اللغة الفرنسية في أوساط الجزائريين، كانت تدرك تمام الإدراك أن الشعب الذي يفقد لغته الأصلية ليكتسب لغة الغير، إنّما يكتسب في الوقت نفسه ثقافة وأسلوب وحياة المستعمر الناطق بتلك اللغة، إذ ينحصر اهتمامه بارتشاف المعرفة من المنشورات والكتب والصحف التي يصدرها المستعمر، وفي الأخير يجد هذا الشعب نفسه أسيرا لحضارة جديدة مفروضة عليه يتفاعل معها ويتعاطف مع المستعمر في قضاياه ومشكلاته1.
لهذا رأت الإدارة الاستعمارية ضرورة محاربة اللغة العربية في الجزائر2، لأن بقاء هذه اللغة في أوساط الجزائريين سيشكل العقبة الكبرى أمام فرنسا في طريق فرض سيطرتها التامة والنهائية على الجزائر، والتي لا يمكن لها أن تتحقق إلا بفرض اللغة الفرنسية، وهذا على حد تعبير الدوق دو روفيقو –الذي حكم الجزائر في الفترة ما بين ديسمبر 1831 إلى غاية بداية سنة 1833- في إحدى رسائله إلى وزير الحربية في باريس بتاريخ 15 أكتوبر 1832 إنّ إيالة الجزائر لن تكون حقيقة من الممتلكات الفرنسية" إلا بعد أن تصبح لغتنا لغة قومية فيها، وحتى تتأقلم فيها العلوم والفنون التي يقوم عليها مجد بلادنا، إنّ السماء التي تغطي الأرض الإفريقية هي سماء الشعر والأدب وذكاء العرب لا يمكن أن يكون موضع شك، هذه حقيقة سيشهد لها التاريخ إذا اقتضى الأمر والمعجزة التي ينبغي تحقيقها هي إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية تدريجيا ومتى كانت اللغة الفرنسية لغة السلطة والإدارة فإنها سوف لن تلبث أن تنتشر بين الأهالي..."3.
أولا الوسائل.
مما لاشك فيه أن عدد الجزائريين العارفين باللغة الفرنسية عشية الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830 كان قليلا جدا، وعلى رأسهم أحمد بوضربة الذي عاش لفترة من الزمن في فرنسا، ومارس العمل التجاري في مرسيليا حيث كان يمثل تجارة الداي حسين فيها، وتزوج من فرنسية، وكان من المعجبين بالفرنسيين وثقافتهم ولغتهم.4
إن هذه القلة القليلة من الجزائريين التي كانت تعرف اللغة الفرنسية قبل الاحتلال الفرنسي تعلمتها بدافع اقتصادي محض، ولم تعمل على إدخالها إلى الجزائر ونشرها في أوساط الشعب الجزائري، وبالتالي فإن الإدارة الاستعمارية في نشرها للغة الفرنسية في الجزائر قد بدأت من نقطة الصفر.
شرعت الإدارة الفرنسية في نشر اللغة الفرنسية في أوساط الجزائريين منذ الشهور الأولى لاحتلالها للجزائر واتبعت أسلوب التدرج إذ لم تقم بفرض هذه اللغة عليهم دفعة واحدة، فنجدها في البداية نعمد إلى السماح لبعض الأهالي بالالتحاق بالمدارس التي قامت بفتحها بعد السنوات الأولى من الاحتلال مباشرة لأبناء المعمرين، وبدون شك أن أطفال الأهالي هؤلاء ينتمون إلى أبناء البيوت الكبيرة والقيادات العربية الموالية للإدارة الاستعمارية، إذ تذكر جريدة "المبشر"5 في عددها الصادر يوم 30 ديسمبر 1847 أنه تم قبول حوالي 120 تلميذا جزائريا في المدرسة الفرنسية الكائنة بمدينة عنابة، وحوالي 70 تلميذا بالمدرسة الكائنة بمدينة قسنطينة، ويمكن لنا القول أن الإدارة الاستعمارية اعتمدت في نشرها اللغة الفرنسية في الجزائر وتحبيبها للأهالي على جملة من الوسائل وهي:
-
التعليم:
قامت الإدارة الاستعمارية بتوظيف التعليم بشكل دقيق للقيام بهذه المهمة وهذا بعد أن قامت بتدمير التعليم العربي الإسلامي الذي كان منتشر ومزدهرا بالجزائر في العهد العثماني، وكان أرباب الإدارة الاستعمارية يعلنون عن سعادتهم وفرحتهم العامة عندما كانت المرافق التعليمية الجزائرية تدمر بهدف تجهيل الشعب الجزائري، معتقدين أنه بعد تفريغه من محتواه يمكنهم الشروع في تعليمه بعض الشيء الذي ينفع6 كما كانوا يقولون ولقد رفع الدوق دومال الذي تولى إدارة شؤون الحكومة العامة الفرنسية في الجزائر لفترة زمنية قصيرة (جوان 1847 فبراير 1848) شعار مفاده "فتح مدرسة فرنسية في أوساط الأهالي تعادل معركة عسكرية من أجل استتباب الأمن والاستقرار في الجزائر، كما أنه في وسعها تحقيق القناعة في أوساطهم بمشروعية الاحتلال وتعزيز سيادة المستعمر".
وكتب أحد دعاة التعليم الاستعماري في هذا الشأن فقال "إنّ أحسن وسيلة لتغيير الشعوب البدائية في مستعمراتنا وجعلها أكثر ولاء وأخلص في خدمتهم لمشاريعنا، هو أن تقوم بتنشئة أبناء الأهالي منذ الطفولة وأن نتيح لهم الفرصة لمعاشرتنا باستمرار وبذلك يتأثرون بعاداتنا الفكرية وتقليدنا، فالمقصود إذن باختصار هو أن نفتح لهم بعض المدارس لكي تتكيف فيها عقولهم حسبما نريد"7.
ولقد تدعمت عملية نشر اللغة الفرنسية في أوساط الأهالي بعد قيام الإدارة الاستعمارية بإنشاء ما يعرف بالمدارس العربية الفرنسية، بمقتضى المرسوم الرئاسي الصادر في 14 جويلية 18508، الذي ينص على فتح مجموعة من المدارس في أنحاء عديدة من القطر الجزائري للذكور والإناث والهدف منها هو تعليم اللغة الفرنسية والعربية وعلم الحساب، كما تم فتح ثلاث مدارس للكبار في كل من الجزائر وقسنطينة ووهران لتعليم اللغة الفرنسية فيها، وذكرت جريدة المبشر أنه كلما اتضحت أهمية هذا النوع من المدارس فإن الإدارة الحاكمة سترفع من عددها، وكانت الدراسة فيها ثلاثة أيام في الأسبوع وتدرس خلالها اللغة الفرنسية وعلم الحساب وعلم التاريخ والجغرافية.9
وتوالى بعد ذلك فتح هذا النوع من المدارس وكانت جريدة المبشر حريصة على ذكر المدارس الجديدة التي يتم فتحها فذكرت مثلا في عددها ليوم 1 سبتمبر 1851 عن فتح ثلاث مدارس لتعليم اللغتين في عمالة قسنطينة، الأولى في الجامع الأعظم وهي خاصة بالكبار، والثانية بجامع سيدي محمد للصبيان والثالثة في سيدي الرماح للبنات.10
ومن أبرز المدارس التي لعبت دورا أساسيا في نشر اللغة الفرنسية في الجزائر نذكر المدرسة السلطانية أو الكوليج الإمبراطوري التي أمر الإمبراطور نابليون الثالث بتأسيسها بمقتضى المرسوم الصادر يوم 14 مارس 185711، وبفعل أهمية هذه المدرسة قرر الإمبراطور نابليون الثالث إنشاء مدرستين أخريين على شاكلتها في كل من قسنطينة ووهران وأصدر مرسوما إمبراطوريا بهذا الشأن بتاريخ 16 جوان 1865.وإلى جانب هذه المدارس نذكر أيضا مدارس تخريج المدرسين التي أنشأت بمقتضى المرسوم الإمبراطوري الصادر في 4 مارس 186512، ولقد شرع في تنفيذ ما جاء في هذا المرسوم ابتداءا من العام الدراسي 1865-1866.
-
إرسال بعثات إلى فرنسا:
شرعت الإدارة الاستعمارية في إتباع هذه الوسيلة في بداية ستينات القرن التاسع عشر حيث قامت بإرسال بعض التلاميذ الأكفاء والمتفوقين إلى بعض المدارس العليا بفرنسا باقتراح من بعض المستشرقين بهدف غسل أمخاخهم وتحويلهم إلى آلات طيعة لخدمة المصالح الفرنسية في الجزائر بعد أن يتشبعوا باللغة الفرنسية وثقافتها.
ومن أبرز الطلبة الجزائريين الذين أرسلتهم إلى فرنسا وقدموا بعد ذلك خدمات جليلة للغة الفرنسية في الجزائر، بلقاسم بن سديرة الذي تخرج من الكوليج الإمبراطوري سنة 1863 وأرسل إلى مدرسة فرساي المتخصصة في تكوين المدرسين وتخرج منها بعد سنتين، ونظرا لتفوقه على أقرانه في المدرسة قام مديرها بارسال رسالة إلى الحاكم العام الفرنسي في الجزائر يهنئه بنجاح بن سديرة، ويطلب منه أن يرسل إليه بكامل الطلبة الجزائريين النجباء لمواصلة تعليمهم في مدرسة فرساي، وعاد بن سديرة إلى الجزائر بمجرد ظهور نتائج الامتحانات النهائية في جويلية 1865 وتم تعيينه أستاذا في مدرسة تكوين المدرسين بالجزائر.13
وقد أنجز بلقاسم بن سديرة الكثير من الدراسات خدمة للغة الفرنسية في الجزائر، إذ بلغ عددها حوالي سبعة كتب أهمها "دروس تطبيقية في اللغة العربية" و"دروس في الآداب العربية" و"دروس في اللغة القبائلية" وله قاموس عربي—فرنسي، وقاموس آخر فرنسي-عربي، والملاحظ على إنتاجه اللغوي هو تركيزه على "الدارجة الجزائرية" ويبدو أنه عمل ما في وسعه للابتعاد عن اللغة العربية الفصحى بهدف ضربها، فمثلا إذا أخذنا كتابه "دروس تطبيقية في اللغة العربية" Cours pratiques de langue Arabe المنشور في الجزائر سنة 1891، نجده من الصفحة الأولى يقوم بحملة دعائية للغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، حيث يخاطب التلاميذ قائلا:"إن اللغة الفرنسية هي لغتكم الأم، لقد بدأتم في الاستماع إليها منذ اليوم الأول الذي ولدتم فيه" فهذا دليل على مدى تأثير الثقافة الفرنسية على هذا الشخص، حتى أصبح يتنكر للغته الأصلية التي رضعها مع حليب أمه، وهي اللغة العربية، وبدون شك فإن الكتاب المذكور موجه إلى التلاميذ الفرنسيين والأهالي معا.
-
توظيف بعض الجزائريين للدعوى لتعليم اللغة الفرنسية:
مما لا شك فيه أن السبب الرئيسي الذي دفع بالإدارة الاستعمارية إلى الإعتماد على هذه الوسيلة، هو ذلك النفور الشديد الذي قابله به الأهالي في قضية تعلم اللغة الفرنسية والسعي إلى نشرها في أوساطهم خصوصا والتعليم الفرنسي عموما، لهذا لم تجد الإدارة الاستعمارية أمامها من وسيلة لإقناع الأهالي بأهمية التعلم الفرنسي عموما وتعلم اللغة الفرنسية خصوصا سوى تسخير بعض الأقلام الجزائرية التي كان أصحابها قد تشبعوا باللغة الفرنسية وثقافتها، للدعوى إلى أهمية تعلم اللغة الفرنسية ونتيجة لهذا ظهرت العديد من المقالات والكتابات الجزائرية التي تدعوا مواطنيهم إلى التعلم باللغة الفرنسية، وينبغي علينا الإشارة هنا إلى أن الجزائريين لم يكونوا في تلك الفترة ضد العلم والتعلم بل كانوا يريدون حرية التعليم بلغتهم والمحافظة على دينهم وأخلاقهم وتراثهم.
والشيء الملاحظ على المقالات الكثيرة التي ظهرت على صفحات المبشر الجريدة الرسمية الناطقة باسم الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالجزائر، هو ظهورها في صيغة المدافعة على التعليم وأهميته وضرورة قيام الأهالي بالالتحاق بالمدارس الفرنسية المفتوحة في الجزائر، إلا أن باطن هذه المقالات هو الدعوة إلى ضرورة تعلم اللغة الفرنسية والسؤال الأساسي الذي يبقى بدون جواب هل كان أصحاب هذه المقالات يدركون الهدف الأساسي من وراء هذه المقالات التي كانوا يكتبونها تحت طلب الإدارة الفرنسية أم أنهم كانوا يجهلون ما وراءها؟
وسنحاول التوقف في هذه الدراسة عند نموذجين اثنين من هذه المقالات، النموذج الأول هي مقالة لصاحبها محمد بن الشيخ على الذي يعد أحد محرري جريدة المبشر وهي بعنوان "نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية"14 وفيها كشف عن مدى إهمال الأهالي للتعليم الفرنسي وعدم اكتراثهم به لذلك رأى أنّه من واجبه أن ينقذهم بنبذة من فضل العلم".
استهل مقالته هذه بشرح الوضع الذي آل إليه الجزائريون من عدم الاهتمام بالتعليم "وبعد لما الكثير من الناس في هذا الزمان يتراخون عن التعليم بخلا بأنفسهم وكسلا، أردت أن نوقضهم بنبذة في فضل العلم وشرفه، وذم الجهل وغوائله لعلهم يتذكرون وتحيا قريحتهم للعلم كي يبلغوا ما يكملهم للرتب الإنسانية ومن المعلوم أن الشخص إذا لم يفهم معنى الشيء المطلوب لا تتحرك دواعيه إليه ومن جهل شيئا عاداه لأن العلم هو الخاصية التي يتميز بها الإنسان عن سائر البهائم فلفظ الإنسان مشتق من الإنس، والاستئناس يستلزم الألفة ولا ألفة إلا بالمخالطة، ولا مخالطة إلا بالملائمة، ولا ملائمة إلاّ بالمعرفة، ولا معرفة إلاّ بالتعلم، والتعلم يؤلف بين العباد على اختلاف ألسنتها وطبائعها.
وبعد أن يبين ما عليه الأهالي من نفرة من التعلم الحكومي، مخطئا وجهة نظرهم، محببا إليهم العلم بكل الأدلة ضاربا لهم الأمثلة بالنهضة الثقافية العلمية النشيطة في مصر منذ محمد علي باشا، وكذلك الأمثلة من القرآن الكريم وببعض أقوال الأنبياء، وبما فعله بعض الأمراء والخلفاء في سبيل الحصول على العلوم والمعارف الأجنبية، في العصور الإسلامية المزدهرة، ويخلص إلى توضيح السبب الجوهري الذي جعل الأهالي لا يقبلون على العلوم المعاصرة ويرغبون بالتالي عن اللغة الفرنسية معتقدين بأن العلم هو علم الدين وحده، وما عداه فهو من لغو الحديث، بل إن البعض اعتبره كفرا، ونستشف ذلك من قوله:"مع أن أهله وثنيون"، وذلك عندما علق على حديث الرسول صلى اللع عليه وسلم الذي يقول فيه "أطلبوا العلم ولو بالصين" فالكاتب يريد من ذلك أن يهون على الأهالي هذه الشكوى ويقلل من تحفظهم من الفرنسيين ومن لغتهم وعلومهم.
ثم ينتقل إلى الحديث عن اللغة الفرنسية، وأهميتها حتى يحببها للأهالي ويبين لهم لزومها لحياتهم بحكم احتكاكهم بالفرنسيين باستمرار:"... كيف وقد صارت اللغة الفرنسية وكتابتها في هذه الأعصر وسيلة لا غنى عنها في العلوم على اختلافها، وسائر الصنائع وفنونها، خصوصا الطب والهندسة والحساب والتنجيم والجغرافيا والطبيعيات والرياضيات، وما يتفرع عنها ولا يتأتى الإنسان أن ينكر براعة أهل فرنسا في جميع هذه الفنون مع صناعة غربية جديدة اخترعتها فلا يمكن الوصول إلى ما ذكرنا إلا باللغة الفرنسية وكتابتها لعدم وجود اللفظ العربي لمسمياتها".
ولعل الكاتب كان شبه متأكد من أن الأهالي لن يقتنعوا بكلامه بسهولة، لهذا اضطر إلى الاستشهاد بالأمثلة الواقعية المحسوسة من تاريخ الإسلام، فضرب المثل بما ترجم في عهد المأمون من علوم كالفلك وغيرها، وما قام به المتوكل من ترجمة بعض الكتب اليونانية، وذكر مجهودات عبد الرحمان الناصر الأندلسي في هذا المجال، واستشهد أخيرا بأحد الولاة المسلمين المعاصرين وهو محمد علي باشا، رغبة من الكاتب في الإقناع، وقصدا إلى التأثير، وفي آخر المقالة عاد الكاتب مرة أخرى ليذكر فوائد التعليم والتعلم في الصغر، وما على الآباء من واجبات نحو أبنائهم.
والنموذج الثاني هي مقالة لمصطفى بن السادات الذي عمل أستاذا بالمدرسة الفرنسية الإسلامية بمدينة قسنطينة، وكان أيضا محررا في جريدة المبشر، ونظرا لكونه رجل علم ومربيا فإن جل كتاباته كانت تدور في هذا المجال، وقد كان يسدي نصائحه للجزائريين لكي يبعثوا بأبنائهم إلى المدارس الفرنسية لتلقي العلوم15.
والمقالة المراد التوقف عندها، هي تلك الموسومة "النصيحة الدرية في تأديب الذرية"16 وفيها تحدث عن أهمية المدرسة كمؤسسة تعليمية، وأشار فيها إلى أن الدولة الفرنسية حريصة على تعليم الأهالي علومها وتمدينهم بلغتنا، ويقول أن اللغة الفرنسية أصبحت ضرورية لكسب العلوم والوظائف، وحذر الأهالي من أن اللغة الفرنسية ستكون هي جواز السفر الوحيد إلى الوظائف، وإنّ الذي لا يعرفها لا مكان له في تولي الوظائف، إنّ اللغة الفرنسية في نظره هي "التي عليها المدار ولصاحبها يحصل العز والعادي منها يبقى في خمول الأدبار، ومن حصلها واستغنى عن التلبس بالتولية فهي له نعم التحلية، ينتزه في مراتع أدائها.
-
تقديم إغراءات للذين يتعلمون اللغة الفرنسية:
حتى تحفز الإدارة الاستعمارية الأهالي للإقبال على تعلم اللغة الفرنسية، كانت من حين لآخر تقدم مكافآت مالية مغرية للذين يتفوقون في التعليم حتى وإن كانت هذه المكافآت مدفوعة من "جيوب" أرباب الإدارة الاستعمارية، وهذا ما كشف عنه العقيد (دوريو) المسئول على الشؤون الأهلية في الحكومة العامة خلال الحفل الذي أقيم بمناسبة إجراء الامتحانات الخاصة بمدرسة تعليم أبناء الأهالي اللغة الفرنسية خلال شهر أكتوبر 1852 والذي حضره الحاكم العام الماريشال راندون ومجموعة من العلماء وأعيان البلاد –مسلمين ومسيحيين- حيث قال: معشر المسلمين مراد البايلك في هذا العمل خبر أولادكم والمرجو من الآباء أن يبعثوا أولادهم إلى هذه المدرسة لينالوا الفخر الجميل كغيرهم الذين وقفوا على أبنائهم في العلم" وقال أيضا:"إنّ سعادة الوالي انعم على كل تلميذ بجزاء من خاصة أمواله، ولا شك يحصل للتلاميذ من هذا التأويل فوايد (كذا) جزيلة وبذلك يتقوى الألفة (كذا) والمودة بين الجنسين، ويتزايد علم الصبيان شيئا فشيئا حيث تحقق للناس منافع هذا الشأن ولا شك أن من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره"17.
ثانيا: الأهداف.
إن الإدارة الاستعمارية في الجزائر عندما شرعت في نشر اللغة الفرنسية في أوساط الجزائريين لم يكن هدفها الرئيسي هدفا تعليميا، بل كان هدفا سياسيا محضا، فالإدارة الاستعمارية قصدت من وراء تعليم اللغة الفرنسية للجزائريين ترسيخ أقدامها في الجزائر وذلك ببث أفكارهم الاستعمارية في عقول الجزائريين وجعلهم على استعداد تام لتقبل الهيمنة الفرنسية والاحتواء الحضاري، وذلك بتكوين نخبة جزائرية متشبعة بالثقافة الفرنسية متعلمة تعليما فرنسيا وتتقن اللغة الفرنسية اتقانا جيدا، وذلك لإدراكها لمدى أهمية اللغة وخطورتها في حياة الأمم والشعوب لهذا كانت الإدارة الاستعمارية حريصة كل الحرص على تعليم اللغة الفرنسية للأهالي حتى في المساجد مثل ما حدث في أحد مساجد باتنة، إذ ذكرت جريدة المبشر يوم 15 أوت 1855 أنه تم الشروع منذ 10 مارس 1855 في تدريس اللغة الفرنسية في المسجد على يد مترجم المكتب العربي، وهو مسلم وذكرت أن عدد الحاضرين لتعلمها بلغ 22 تلميذا وكلهم من الأسر الكبيرة.
كما كانت تسعى من وراء ذلك أيضا إلى فرنسة كامل المحيط الجزائري، وعلى رأسها الإدارة والتعليم إذ أصبحت الفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة في الجزائر وهذه الفقرة المأخوذة من قرار أصدرته السلطات الاستعمارية سنة 1849 يوضح لنا هذا بشكل بارز:"إنّ لغتنا هي اللغة الحاكمة، فإن قضاءنا المدني والعقابي يصدر أحكامه على العرب الذين يقفون في ساحته بهذه اللغة يجب أن تكتب جميع العقود وليس لنا أن نتنازل عن حقوق لغتنا، فإن أهم الأمور التي نعتني بها قبل كل شيء هو السعي وراء جعل اللغة الفرنسية دارجة وعامة بين الجزائريين الذين عقدنا العزم على استمالتهم إلينا وإدماجهم فينا وجعلهم فرنسيين"18.
ويمكن لنا القول هنا إن الإدارة الاستعمارية قد نجحت في تحقيق بعض الأهداف التي سطرتها ضمن سياستها التعليمية في الجزائر –ولو كان ذلك جزئيا- إذ ظهرت في أوساط المجتمع الجزائري شريحة متوسطة العدد تتحدث باسم فرنسا، وتدافع عن وجودها في الجزائر أكثر من الفرنسيين أنفسهم والغريب في الأمر أن بعض الفرنسيين كانوا يطلقون أشنع وأبشع الأوصاف على الجزائريين الذين انسلخوا عن مجتمعهم فها هو إيميل غوتيه يقول عنهم:"إنّ المتعلمين من أبناء الأهالي الجزائريين في المدارس الفرنسية هم بمثابة الخلاسيين ثقافيا Metis Intellectuels، والمقصود بالخلاسين ذلك النتاج البشري الذي يأتي كثمرة تزاوج هجين، أي أن هؤلاء الجزائريين المثقفين ثقافة فرنسية هم فئة هجينة إذ لا يمكن في آخر المطاف اعتبارهم جزائريين بالمفهوم الشامل ولا فرنسيين أيضا، كما صرح وليام مارسي واصفا ذلك بقوله:"إنّ المدرسة في الجزائر تتوجه إلى سكان فرنسيين سياسيا ولكنهم أجانب واقعيا، يجب أن تعمل هذه المدرسة على تكوين رعايا، وليس مواطنين"19.
وسنحاول الوقوف هنا مليا عند أحد النماذج الجزائرية المنسلخة عن هويتها بفضل التعليم الفرنسي، إنه شريف بن جبيلس في كتابه « L’Algérie Française vue par un indigène » المنشور سنة 1914 بالجزائر، فهذا الكتاب يعد شهادة حية على جزائري منسلخ عن أصله وذاتيته العربية الإسلامية، مغدقا في ذلك الشكر المجاني لفرنسا ولية نعمة الجزائريين والقوة المنقذة لبلاده التي كانت قبل مجيء فرنسا سنة 1830 "تعيش الصراعات القبلية الوحشية والهمجية اللامحدودة"، وبفضل وصول فرنسا تحقق الأمن وعاد الاستقرار والاطمئنان للجزائر وسكانها، وعلى هذا الأساس ينبغي على الجزائريين أن يتقربوا أكثر من فرنسا وأن يتعاونوا معها، معتبرا كل الانجازات التي أقامتها الإدارة الاستعمارية في الجزائر من مدارس وغيرها، أنها من الأعمال الخالدة التي ساهمت في إخراج المجتمع الجزائري من حالة التخلف والهمجية التي كان يتخبط فيها منذ مئات السنين، ولم يتوقف ابن حبيلس عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أقصى ما يمكن لنا تصوره، عندما طالب بتحقيق الوحدة الفكرية الاندماجية مع فرنسا، بما فيها الوحدة العاطفية والجنسية، إذ يتساءل:"... وكيف لا تتم روابط دموية بين الشعبين؟".
كما أن صاحب الكتاب صب جام غضبه على الجزائريين الرافضين للوجود الاستعماري على أرضهم، هؤلاء الذين ما يزالون مصدقين للخرافات والشعوذات، متمسكين بالشعائر الدينية المزعومة، محافظين على بعض التقاليد الموروثة "كتلك المظاهر الأرستقراطية المزيفة والمنتشرة في مدينة كقسنطينة التي نجد فيها من ينشرح وينتشي بالزهو والخيلاء حين يلقب بأولاد البلاد: « Les enfants de la cité »، ثم يخاطب هؤلاء جميعا بقوله:"كفانا من عصور الانحطاط ... فالجزائر لم تكن سوى عش للصوص البحر وقطاع الطرق قبل مجيء فرنسا".
الخاتمة:
إنّ اهتمام الإدارة الاستعمارية بالجزائر بنشر الفرنسية في أوساط الجزائريين منذ السنوات الأولى للاحتلال، كفل لها تشكيل النواة الأولى لما أصبح يعرف مع أواخر القرن التاسع عشر بالتيار الاندماجي، الذي سيتولى أصحابه عملية الدعوة إلى دمج المجتمع الجزائري بالمجتمع الفرنسي، وتغريبه بفعل انقطاعهم عن ماضيهم ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأبرز ما كانت تركز عليه هو أن التعليم لا يمكنه أن ينجح إلا باللغة الفرنسية.
الإحـالات :
1 إن هذا الأمر نجده مجسدا بشكل واضح وسط الكثير من الجزائريين الذين تشبعوا باللغة الفرنسية وأفكارها الحضارية.
2 إبراهيم لونيسي : "اللغة العربية في ظل الإرادة الاستعمارية بالجزائر بين ثنائية الاهتمام والتدمير" (مجلة الآداب والعلوم الإنسانية) (كلية الآداب والعلوم الإنسانية –جامعة جيلالي ليابس- سيدي بلعباس) العدد 1 ديسمبر جانفي 2001-2002)، ص، ص. 235-245.
3 Charles Feraud : Les Interprètes de l’Armée d’Afrique (Alger 1876), P230-231.
4 أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي (دار الغرب الإسلامي – بيروت لبنان 1998)، ج6، ص. 153.
5 هي جريدة أصدرتها الإدارة الاستعمارية في الجزائر باللغتين العربية والفرنسية وكانت تعد بمثابة الجريدة الرسمية الناطقة باسم هذه الإدارة في الجزائر وصدر عددها الأول في 15 سبتمبر 1847 واستمرت في الصدور إلى غاية 1929.
6 Emerit Marcel : L’Etat Intellectuel et moral de l’Algérie en 1830 (Revue d’Histoire moderne et contemporaine Juil-Sep 1954).
7 أحمد طالب الإبراهيمي: من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية 1962-1972 تر/حنيفي بن عيسى (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر)، ص. 16.
8 أنظر نص المرسوم في جريدة المبشر 15 أوت 1850.
9 جريدة المبشر 15 أوت 1850.
10 عن توالي فتح هذه المدارس أنظر على سبيل المثال الأعداد التالية من جريدة المبشر، 15 نوفمبر 1851، 1 جويلية 1852، 22 أفريل 1864، 2 فيفري 1865، وأنظر أيضا:
Maurice Poulard : L’enseignement pour les indigènes en Algérie (Alger 1910), P90-91.
11 عن هذه المدرسة أنظر: Ferand : Op. cit., P392-399 وأيضا جريدة المبشر 15 أوت 1857.
12 جريدة المبشر 12 أفريل 1865، Poulard, P92..
13 جريدة المبشر 22 أوت 1864، و22 أوت 1865.
14 جريدة المبشر 25 جويلية 1867.
15 إبراهيم لونيسي: القضايا الوطنية في جريدة المبشر 1847-1870 (أطروحة لنيل شهادة الماجستير من معهد التاريخ جامعة الجزائر، تحت إشراف الدكتور أبو القاسم سعد الله) جوان 1995 (مخطوطة)، ص. 68-69
16 جريدة المبشر، 27 ديسمبر 1867..
17 جريدة المبشر 15 أكتوبر 1852، أنظر أيضا عدد 22 أفريل 1864 و21 أفريل 1865
18 ساطع الحصري: حوليات الثقافية العربية (دار الرياض للطبع و النشر 1951)، المجلد 2، ص. 473
19 شارل روبير أجيرون: تاريخ الجزائر المعاصرة (ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982)، ص، ص. 37-38
