belbraout.ht.2

نظرات استشراقية لعادات وتقاليد مجتمع الجزائر العثمانية.

-مدينة الجزائر نمودجا-

 د. بلبروات بن عتو

  جامعة سيدي بلعباس

لكل مجتمع زخم من العادات والتقاليد التي يتمسك بها ويحافظ على صيرورتها ويحرص على تناقلها من جيل لآخر مثل حرصه على لغته أو لهجته وقيمه الدينية، بحيث يؤلف الكل ما يصطلح عليه بالهوية، أي هي التي تعرف بشخصية الكائن البشري وتميزه عن باقي المجموعات البشرية القريبة أو البعيدة عنه جغرافيا.

والمتمعن في تاريخ الجزائر الاجتماعي يلاحظ أن هذا البلد الواسع مساحة، احتضن عبر الحقب الزمنية قبائل عربية وبربرية وتوافدت عليه أجناسا متعددة برا وبحرا، وقد تشكلت صورة التعدد العرقي في زمن الأتراك العثمانيين بين 1516 و1830، وحدث بين الطوائف الاجتماعية ذات الانتماء الإسلامي احتكاك وتأثير وتأثر حتى بلغ حد الاندماج الاجتماعي، في كبريات المدن الجزائرية مثل الجزائر، قسنطينة ووهران، وهو ما التفت إليه الأجانب الذين زاروا الجزائر خلال العهد العثماني أو في أوائل الاحتلال الفرنسي، تاركين وراءهم، مذكرات، تقارير ومراسلات، تعبر عن ملاحظاتهم وانطباعاتهم حول المجتمع بالجزائر العثمانية، استغلتها الإدارة الفرنسية في سبيل تهيئة مشروع تفكيك وحدة المجتمع الإسلامي الجزائري.

 انطباعات المستشرقين وملاحظاتهم حول عادات وتقاليد المجتمع بالجزائر العثمانية

ركز أغلب المستشرقين في كتاباتهم على مدينة الجزائر خلال العهد العثماني بحكم مكانتها الإدارية، السياسية والاقتصادية، واحتكوا بأهلها، فقيدوا صفحات عن عاداتهم وتقاليدهم، التي تتميز عن عادات وتقاليد بني جنسهم من الأوربيين، فكان بالنسبة لهم اكتشاف لأسلوب الحياة عند الطرف الآخر، مما مكنهم من فهم ومعرفة أطر التعامل معه.

لقد كانت انطباعات المستشرقين مختلفة ومتناثرة، فلا نجد فصلا خاصا بالعادات والتقاليد، وهو ما دفعنا إلى جمع ما تيسر لدينا على النحو الآتي:

1- الأغذية:

لاحظ المستشرقون أن الأغذية الشائعة في أي مجتمع، قد تندرج ضمن عاداته وتقاليده، ومن أجل معرفة المجتمع وأسلوب معيشته لا بد من  معرفة غذائه. وقد شاعت بين أوساط مجتمع الجزائر العثمانية أطعمة وحلويات، بعضها متجذر في البلاد والبعض الآخر وافد من البلاد التركية، وهو ما نوضحه كالآتي:   

*الكسكسي:

وهو طعام مشهور في كل بلاد الجزائر مدنا وأريافا، وهو الأكلة الرئيسية لدى مسلمي الجزائر العثمانية، وأساسه دقيق القمح، يفتل حبات صغيرة عادة، في قصعة مصنوعة من الخشب، ثم يوضع في كسكاس ويطهى بالبخار،(1)  ويقدم على شكل كومة به سمن وزبدة وحساء، وبصل وفلفل وخضر، ويسقى بالمرق، ولا يخلو من اللحم أبدا. وقد تكون هذه الملحقات وغيرها قليلة أو كثيرة، متنوعة حسب استطاعة المضيف.

وكثيرا ما يصب اللبن أو الحليب فوق كومة الكسكسي. ويكلل ذلك كله عند الأغنياء بالزبيب وبالتين وشرائح البطيخ.(2) وذكر شالر Shaler أنه يمكن تقديمه بالبيض المسلوق أو بأعشاب حلوة.

*البقلاوة:

هي حلوى تركية الأصل محشوة باللوز والزبيب، دسمة جدا، زيتية ومشربة بالعسل.(6) 

وعلى أساس هذا العرض المقتضب للمأكولات والحلويات الشائعة بمدينة الجزائر خلال العهد العثماني والتي هي مقيدة في صحف المستشرقين، نلاحظ أن هؤلاء، قد ركزوا على الأطعمة والحلويات ذات الأصل التركي، وكأنهم يحاولون إثبات أن العادات التركية غزت العائلات الجزائرية عربية كانت أو بربرية، مما يدل على أن الجزائريين كانوا يعانون من فراغ في عاداتهم وتقاليدهم ولا يعرفون سوى طعام الكسكسي وأكل اللحم والخضر والفواكه ويفتقدون أكلات وحلويات ذات أصول محلية أي ببساطة لا يجيدون فن الطبخ.

2- اللباس:

يساهم اللباس بالتعريف بشخصية الفرد ذكرا كان أو أنثى، لهذا تناول المستشرقون الذين زاروا مدينة الجزائر خلال العهد العثماني ومكثوا بها لفترات قد تطول أو تقصر، لباس الطوائف الاجتماعية المؤثرة في المجتمع فوصفوا لباس الرجل التركي والكرغلي والعربي واليهودي دون أن يهملوا وصف لباس المرأة وتزينها.

* لباس الأتراك العثمانيين وهندام نسائهم:

ذكر دانتي Dentu أن لباس الأتراك العثمانيين بالجزائر شبيه بلباس سكان تركيا(7) . أما لوجي دي تاسي  Laugier De Tassyفقال أن لباسهم بسيط يتميز عن لباس السكان الأصليين من العرب والأمازيغ،  واقتصر حديثه على وصف لباس الداي وموظفيه السامين الرئيسيين الذين يلبسون قمصان شفافة بأكمام طويلة وسراويل صوفية طويلة غير خشنة، أو قطنية بيضاء.(8)

أما وصف سبنسر للباس الرجل التركي، فقد جاء واضحا إذ قال:" يرتدي التركي بالجزائر، البرنوس وهو ثوب فضفاض عريض متصلة جوانبه بأكمام وقلنسوة أحيانا، ويضاف إليه ألبسة تحتية مهذبة. ويلبس ذوو الاعتبار من الرجال، بدعيتين أو ثلاث بدعيات مفتوحة عند الرقبة وتزركشها الأزرار وخيط الطرف، ويلبسون كذلك سروالا مطرزا عريضا وفضفاضا، إلى جانب شاشية حمراء. وتلتئم خياطة السراويل بواسطة تطريز حريري واسع يلصق به لابسه، مسدسه وسيفه وخنجره. وعند نهايته يخبئ حاملة نقوده من الحرير، والساعة من صنع البندقية..."(9)

وورد عن سبنسر وليم، وصفا لهندام نساء الأتراك المتزوجين قائلا: " يلبسن الفارملة بشكل شائع، وهي اللباس ذو الحزام والمفتوح عند الصدر، ومع معطف أو أكثر بأكمام قصيرة، مع أو إلى جانب ألبسة داخلية تتدلى على سراويل مطلوقة عندما يكن في المنزل. ولما يخرجن للحياة العامة فإنهن يضعن ثوبا مزركشا من ثلاث طبقات، طوله يصل الركبة، ويتحزمن بشاش مزركش عريض، ثم تأتي سراويل عريضة، وبلغ(10) مربعة مرتفعة، وفوق الكل يأتي الحايك الأبيض، ويتحجبن حتى عيونهن بقطعة قماش شفافة بيضاء."(11)

ويذكر سبنسر مقطعا عن تجميل المرأة وزينتها، وهو شامل لكل النساء الجزائريات سواء كانوا أزواجا للعرب أو الترك، مبينا أن الشعر هو ظاهرة الجمال الأساسية، خاصة لما يطول، دون أن يغفل طريقة العناية به من تسريحه، ومشطه، وتدليله، وإصباغ رائحة مسك عليه أو ماء الزهور، ثم تجميعه وربطه بقطعة مذهبة أو فضية.

ثم ذكر سبنسر أن نساء الأتراك الجزائريات(12)، كن يتزين بالعطور والأطرزة المزركشة ووضع الكحل على الحواجب التي تقوس حتى تأخذ شكل هلال، وإحاطة العيون بصبغ أسود، وتخضيب نهاية أصابع اليدين والكفين وبواطن القدمين بالحناء.(13)

  * لباس الكراغلة:

أشار شالر إلى ألبسة الكراغلة وقال أنها " مزينة بالقصب وبحواشي الذهب أو الفضـة أو الحرير، طبقا لغرور الشخص ونزواته. وشكل العمامة وثناياها ونوع المادة التي صنعت منه هي المقياس الذي يحكم عليه الناس بقيمة الرجل الذي يلبسها. وفوق جميع ملابسه يلبس الكرغلي برنوسا يحمله على كتفه ويغطي به كل جسمه."(14)

وورد عن "روزيتRozet "، أن لباس الكراغلة لا يختلف عن لباس الأندلسيين، إلا أن هندامهم أكثر أناقة و ملابسهم أكثر نظافة من هندام ولباس الأندلسيـين، فهم متأثرون بالنمط الأسـيوي.(15)

*هندام الحضر ونسائهم:

ذكر شالر أن لباس الرجل الحضري العربي، يتكون من عدة قطع، بعضها بأكمام وبعضها الآخر بدون أكمام، مفتوح في الصدر ومزين بأزرار وزخارف، وسرواله فضفاض ينزل حتى الساق، ويعلق على حزامه الذي يلفه عدة مرات حول وسطه يطغانا(16) أو مسدسا، ويضع في طياته أيضا ساعته ومحفظة نقوده. ويغطي رأسه بعمامة وينتعل بلغة، وتختلف نوعية الملابس من رجل حضري إلى آخر باختلاف درجاتهم المادية.(17)

وذكر وليم سبنسر لباس الجزائري العربي الحضري قائلا: " لقد لبس الجزائريون من غير الأتراك وباستثناء اليهود، لباسا بسيطا وقميصا من الكتان وسراويل في طول الركبة مطبقة، وفي الشتاء يلبسون الغليلة وهي لباس طويل حتى الركبة، تأتي بعدها الدرة وهي جبة طويلة جدا من القماش الرفيع، ويكمل هذه المجموعة البرنوس."(18)

ثم استمر سبنسر في وصف أناقة التجار الحضر من العرب، وقال أنهم كانوا أكثر أناقة واهتماما بهندامهم حيث كانوا يلبسون بجانب اللباس الذي وصفه الكاتب، الأريحيات المزركشة بكعب حديدي مرتفع وكبوس أحمر عريض تحيط به قطعة من القطن الرفيع في هيئة الشاش.(19) وكتب هاينريش Heinrish بعده مقطعا عن الهندام الحضري الجزائري قائلا:" ويتألف زيهم من غليلة، مصنوعة من الكتان أو النسيج، وبدعيتين متشابهتين، وسروال واسع قصير...ثم حزام غالبا ما يظهر فخامة ثيابهم، وبالتالي حذاء واسع مستدير الرأس يشبه النعل، وتبقى السيقان ابتداء من الركبة عارية عند الحضري الأصيل، وكذلك الأمر بالنسبة للعنق. أما الشعر فيقص بأسره باستثناء خصلة في أعلى الرأس...ورؤوس الشبان عارية ما عدا خصلة أعلى الرأس فإنهم يضعون فوقها طاقية صغيرة حمراء..."(20) ولاحظ هاينريش أن الحضري شديد الاهتمام بالحلاقة والاستحمام في الحمامات العمومية.

كتب شالر عن لباس وهندام المرأة الحضرية العربية بمدينة الجزائر، ويظهر أنه ركز حديثه على نساء الحضر الأغنياء، إذ قال أن قميصهن هو من أرفع المواد وأفخرها، وسراويلهن ينزلن حتى العقب، وأثوابهن مصنوعة من الحرير أو من مادة أخرى مطرزا بالدنتيال ويعلق بشريط من الوراء، وحذاءهن يلبس بدون جوارب.

وترتدي المرأة الحضرية الغنية كذلك، الحلي الثقيلة من خواتم وأقراط ذهبية وأساور وخلاخل من الفضة والذهب، ولباس الرأس هو السرمة أو القلنسوة المخروطية الشكل، والتي تصنع من الذهب أو الفضة حسب المستوى المادي للمرأة  وفوقه يلقى حجاب شفاف كثيـف أو خفيف التطريز.

ولما تخرج المرأة الحضرية، مهما كان مستواها المادي، إلى الشارع أو تسافر فإنها تغطي ثوبها بحايك أبيض يغطي جسمها كله، من الرأس إلى العقب.(21) وحتى الحايك يختلف نوعه وسعره، فهو يصنع من الحرير أو الصوف الأبيض، أو من الصوف الأحمر، وعلق عليه شالر قائلا: " ويجـب الاعـتراف بأن الحايك لبـاس غير مريح، لأنه يتحتم على لابسـه أن يمسـكه دائما بيده."(22)

ذكر هاينريش هندام المرأة الحضرية في الشارع وقال عنها أنها ترتدي الحجاب، على الحايك، والقناع الذي يسمى "العجار" بالعامية الجزائرية، وهو قطعة قماش رقيقة تغطي الوجه من أسفل العينين إلى الذقن، ثم "الفوطة انتاع السنانغ" باللهجة الجزائرية أيضا، وهو قماش يبسط فوق الجبين حتى الحواجب.

أما عن هندامها في بيتها فيصعب وصفه لكن هاينريش قد لاحظ بعض الحضريات في بيوتهن وقال أنهن يرتدين بذلة من قماش مطرز بالحرير والخيوط الذهبية ويلبسن طاقية صغيرة حمراء تدعى "البنيقة" تضعها فوق شعرها.(23)

وتعتني المرأة الحضرية بنفسها حيث تهتم كثيرا بتجميل وجهها، فالحواجب تكحل بعصير العفصة قدر الإمكان، حتى تصير أقواسا سوداء، وتصبغ أهداب العينين بالكحل من الجهة الداخلية.(24) وقد أعجب شالر بجمال المرأة العربية الحضرية، ونضوجها المبكر حيث يحدث كثيرا أن تتزوج في سن الثانية عشر، وتصبح جدة في سن الخامسة والعشرين.(25)

* لباس اليهود ونسائهم:

كان اليهود بمدن الجزائر العثمانية يلبسون لباسا أسودا من الرأس إلى القدمين، عبارة عن عباءة طويلة تصل إلى منتصف الساقين، وعمامة سوداء تلفها عصابة بلون قاتم ذات خطوط، كل ذلك   للتمييز بينهم وبين الأجناس الأخرى الإسلامية والمسيحية(26). وتطرق وليم سبنسر هو الآخر إلى لباس الرجل اليهودي بالجزائر العثمانية ووافق وصفه، وصف" دي تاسي" إلا أنه أكثر تفصيلا، نختصره كالآتي: " ويلبس اليهودي جببا...ومعطفا ذا أكمام عريضة...وكذلك حزاما عريضا وخناجر كبيرة جميلة في جراب على الجانب الأيسر. وفي الشتاء يلبسون سراويل تضيق عند أدنى الركبة كما يفعل الاسبانيون، وأحذية ملونة توضع في الرجل وتخلع دون أن تلمسها اليد، وضباطات هي عبارة عن نوعية من الأخفاف للجوانب العالية، وبمثل المسلمين كانوا يلبسون دائما غطاء على الرأس."(27) 

وذكر لوجي دي تاسي أن المرأة اليهودية تلبس مثل المرأة المسلمة بالمدن، وتخرج إلى الشارع بدون قناع، فوجهها يبقى ظاهرا قصد التمييز بينها وبين المرأة المسلمة التي تحمل قناعا ولا يظهر سوى عيناها(28).

3- الإحتفالات:

أ-الاحتفال بالمناسبات الدينية:

*احتفالات شهر رمضان:

أشار هاينريش أن شهر رمضان من كل سنة، هو شهر الحلويات والضيافة والأفراح عند الجزائريين، لكن الحفلات الوحيدة الصاخبة التي نقلها الأتراك العثمانيون إلى الجزائر والتي تقام في هذا الشهر حتى في العهد الفرنسي هي حفلات القرقوز التركي، وكان يحضر القرقوز مئات الأشخاص، ويتم ذلك بعد الإفطار.(29)

أما موريتس فاغنر الألمانيMaurice Warner ، فقد كتب عن الاحتفال في شهر رمضان، فقال أن طعام الصائمين في الليل الكسكسي بالزيت، يضاف إليه اللحم المقلي والفواكه، وبعد الفطور ينصرفون إلى سماع الموسيقى طيلة شهر رمضان، ويتسلون بمشاهدة الرقص والعروض المسرحية والهزلية المتنوعة كعروض القرقوز.(30)

*احتفالات عيد الفطر:

يعرف عيد الفطر عند الأتراك العثمانيين بـ "قربان بيرام"، ويقوم المسلمون على اختلاف أجناسهم بالمدينة الجزائرية بالاحتفال بهذا العيد مباشرة بعد إتمام شهر الصيام، وتتجلى أشكال الاحتفال في ارتداء المسلم الساكن بالمدينة أجمل ثيابه عكس الريفي الذي لا يأبه بالثياب الجديد ويسمى عند الجزائريين بالعيد الصغير أي عيد الأطفال. وفي هذا اليوم، تقدم الهدايا للأطفال التي غالبا ما تكون في شكل نقود.(31)

وذكر فاغنر أن فرقا زنجية تجوب أحياء المدينة عازفة أنغاما موسيقية صاخبة، بواسطة الطنابير والصفائح الحديدية، وموسيقاهم ذات إيقاع همجي،  وتصاحبها حركات الفنانين السود، وتمثيلهم الصامت واهتزازات أجسادهم، منتظرين نقودا يهديها لهم الناس. وكان هؤلاء السود هم أنفسهم الذين يوقظون الداي بمدينة الجزائر من نومه صبيحة العيد، ويعزفون موسيقاهم في قصر القصبة.(32)

ويرتدي المسلمون في أيام العيد، الثلاثة، أجمل ما لديهم من ألبسة، خاصة الأطفال، ويشير فاغنر إلى أن احتفالات العيد أيام العثمانيين كان يشوبها الإهانات والمعاكسات ضد اليهود والمسيحيين الذين لا يبرحون منازلهم، وكان السكان يرهبون من رجال شرطة المدينة، فالمرح والبهجة حملت في ثناياها حذرا  (33).

*الاحتفال بعيد الأضحى:

يدعوه الأتراك العثمانيون بعيد القربان "بيرامي"، وذكر سبنسر أن الاحتفال بعيد الأضحى يتم بدءا من إطلاق نيران البنادق بكثرة، عند بزوغ الفجر، ولما تقام صلاة العيد تفتح أبواب قصر الداي على مصراعيها، للعامة، ويقدم الكسكسي المطبوخ، لكل الحاضرين. ثم يستعد الداي لاستقبال تهاني وهدايا أعضاء حكومته وممثلي الحكومات الأجنبية المقيمين في مدينة الجزائر، ثم يقود وجهاء المدينة وأوجاقها وسكانها إلى جامع الحواتين، حيث يقع ذبح الأضحيات، تحت وقع طلقات البنادق وموسيقى الفرقة العسكرية.(34)

وعن تجاوب وتنظيم نظام الداي مع الاحتفال بالعيدين الإسلاميين: عيد الفطر وعيد الأضحى خلال كل سنة، كتب وليام شالر ما يأتي: " وعيد الفطر...مثل عيد الأضحى ...مناسبة جليلة تعلنها طلقات المدافع المدوية ويطلق المسلمون فيها العنان للفرح والسرور. وفي هذه المناسبة تجري ألعاب شعبية وتصفف موائد الطعام في القصر وفي كل مكان".(35)

واقتضت بروتوكولات نظام الداي أن توجه الدعوة إلى قناصل الدول الصديقة والمستقلة، وكذا رئيس الطائفة اليهودية بالجزائر،  للمشاركة في الاحتفالات، في وسط الجماهير من أجل تقديم تحياتهم وتهانيهم إلى الداي، بمصافحة يده والانحناء أمامه.(36)

ب-الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية:

* الزواج الإسلامي في المدينة:

تطرق شالر إلى عادة الزواج في المدينة بين المسلمين، وقال أن أغلب الرجال المسلمين يكتفون بزوجة واحدة، تلحق بها عددا من الإماء، والقليل منهم يعددون زوجاتهم.(37) وذكر سبنسر وشالر، أن حفلات الزواج بالمدينة الجزائرية خلال العهد العثماني تختلف حسب الظروف المالية للعائلات، وكلهم استقوا معلوماتهم عن عادة الاحتفال بالزواج الجزائري انطلاقا من عائلات برجوازية حضرية بمدينة الجزائر، وكلاهما بينا دور الأمهات والعلاقات النسوية في التخطيط للزواج وعقده، فشالر وليم، يرى أن النساء يلتقين في زيارات متبادلة للبيوت، أو في الحمامات العمومية، التي يتردد عليها النساء كثيرا، ويستغرقن عدة ساعات متوالية في الحديث الممتع، من بينها أحاديث الزواج والشباب والشابات.

أما وليم سبنسر فقد كتب معلومات عن عرف التوسط في الزواج بين الشاب والشابة، وقال أنه عادة ما يتم على يد امرأة متقدمة في السن، تربطها علاقة قرابة أو صداقة بين عائلة العريس وعائلة العروس، لكنه ركز في مجال التوسط على السيدات المتزوجات المتوسطات في السن، وذكر أنهن يزرن بيوت العائلات اللائي لهن بنات في سن الزواج، ويستعلمن عن أحوالهن الشخصية التي قد تفيد العائلات اللائي تردن تزويج أولادهن الشباب، كما يمكن أن تقدم النساء الزائرات معلومات اقتصادية عن عائلة العروس بإيعاز من عائلة العريس.(38)

    وذكر سبنسر أن الزوج، يقوم بجولات في نواحي مدينته قبيل حفل زواجه، لتكون الجولة الأخيرة في يوم زفافه، يحمل سيفا رفيعا، ويرتدي جلبابا أحمر، وخمارا ملقى على وجهه اعتقادا منه أن ذلك يحول بينه وبين الشيطان، وخلال الثلاثة أيام للحفل، يؤخذ العريس إلى الحمام إلى أن يلتحق بزوجته. أما الزوجة فتنتقل إلى بيت زوجها على ظهر حصان، تمتطيه في هودج ويرافقها أهلها وصديقاتها حاملين المشاعل والمزامير والطبول.(40)

ويبدو أن سبنسر استقى أخبارا عن ذهاب العروسة إلى الحمام وكيفية الاحتفال باستحمامها، لكن يظهر أنه التبس عليه الأمر فأخلط بين استحمام المرأة العادي الأسبوعي باستحمام المرأة العروس بعد أيام معدودات من زفافها، وعليه ذكر سبنسر أن استحمام العروس يختلف قليلا عن استحمام الرجل ولعله كذلك العريس، فكتب مقطعا نلخصه فيما يأتي:

-تمر المرأة على نفس مراحل البخار التي يمر بها الرجل.

-تغسل جسدها مستعملة ماء الزهر.

-تبخ خادمات الحمام عليها بالمسك والعطور الأخرى.

-تصبغ حاجبيها وتلبس ثيابها ثم تتناول مشروبا محلى وفاكهة وجوزا وحلويات أخرى في جو موسيقي ورقصات لفتيات.(41)

وكتب موريتس فاغنر –الرحالة الألماني- عن أعراس الجزائريين وقد حضر حفلة عرس عربي بمدينة الجزائر وحفلة عرس كرغلي في مستغانم وحفلة عرس تركي في عنابة، ويصف الحفلات بأنها كانت كلها متشابهة، وسجل لنا الملاحظات التالية:

-تقدم في حفلات الأعراس، الكسكسي والخروف المشوي والفواكه المختلفة، خاصة البطيخ والتمر والبرتقال،  الذي يوجد في مدينة الجزائر طوال السنة تقريبا، وفي النهاية تقدم القهوة ويستمر تقديمها حتى الصباح، وذلك أثناء مشاهدة عروض فنية.

-يحضر العرس، موسيقيون ومغنون، يقودهم موسيقار الداي، الذي يقوم بالدور الأول حيث يحدث الحاضرين طورا ويغني طورا آخر، أما الراقصات فهن -حسب فاغنر - من بنات الشارع، وغالبا ما يرتدين ثيابا فاخرة، ويمارسن مهنتهن لقاء بعض المال.(42)

4-عادات أخرى:

* ارتياد المقاهي:

ما ميز الحياة الاجتماعية بمدينة الجزائر العثمانية وغيرها من مدن البلاد، ارتياد سكانها المقاهي(44) التي اعتبرت مكانا يلتقي فيه المعارف لشرب القهوة والتمتع بنغمات الموسيقى الأندلسية وعرائس القراقوز في كثير من الأحيان، وبالتالي الترفيه عن النفس وصد السأم .

كثرت المقاهي الشعبية بمدينة الجزائر خلال العهد العثماني، وذكر موريتس فاغنر في أوائل الاحتلال الفرنسي أن المقاهي العربية بالمدينة من الأماكن التي تتيح للأجنبي أن يتعرف على الجزائريين، ويتعلم تعابيرهم الشعبية، وقد يرتادها كثيرا، الحضر والأتراك، وكلهم يجدون في المقهى ملاذهم للحديث الممتع، إلى جانب العناصر الزنجية والعناصر البرانية وحتى سكان الفحوص من أهل الريف، ويقدم الندل، وهم من أبناء الحضر الذين لا تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة، بلباسهم النظيفة، لهؤلاء الزوار القهوة في فناجين خزفية فوق صحون من الصفيح، ويوضع فيها مسحوق من السكر، وعادة ما يدخن الجزائري وهو يشرب القهوة .

ويظهر أن العادة قد استمرت في العهد الفرنسي فيما يخص عزف مقاطع موسيقية في المقاهي الكبيرة، من طرف فرق جوق موسيقي تستعمل الناي والقيتار والرباب وغيرها، وعادة ما تكون الموسيقى هادئة ورتيبة يتجاوب معها مزاج رواد المقاهي.(45)

* دفن الموتى المسلمين:

ذكر لامبير Lambert الفرنسي أن لما يتوفى المسلم يقوم أهله بغسله وكفنه بأغطية ثم وضع حايك على جثته، وإحاطته بحزام على مدار كليتيه، وعند اقتراب صلاة الظهر يحمل الميت في تابوت على أكتاف أربعة رجال وتسير الجنازة في قافلة من الأشخاص مشيا على الأقدام بخطى متوازنة، وكانت النساء تمشين خلف الرجال ويمنعن من البكاء والعويل.

تتجه الجنازة إلى المسجد، وبعد إتمام صلاة الظهر يعلن الإمام صلاة الجنازة، على المصلين، وبعد ذلك تسلك الجنازة طريقها إلى المقبرة لدفن الميت في قبره ذي الشكل المستطيل. ويوضع الميت على جهته اليمنى ورأسه نحو القبلة ويده اليمنى عند أذنه اليمنى التي يرقد عليها، ثم يوارى عليه التراب. ويتم تعيين القبر بأحجار عند رأس الميت وعند قدميه ولا يوجد عند القبر كتابة تدل على اسمه وتاريخ وفاته ولا يمكن تمييزه عن بقية القبور، لكن في موضع آخر يكتب أن اسم الميت وآيات قرآنية، تنقش على القبر.(50)

*الحزن على الميت:

وبناء على ما تقدم تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء المستشرقين الذين كتبوا عن عادات وتقاليد مجتمع الجزائر العثمانية، كانوا موضوعيين في وصفهم لأسلوب معيشة الأفراد، فهم أمام مجتمع غريب عنهم، ومتميز عن مجتمعهم الأوربي والأمريكي في الغذاء والملبس والاحتفالات وغيرها، لذلك كانوا يكتبون بدقة ومصداقية وهذه هي نزعة من يكتشف الجديد، أضف إلى ذلك كان عليهم أن ينقلوا ما هو حاصل وواقع داخل مجتمع الجزائر العثمانية لبني جنسهم، ليتمكنوا من تحديد العلاقات بين الجزائر والغرب،  إلا أن هذه الموضوعية والمصداقية والدقة في الوصف قد تكتنفها ثغرات تترجمها تلك الانطباعات التي تتخلل الوصف والتي قد تكون انطباعات مجحفة، فمثلا قد ذكر سلفا..         

الهوامش


(1)   شالر، وليام. مذكرات وليام شالر قنصل أمريكا في الجزائر 1816-1824. تعريب وتعليق وتقديم اسماعيل العربي، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982. ص 87.

(2)  هاينريش، فون مالتسان.ثلاث سنوات في شمال غربي افريقيا. ترجمة: أبو العيد دودو، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1976، ج1، ص.227.

(6)  هاينريش، فون مالتسان. المصدر السابق، ج3، ص 59.

(7) Dentu, A.G. l’Histoire et les révolutions d’Alger. Imprimerie- Librairie de G-A, Dentu, Paris, 1838.p.10.

(8)  De Tassy, Laugier. Histoire du Royaume d’Alger. Eds Loysel, Paris, 1992.  P.59.

(9)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص 86.

(10)  يقصد بالبلغ:  البلاغي أي الأحذية الخاصة بالنساء.

(11)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص 89.

(12)  نلفت الانتباه أنه لا يوجد في الجزائر العثمانية نساء تركيات لأن الهجرة التركية نحو الجزائر طيلة العهد العثماني كانت مقتصرة على الرجال فقط في إطار المهام العسكرية، لهذا يوجد نساء أتراك وهن إما عربيات أو أمازيغيات.

(13)  سبنسر، وليم.المرجع السابق، ص.90.

(14)  شالر، وليم. المصدر السابق، ص 83.

(15)  Rozet, M. Voyage dans la régence d’Alger. Arthus Bertrand, Librairie Editeur, Paris, 1833,Tome II. P.293.

(16)  اليطغان: السيف الحاد من الجهتين ليكون أكثر فاعلية.

(17)  شالر، وليام. المصدر السابق، ص 83.

(18)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص 87.

(19)  المرجع نفسه، ص 89.

(20)  هاينريش، فون مالتسان. المصدر السابق، ج1، ص57.

(21)  شالر، وليام. المصدر السابق، ص 86.

(22)  المصدر نفسه، ص 85.

(23)  هاينريش، فون مالتسان. المصدر السابق، ج1، ص 137.

(24)  المصدر نفسه، ص ص 57-58.

(25)  شالر، وليم. المصدر السابق، ص 80.

(26)  Laugier De Tassy. Op. cit, p.57.

(27)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص ص 84-85.

(28)  Laugier De Tassy. Op.cit, p.57.

وفي هذا الصدد ذكر وليم سبنسر حرية نساء اليهود بين العامة، حيث يجلسن باستمرار عند باب منازلهن على الحصير أو الزربية، وهن قليلات العناية بأولادهن، وقد يقصدن عادة الأماكن التالية: المعابد للتدين- السحرة والمشعوذون- المدافن أو المقبرة اليهودية، والحدائق المجاورة.

(29)  هاينريش، فون مالتسان. المصدر السابق، ج3، ص 63.

(30)  أبو العيد دودو. الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان 1830-1855. الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1989. ص 119.

(31)  هاينريش، فون مالتسان. المصدر السابق، ج3، ص 66.

(32) ونعتقد أنهم كانوا يعزفون أمام قصر الجنينة قبل 1817م مثلما يفعلون ذلك في الأماكن الأخرى، ويتلقون عليها الهدايا.

(33)   أبو العيد، دودو. المرجع السابق، ص ص 118-119.

(34)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص ص. 118-119.

(35)  شالر، وليام. المصدر السابق، ص 67.

(36)  المصدر نفسه، ص 67.  وكان القناصل في عهود ماضية يقبلون يد الداي كلما وقفوا أمامه ثم تراجعوا عن هذا التقليد لما يحمله من إهانة في نظرهم، فتحولوا إلى المصافحة والانحناء أمام الداي، وبعض القناصل يلتمسون العذر من الداي ولا يحضرون الاحتفالات.

(37)  شالر، وليام. المصدر السابق، ص8 وقد وافقه في ذلك موريس فاغنر. أنظر أبو العيد، دودو.المرجع السابق،ص 122.

(38)  سبنسر، وليم.المرجع السابق، ص ص 97-98. وأيضا: أبو العيد، دودو. المرجع السابق، ص ص.121-122.

(40)  سبنسر، وليم. المرجع السابق، ص 98.

(41)   المرجع نفسه، ص 96.

(42)   أبو العيد، دودو. المرجع السابق، ص ص 120-121.

(44)   لم يقتصر شرب القهوة مع التدخين بمدن الجزائر العثمانية على المقاهي العامة، بل وجد في كل منزل، وهي عادة تركية الأصل، نقلها العثمانيون إلى الجزائريين.

(45)  أبو العيد، دودو. المرجع السابق، ص ص 112-114.

(50)  L’abbé Edmond Lambert. A Travers l’Algérie, Histoire, Mœurs, et légendes des Arabes. René Haton, Librairie Editeur, Paris, 1884. pp.239-241.