chakom.ht.2
أثر العلماء في الحياة الرسمية والاجتماعية
في عهد الإمارة الأموية (138 هـ-316 هـ) (755 م-928م)
د.شخوم سعدي
جامعة سيدي بلعباس
بدأت تظهر أولى الملامح الاستقلالية عن المشرق من الناحية الثقافية والعلمية، بتأسيس الدولة الأموية بالأندلس، ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ الروابط التي كانت تربط الأندلس بالخلافة الأموية كانت قد انقطعت قبل ذلك في عهد واليها الصميل بن حاتم (129 هـ-138هـ)(746م-755م) الذي كان له نفوذ كبير جعله يتحكم في عزل الولاة واختيارهم ولهذا لم يكن لسقوط الدولة الأموية أثر مباشر يذكر على الولاية واستقرار الحكم بها[1]، وتتضح هذه الاستقلالية في الجانب الديني فقد بدأ الأندلسيون يتجهون شيئا فشيئا من الأوزاعية إلى المالكية رغم أنّ المذهب السائد بالمشرق هو الحنفي، وهكذا وبمرور الوقت أصبح المذهب المالكي هو المذهب الرسمي للدولة الأندلسية، فكان فقهاء الجماعة من أتباع الإمام مالك يدرؤون أية محاولة للانحياز عنه، وفي ميدان الأدب والشعر عرف هذا الجانب نشاطا واضحا. حيث بدأت الأندلس تعرف جيلا جديدا من الشعراء أكثر تفرعا للشعر من غيره، وقد تعرض ابن حيان لهؤلاء وامتلأ المقتبس بشعرهم ومواقفهم، وفي الميادين العلمية الأخرى بدأت الأندلس تعرف جيلا جديدا من العلماء أكثر طموحا وبذلا للجهد العلمي وبذلك بدأ يغلب الجانب العلمي والثقافي على الأندلس أكثر من أي فترة سابقة وبدأت تظهر خصائص جديدة للحياة العلمية في هذه الفترة.
لقد كان الفقيه والأديب والشاعر في عهد الولاة مجرد جندي طموح يهدف إلى الفتح والعمل العسكري ولم يكن متفرغا إلى فقهه أو حتى شعره، ولكن بتأسيس الدولة واستقرارها بدأ العلماء يشاركون في الحياة الرسمية والاجتماعية مشاركة واضحة وبدأ دورهم يبرز في جميع النواحي، ويمكن ذكر أهمّها وأبرزها في ذلك الوقت.
أ. الوزارة:
وصلت عدّة شخصيات إلى هذا المنصب وكانت في نفس الوقت ذات باع في العلوم والأدب والشعر أمثال: تمام بن عامر وزير الأمير محمد بن عبد الرحمان، كان أديبا شاعرا ومؤلفا في التاريخ وله في فتح الأندلس أرجوزة ألفها في كتاب ضخم وولي الوزارة كذلك للأمير المنذر وعبد الله وتوفي سنة 280 هـ(893م)[2].وعبد الله بن حسين ابن عاصم وكان شاعرا رحل إلى المشرق ولقي مشاهير الشعراء فيه وعاد إلى الأندلس فولي الخزانة والشرطة وغيرها[3].
ومن أشهر الشعراء والأدباء الذين ولوا الوزارة نجد سليمان بن وانوسن وكان أديبا متفننا وكان وزيرا للأمير محمد وابنه عبد الله، إلاّ أنّ علاقاته مع الأمير عبد الله كان يطبعها التوتر نظرا لأنّ الأمير عبد الله كان يمنعه من بعض عطاياه[4].
وممن تولى الوزارة واشتهر بالأدب والبلاغة: عيسى بن شهيد وكان الأمير عبد الرحمان ابن الحكم قد استوزره في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة وكان عيسى بن شهيد موصوفا بالحلم والوقار والعلم مما زاد في مكانته لدى الأمير عبد الرحمان فجعله حاجيا له[5]، ومن أشهر الوزراء الذين من أهل العلم والاختراع يحي بن إسحاق الطبيب الذي ولاه الناصر وزارة الشرطة وذلك سنة 302 هـ (914م[6].
وهكذا استطاع نفر من الشعراء والأدباء أن يصلوا إلى هذه المرتبة العالمية في الدولة آنذاك وتكون لهم الحظوة، ونلاحظ أنّ أغلب هؤلاء كانوا شعراء و أدباء.
ب. الكتابة:
كان الكاتب يكلف بتدوين المراسيم ورسائل الأمير الحاكم إلى عمال الأقاليم أو غيرها، ولأهمية هذا المنصب كان يعين على رأسه رجل متمكن في اللغة والأدب ويختار الكاتب من أرفع طبقات الناس وأكثرهم علما وبلاغة، وهو معرض للنظر في أصول العلم لما يعرض في مجالس الملوك[7]. فكان بنو أمية يختارون لهذا المنصب مشاهير من عرفوا ببيان اللغة والبلاغة، ولعلّ أشهر اللغوي والشاعر محمد بن سعيد الزجالي والملقب بالأصمعي الذي كان كاتب الأمير عبد الرحمان بن الحكم، وكان قبل ذلك كاتبا لوزراء عبد الرحمان، ويصفه ابن حيان بأنّه كان أحد عجائب الدنيا في قوّة الحفظ، وبقي كاتبا لعبد الرحمان طوال مدّة حكمه ويبدو أنّ الزجاليين قد سيطروا على الكتابة في الإمارة الأموية فبعد وفاة بن سعيد الأصمعي سنة 232 هـ(846م) أعقب ابنا كان قد ورث مكانة أبيه في الأدب والمعرفة والبلاغة وهو حامد بن محمد بن سعيد وكان كاتبا للأمير محمد واعتلى الوزارة[8]، ويمكن القول أنّ الكتابة كان يمارسها مشاهير اللغوية والبلغاء من أمثال الزجالين المذكورين ولعلّ خير دليل على ذلك أنّ أحد أبناء محمد كان كاتبا للأمير محمد ألاّ و هو عبد الله بن محمد الزجالي[9].
ج. أعمال الأقاليم:
كانت الأقاليم في الأندلس تقسم إلى كورات كلّ واحدة منها تحتوي على عدّة مدن وقرى[10]، وإذا بحثنا عن فقيه أو أديب أو حتى شاعر ولي كورة نجد أنّ غالبية من ولي الوزارة كان قد ولي كورة أو مدينة، ومن هؤلاء وممن تولى عمالة الأقاليم: حبيب بن عبد الملك الأديب والشاعر، ولاه عبد الرحمان الداخل طليطلة[11] وممن تولى المدن نجد الشاعر والأديب عبد الله بن محمد الزجالي، وكان على قرطبة[12] لكن مقارنة بالوظائف الأخرى نلاحظ أنّ هذه الوظيفة تعد من أقل الوظائف التي تعهد أمرها أهل العلم والثقافة بالأندلس نظرا لأنّ حركية الثقافة كان محورها قرطبة.
د. الحسبة:
وكانت تعرف في الأندلس بولاية السوق[13]، وممن تولى في هذه الوظيفة حسين بن عاصم الثقفي الفقيه ولي الحسبة – أو ولاية السوق – وقد وصفه ابن حيان بأنّه كان شديدا على أهل قرطبة وتوفي سنة 263 هـ (876)[14]، وقد تولي نفس المهمة ابنه عبد الله بن حسين وممن تولى الحسبة من الأدباء ذكر ابن حيان سليمان بن وانسون ولكن الأمير سرعان ما عزله لأنّه رأى أنّه أساء الأدب معه[15]، ولم تكن الحسبة منفردة بل كانت تتوازى مع وظيفة أخرى لصيقة بها وهي الشرطة، وقد يتولى المحتسب هذه الوظيفة إضافة إلى كوّنه والي على السوق.
هـ. الشرطة:
عرفت قرطبة في عهد الأموّيين ثلاثة أنواع من الشرطة، وهي الكبرى والوسطى والصغرى، ولصاحب الشرطة بعض سلطات القاضي كما يقوم أحيانا بتنفيذ بعض الحدود بعد أن يصدر القاضي الحكم، وربما نظر في الحدود فكان صاحب الشرطة مسؤولا عن الأمن والضرب على أيدي المجرمين، فصاحب الشرطة الصغرى كان مختصا فيما يتصل بعامّة الناس أمّا صاحب الشرطة العليا فيضاف إليها زيادة على ذلك النظر في قضايا الخاصة للناس وكبار رجال الدولة والضرب على أيدي العابتين منهم أو عن أقاربهم وحاشيتهم. أمّا الوسطى فمهمة صاحبها إنجاز بعض الأعمال الخاصة التي يكلفه بها الخليفة لحفظ الأمن[16]، وأغلب الفقهاء والعلماء تولوا الشرطة الصغرى فيما ينقله ابن حيان ومن هؤلاء حارث بن أبي سعد وكان فقيها ولي الشرطة الصغرى إلى أن توفي سنة 221 هـ (835م)[17]. ومحمد بن خالد بن بن مرتنيل المعروف بالأشج وكان صاحب الصلاة والشرطة معا وكانت وفاته سنة 224 هـ (838م)[18] ومنهم كذلك ابن عاصم عبد الله بن حسين وكان واليا على الشرطة بقرطبة أيّام الأمير محمد[19] ونجد ممن ولي هذه الوظيفة يحي بن إسحاق الطبيب وذلك سنة 302 هـ (914م)[20] وقد تعد هذه الوظيفة في مكانة الوزارة نظرا لأنّها كانت ترد في الكتب مع التعيينات التي يعينها الناصر في وزاراته.
و. القضاء:
لقد كان القضاء أهمّ مهمة رسمية يمارسها الفقيه في الأندلس وكانت وظيفة جد مهمة لأنّها كانت الواسطة بين الأمير وشعبه وكان الأمير يضطلع بخلع القاضي وتعيينه والقاضي يسمى بقاضي الجماعة وهو القاضي الذي يكون في قرطبة العاصمة إلى جانب قضاة الكورات الأخرى. وقد عرف عهد عبد الرحمان ظهور طبقة فريدة من الفقهاء أسست للمذهب المالكي بالأندلس، منهم مسرور بن محمد وسعيد ابن سليمان ويحي بن معمر الألهاني والأسوار بن عقبة وإبراهيم بن العباس المرواني ومحمد بن سعيد ويخامر بن عثمان وعلي بن أبي بكر ومعاذ بن عثمان ومحمد بن زياد[21] وهذا عدد كبير يرجع ابن حيان سبب كثرتهم نقلا عن الحسن بن مفرج إلى اتباعه رأى كبير الفقهاء والمشاورين يحي بن يحي وكان مؤتمرا جدا في الأمير عبد الرحمان وهذا ما أدّى إلى كثرة عدد قضاته فمتى انتقد له قاضيا عزله ومتى مدحه أبقاه[22].
ز. السفارة:
تعد الأندلس ثغرا قريبا من العدو، وكانت على حروب دائمة وتحالفات مع دول أخرى وكان هذا الأمر يحتاج إلى سفير له حنكة وقوّة وثقافة عالية حتى يتمكن من تحقيق أهداف الأمير، ومن أشهر السفراء نجد الشاعر يحي بن الحكم الغزال وقد أشار المقرئ لهذه السفارة ومناقب الغزال فيها ويظهر تمكنه من الدبلوماسية في استطاع قوّة التقرب من الملك الرومي[23] وقد حمل له هدية تمثلت في المنقلة[24] التي سبق الحديث عنها وكانت هذه السفارة ردا على سفارة كان تيوفيل Théophile [25] قد أرسلها إلى عبد الرحمان طالبا منه الإعانة لاسترجاع الشام انتقاما من المأمون وردّ عليه عبد الرحمان الثاني برسالة ناقش فيها رسالته فقرة فقرة[26].
وهكذا ومع بداية الدولة الأموية بدأ يظهر دور المثقف في قرطبة في شتى الجوانب سواء الرسمية أو الاجتماعية ونستطيع أن نلاحظ أنّ دوره كان يمتد من أعلى هرم السلطة إلى أسفله وكان دائما إيجابيا في مواقفه مع الأمويين سواء بالاندماج في نظام الحكم أو مسايرته، لكنّ هذا الأمر لم يكن مستمرا، فقد كانت ثورة الربض[27] التي تزعمها كبار فقهاء قرطبة منهم يحيى بن يحيى الليثي و طالوت الفقيه و كان ذلك سنة 189 هـ/804 ، و سببها أنّ الحكم بن هشام(154هـ-771م) اتهم بالانغماس في اللذات و المعاصي[28] و عزم على قهر الثورة و تمكن من ذلك بعد طول مكابدة كادت أن تعصف بملكه ، وانتهت بنفي جمع العلماء المذكورين إلى كريت التي كان المسلمون يسمونها أقريطش و تذكر المصادر أن بعضهم كاد إلى قرطبة بعد اعتذارهم منه
و صلاح حاله ، وعل حالة أهل الربض لا تعدوا أن تكون حادثا منفردا إذا قورنت بالعلاقة التي كانت بين علماء الأندلس و الأمويين عموما التي حكمها تقريب الأمويين لهم
و إكرامهم لهم و الحظوة لديهم.
فكانت أدوار العلماء نتيجة مكانتهم الاجتماعية و لم يثنهم هذا عن اهتمامهم بالعمل
و التأليف فيه كما تدل ذلك تراجمهم التي ركزت على مجهوداتهم في هذا الباب ، و قد لا نجد الحديث عن مهامهم المذكورة إلا في ثنايا كتب التاريخ العامة.
الإحـالات :
[1] أحمد فكري، قرطبة في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعية، الاسكندرية، 1983، ص:29.
[2] ابن حيان(أبو مروان حيان بن خلف) ،المقتبس ، السفر الثاني ،بتحقيق محمد علي مكّي،دار الكتاب العربي ، بيروت 1393-1973، ص.ص: 183-184.
[3] ابن:حيان ، المصدر السابق، ص.186.
[4] ابن حيان، المصدر السابق، 191.
[5] ابن حيان، المقتبس، تحقيق المكي، الجزء 2، ص: 26.
[6] ابن حيان،المقتبس تحقيق شالميطا، و محمود صبح ، و كورنيطي ، العهد الإسباني العربي للثقافة –مدريد و كلية الآداب الرباط ، 1979ج5ص:103.
[7] ابن خلدون ( أبو زيد عبد الرحمن)، المقدمة، مطابع حسين شرف القاهرة 1327هـ/1909م ،ص: 438.
[8] ابن حيان، المقتبس، تحقيق المكي، ج2، ص.ص: 35-36.
[9] ابن حيان، المقتبس، بتحقيق ملتشور انتونا، ص:6.
[10] وكتب الجغرافيا ترتب الكلام على جزيرة الأندلس حسب هذه الكورات: محمد الفاسي، الأعلام الجغرافية الأندلسية ، مجلة البينة المغربية(ص.ص: 13-15)، العدد3 جويلية 1962، ، ص: 18.
[11] مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس تتصل حدودها بوادي الحجارة وهي غربي بلاد الروم وكانت قاعدة الملوك القرطبيين وهي على شاطئ نهر تاجة سقطت في أيدي الروم سنة 477 هـ: ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر ، بيروت، ج4، ص-ص: 39-40.
[12] ابن حيان، المقتبس، تحقيق ملتشور أنتونا ،باريس ، 1937 ج3، ص:6.
[13] ابن حيان، المقتبس، تحقيق المكي، ج2، ص: 186.
[14] نفسه، ص: 77.
[15] نفسه، ص: 191.
[16] عبد الرحمان علي الحجي، تحقيق كتاب المقتبس لابن حيان، بيروت 1965، الجزء السابع، ص: 44، هامش 01.
[17] ابن حيان، المقتبس، تحقيق المكي، ج2،ص: 80.
[18] نفسه، ص: 81.
[19] نفسه، ص: 187.
[20] ابن حيان، المقتبس ج5، ص: 103.
[21] Levi-provençal, les citations du muqtabis d’Ibn Hayyan relatives à l’agrandissement de la grande mosquée de cordue au IXème siècle, p-p 89-92, Arabica (revue d’études arabes fondée par Levi-provençal, Tome I, 1954, p 90.
[22] ابن حيان، تحقيق المكي، ج2، ص41.
[23] المقري (أحمد بن محمد )، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ـ تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي ، دار الفكر ، بيروت ط1: 1419هـ/1998، ج2، ص.285.
[24] Levi-provençal, un échange d’ambassade entre cordue et Byzance au IXème siècle – Byzancian, Tome XII, 1937, PP : 1-24, p.7.
[25] تيوفيل (Théophile)(829م-842م): من الأسرة العمورية نسبة إلى مدينة عمورية في إقليم فريجيا بآسيا الصغرى امتاز بنشاطه وحبه للحرب قضى الشطر الأعظم في حكمه في حرب العباسيين واسترداد ما فقدته الامبراطورية أيّام هرقل، ومات تيوفيل سنة 842م بعد أن أنعش الخزانة وشجع التجارة وغذت القسطنطينية في عهذه مركزا تجاريا من أعظم المراكز التجارية في اوروبا: د.عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، المكتبة الأنجلو مصرية، ط10، 1986، ج1، ص.ص: 413-415.
[26] عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، 1974، ص.ص: 65-67.
[27] الربض في الأصل حرم الشيء وقيل هو أساس المدينة وهي هنا محلة متصلة بقرطبة ينسب إليها الكثير من العلماء منهم يوسف بن مطروح: الحموي(ياقوت): معجم البلدان، ج3، ص-ص: 25-26.
[28] أبو محمد (علي بن أحمد بن سعيد بن حزم )، نقط العروس في تاريخ الخلفاء، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ط21987، بيروت ،ص:75.
