bouchnafi.ht.2
النظام والأمن في مدينة الجزائر أثناء العهد العثماني
من خلال المصادر الأجنبية.
د. محمد بوشنافي.
جامعة سيدي بلعباس.
تتفق المصادر الأجنبية على أن مدينة الجزائر عرفت طيلة العهد العثماني انتشارا للأمن والاستقرار، تجسد من خلال قلة الأعمال الإجرامية وشعور السكان بالطمأنينة، وهذا ما ورد ذكره في مذكرات وملاحظات الأجانب الذين زاروا المدينة، فقد أشار إلى ذلك معاصرو القرن السادس عشر والسابع عشر مثل " هايدو Haedo " و" قراماي Gramaye "، كما ذكره كتاب القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر ومن هؤلاء " فاليير Vallière " الذي أشار إلى قلة أعمال السرقة واللصوصية في المدينة، ويربط ذلك بصرامة العقوبات المسلطة على كل من يقبض عليه متلبسا بجرم مهما كانت طبيعته، كما يرى أن الإنارة الجيدة للأزقة وإغلاق الأحياء ليلا لفصلها عن بعضها البعض بسياج ساهم بدوره في انتشار الأمن(1). ويبدي " باننتي Pananti" إعجابه الشديد بهذا التنظيم حين يقول: " أظن أن النظام الجزائري هو الأفضل والأصلح لأولئك الذين يعيشون في عالمنا المتحضر."(2) أما القنصل الأمريكي " شالر Shaler" فنجده يربط بين سيادة الأمن وحسن تنظيم جهاز الشرطة عندما يقول : " وأنا أعتقد أنه لا يوجد مدينة أخرى في العالم يبدي فيها البوليس نشاطا أكبر مما تبديه الشرطة الجزائرية التي لا تكاد جريمة تفلت من رقابتها، كما أنه لا يوجد بلد آخر يتمتع فيه المواطن وممتلكاته بأمن أكبر."(3)
نستنبط من هذه الملاحظات والأقوال على وجود اتفاق حول ظاهرة انتشار الأمن، والتي يظهر أنها كانت نتيجة طبيعية للسياسة التي انتهجها الحكام والمشرفون على الأجهزة الأمنية في هذا المجال، خاصة فيما يخص نظام العقوبات، والتنظيم المحكم الذي عرفته الشرطة الحضرية التي أوكلت مهمة الإشراف عليها إلى عدد كبير من الموظفين، مما أدى إلى تداخل في الصلاحيات وربما كانت غاية ذلك مضاعفة الأجهزة الأمنية، إلا أن ذلك تم دون محاولة لإيجاد انسجام فيما بينها وتحديد مهام كل جهاز والمشرف عليه.
نجد أن هذه المصادر كثيرا ما تربط بين سيادة الأمن والنظام وصرامة العقوبات وقسوتها التي تنفذ ضد كل شخص يتجرأ على مخالفة القانون أو ارتكاب جريمة مهما كان نوعها أو طبيعتها، فمسؤولو الايالة أولوا أهمية قصوى للقضايا الأمنية ومحاربة كل أنواع الجرائم التي كانت المدينة عرضة لها، ذلك أن المجتمع الجزائري بمختلف انتماءاته، سواء الأتراك أو الحضر أو اليهود والمسيحيون، عرف انتشار أنواع من الجرائم والجنح، مما تطلب مواجهتها ومحاولة الحد منها بتطبيق أشد أنواع العقوبات، والتي تراوحت بين دفع غرامة مالية أو الضرب إلى الإعدام بالحرق والشنق، وقد أوكلت مهمة النظر في هذا النوع من القضايا والحكم فيها إلى الباشا أو أحد موظفيه. كما أن طبيعة العقوبة ارتبطت بالانتماء الطائفي للمذنب، فالجنود الأتراك منحت لهم بعض الامتيازات ومنها أنهم كانوا يعاقبون سرا في دار آغا الانكشارية بعيدا عن أعين الناس، حتى يحافظوا على هيبتهم، في حين أن باقي السكان كانوا يعاقبون علنا، خاصة عند باب عزون الذي كان مخصصا لتنفيذ حكم الإعدام في حق المذنبين من الحضر، أما باب الواد فكان مخصصا لحرق اليهود.(4)
على العموم، تطنب المصادر الأجنبية في الحديث عن العقوبات وقسوتها، كما تعتبرها خالية من الإنسانية، فهي تجعل المذنب يئن تحت وطأتها، ويعاني ن شتى أشكال الآلام والعذاب قبل أن يلقى مصيره المحتوم، فهي تطلعنا على عقوبات تجعل صاحبها يعاني أياما قبل موته، ومنها تعليق المتهم في خطاطيف على جدار باب عزون أين يبقى معلقا حتى الموت (5)، غير أننا لسنا ندري ما مدى مصداقية هذا النوع من العقاب، لأننا لا نعثر على إشارات حوله في مصادرنا المحلية، حيث اقتصر ذلك على المصادر الأجنبية فقط.
من العوامل التي ساهمت في سيادة الأمن والنظام إضافة إلى ما سبق ذكرهن تطلعنا هذه المصادر أن مسؤولي الايالة كانوا يلجأون إلى إشراك السكان في هذه المهمة، حيث أن القاطنين في كل حي من أحياء المدينة كانوا مسؤولين على كل السرقات والمخالفات التي ترتكب ضمن حدود حيهم، مما جعلهم في حالة يقظة دائمة للإعلام عن كل محاولة سرقة تحدث في الحي (6) إلى جانب القبض على المتهم ونسليمه إلى الجهات المختصة. ويظهر أن هذا التنظيم ساهم في إيجاد وسيلة أمن فعالة تدعم جهاز الأمن الرسمي الذي كان يسيره عدد من الموظفين.
من الملاحظات التي تسترعي الانتباه عند الحديث عن الأمن في مدينة الجزائر، تلك الإجراءات التي خضع لها الأجانب الوافدين إلى المدينة، بغرض حمايتهم والمحافظة على سلامتهم ما داموا مقيمين هناك، وتحكمت في ذلك مجموعة الاتفاقيات التي وقعتها حكومة الايالة مع كثير من دول أوربا، فكان الداي المسؤول الأول للنظر ومعالجة هذا النوع من القضايا، وينص القانون على أنه في حالة تعرض أحد الرعايا الأجانب لتجاوزات مهما كان نوعها، فإن قنصل بلده يحضر أمام الداي ويقدم شكوى رسمية، فما يكون أمام هذا الأخير إلا أن يأمر الخوجة المكلف بتسجيل الاتفاقيات بقراءة بنود الاتفاقية، فإذا تأكد من وجود تجاوز في حق الرعية فإنه ينصفه، أما إذا وجد العكس فيرفض شكواه باعتبارها غير مؤسسة (7) وهكذا تحل المشكلة في فترة وجيزة وبإرضاء كل الأطراف. كما كانت قوانين الايالة تنص على أن كل شخص أجنبي يزور مدينة الجزائر يتوجب عليه أولا التوجه رفقة قائد الميناء أو أحد الضباط إلى قصر الداي، وبمجرد دخوله يقبل يده كتعبير عن احتراه وتقديره له، ثم يسأله باللغة الفرنكية(8) ربما بواسطة مترجمه –أي الدرغومان- عن بلده الأصلي وأخباره وسبب مجيئه إلى الجزائر ووجهته وبعدها يمنحه موافقته الرسمية ويسمح له بالانصراف برفقة أحد مترجميه، ويظهر أن هذا الإجراء كانت له أهداف أمنية غايتها الحفاظ على أرواح هؤلاء، والتأكد من هوياتهم ربما خوفا من أعمال تجسسية لصالح دولهم.
من الإجراءات الأمنية الأخرى التي خضع لها الأجانب، كانت منعهم من حمل السلاح أثناء تجوالهم في شوارع مدينة الجزائر خاصة، وشمل هذا المنع حتى القناصل وكبار الضباط، وحسب " تاسي Tassy " فإن ذلك يرجع إلى ضيق الشوارع، وبالتالي فإنه بإمكان أي أجنبي يحمل سيفا أن يلامس به أحد المارة وخاصة الجنود الانكشارية، مما ينتج عنه خصومات ومشاكل(9) عملت حكومة الايالة على تفاديها حتى لا تسبب أزمات ديبلوماسية مع الدول الأوربية خاصة. وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة أن كل السكان المحليين والأجانب كانوا مجبرين على فسح الطريق أمام أي انكشاري يصادفونه في طريقهم حتى لا يتعرضوا للإهانة وحتى الضرب، لأنهم كانوا متأكدين من عدم إنصافهم حتى ولو قدموا شكواهم أمام الداي نفسه.
كان القنصل البريطاني "توماس تومسون Thomas Thopson " عام 1716، قد تعرض لمضايقات من طرف شاب في حالة سكر، وذلك حينما كان متوجها إلى الميناء، وبسبب ضيق الطريق قام الشاب بدفع القنصل معتبرا نفسه الأحق بالمرور لأنه مسلم والقنصل مسيحي، فقام قائد الميناء، الذي شاهد الحادثة، بتقديم شكوى ضد الشاب أمام الداي(10) الذي أصدر في حقه عقوبة شديدة تمثلت في ألف ومائتي جلدة، نفذت في حقه بحضور القنصل، وبعدها تم وضعه في السجن وترك هناك يموت جوعا وعطشا(11)، ويظهر أن هدف الداي من استدعاء القنصل لحضور تنفيذ العقوبة، كان محاولة منه لإرضاء هذا الأخير وتفادي حدوث أزمة في العلاقات بين البلدين بسبب حادثة تسبب فيها شاب متهور في حالة سكر.
وإذا عدنا للحديث عن جهاز الشرطة المكلف بحفظ النظام والأمن في مدينة الجزائر، فيجب علينا أن نبين أن حكام الجزائر آنذاك تأثروا كثيرا بنظام الشرطة الذي استحدثه العثمانيون، وفي هذا الإطار فإن هؤلاء أولوا جهاز الشرطة أهمية خاصة منذ العهود الأولى لتأسيس دولتهم، ويبرز ذلك من خلال إنشاء عدد من الوظائف، من أهمها وظيفة " صوباتشي" التي منحت صاحبها مهمة الإشراف على شرطة المدينة نهارا ويعاضده في ذلك عدد من المساعدين. أما حراسة المدينة ليلا فألقيت على عاتق موظف يدعى "عسس باشي" ويتقاضى مقابل ذلك مقدارا ماليا عبارة عن ضريبة يدفعها أصحاب الدكاكين، أطلق عليهم اسم " عسسية".(12)
إضافة إلى الموظفين السابقين، هناك موظف ثالث يدعى " المحصرآغا" الذي كلف بمهمة القبض على كل جندي انكشاري يرتكب مخالفة مهما كان نوعها. ويشرف على الموظفين الثلاثة موظف سام يدعى " الشاوش باشي" الذي يعتبر المسؤول العام على جهاز الشرطة، ومن صلاحياته استدعاء الموظفين السابق ذكرهم إذا احتاج إلى مساعدة للقبض على أحد المخالفين للقانون أو تنفيذ عقوبة النفي أو المصادرة أو الإعدام في حق المحكوم عليهم. أما تعيين كل هؤلاء الموظفين فكان يتم من بين أفراد الجيش الانكشاري.(13)
أما في مدينة الجزائر، فتقاسم مهام حفظ الأمن والنظام عدد من الموظفين، ويأتي على رأسهم الداي باعتباره المشرف العام على كل الأجهزة الأمنية والساهر على أمن الأشخاص والممتلكات، ووصل الحد ببعض الدايات أنهم كانوا يقومون بدوريات في شوارع المدينة للإطلاع على الأحوال العامة وقمع المخلين بالقانون، ومن هؤلاء الداي ابراهيم باشا (1710)، الذي عرفت الجزائر في عهده القصير مرحلة من الهدوء والطمأنينة، وذلك نتيجة الصرامة التي طبقها في معاقبة الأشرار وأصحاب الأخلاق الفاسدة، في محاولة منه لنشر الأمن وكسب مساندة السكان.
يخبرنا " لوجي دو تاسي" عن هذا الداي أنه بينما كان في أحد الأيام يتجول قرب الميناء، صادف شخصا يخبئ تحت ملابسه سلة من فاكهة المشمش، ولما سأله عن مصدرها، أخبره أنه اشتراها من أحد الأشخاص القادمين على ظهر سفينة من مرسيليا، إلا أنه لم يقتنع بقوله لأن الوضع المادي لهذا الشخص المتهم لا يمكنه من شرائها، وشك بأنه سرقها، حيث تأكدت شكوكه لما سأل ربان السفينة عن ذلك وأخبروه بأن السلة قد سرقت منهم، ونتيجة لذلك حكم على هذا السارق بخمسمائة جلدة بسبب كذبه على الداي وبالشنق على جريمة السرقة.(14)
كما نجد نفس الداي يتنكر في إحدى المرات في لباس عبد، وينزل إلى السوق لمراقبة مدى مطابقة أسعار المواد الأساسية لتلك التي حددتها حكومة الايالة، وذلك بعدما وصلته شكاوى بوجود تاجر يضاعف في الأسعار(15)، ولما تأكد من الأمر بنفسه، حكم عليه بعقوبة خمسمائة جلدة ودفع غرامة مالية قدرها خمسمائة بياستر، ثم استشار أعضاء الديوان في العقوبة النهائية التي يستحقها هذا المذنب، فأشاروا عليه بشنقه حتى يكون عبرة لغيره من التجار.(16)
ونجد إلى جانب الداي عددا من الموظفين المدنيين الذين كلفوا بالسهر على حفظ النظام والأمن في المدينة، ومن هؤلاء موظف يدعى شيخ البلد الذي كان يسهر على السير الحسن والنظام العام داخل المدينة، إذ اعتبر الواسطة بين الداي والسكان المحليين، ولهذا فإن مهمة تعيينه، كانت من اختصاص الداي مباشرة، وكان يشترط فيه أن يكون من جماعة الحضر ومن العائلات العريقة ذات الحظوة والمكانة داخل المجتمع. يعرفه الأسير الألمانب " بفايفر pffeifer" بأنه المسؤول على السكان، وفي معظم الأحيان يكون شيخا طاعنا في السن، يجمع الضرائب ويسلمها إلى الخزناجي(17) بعدما يقتطع منها نصيبا الذي يمثل أجرته، كما أن مصادر أخرى تحاول أن تشبهه برئيس البلدية في إحدى مدن أوربا وربما ذلك لتشابه الوظائف والصلاحيات.
بسبب خطورة منصبه، تعددت وظائف شيخ البلد من قضائية وأمنية واجتماعية واسعة، فنجده يراقب أهل الحرف ويشرف على السير الحسن لمختلف النقابات الحرفية من خلال التنسيق مع أمناء هذه الطوائف وحصر مشاكلهم واحتياجاتهم، ثم يتصل بالسلطات لإيجاد حل لها، كما يقوم بجمع الضرائب بعدما يقتطع نصيبا منها، ويتدخل لحل النزاعات والخلافات التي كانت تنشب من حين لآخر بين أصحاب الحرف كالذي قام به شيخ البلد المدعو سي محمد الفقير عام 1697 لما تدخل لفض النزاع بين جماعة التبانين وجماعة الصباغين، وكان سبب هذا الخلاف عدم الاتفاق بين الجماعتين حول السعر المحدد لبيع الحطب(18) 18، أو تمكن الشيخ سيد أحمد من حل الخصام الذي وقع في أواسط صفر 1167هـ/1753م، بين جماعة الصفارين وجماعة القزادرية حول اقتسام مهام تصليح الأواني الحديدية والنحاسية(19).
كما نجده يسهر على السير الحسن للمدينة، فكان يراقب الأخلاق العامة حيث كان يملك سجنا، خصص للمخلين بالنظام العام وأصحاب الأخلاق الفاسدة، ويشرف على مراقبة عمران المدينة، حيث يدير المرافق والمباني العامة ويعمل على صيانتها وترميم المتضرر منها(20) ، كما يراقب الحارات والأزقة والشوارع في المدينة.
ويراقب شيخ البلد، النساء، فيحتجزهن في سجن خاص يكون تحت مراقبته الشخصية، غير أن هاته النسوة ك ينتمين إلى فئات اجتماعية راقية، غير أنهن ارتكبن أعمال لا أخلاقية تستحق السجن، وهناك تتعرض للعقاب الذي ينفذ سرا بعيدا عن أعين الناس، ويظهر أن الغرض من ذلك، كان الحفاظ على أسرار ومكانة بعض العائلات العريقة. كما كان الباشا يبعث إليه النساء الأجنيبات اللائي يقبض عليهن خلال عمليات جهادية في أعالي البحر، حيث توضعن تحت مراقبة شيخ البلد في انتظار افتدائهن أو بيعهن في سوق النخاسة، ولكن يظهر أنهن لم يكن سجينات، إذ كـان شيخ البلد يسهر على توفير كل ما يحتجن إليه في انتظار افتدائهن (21).
وهناك موظف آخر، نال قسطا كبيرا من اهتمام وتعليقات المصادر الأجنبية ربما لأهمية دوره في هذا المجال، إنه المزوار الذي ذكره " هايدو" في طبوغرافيته من خلال إبراز دوره الخطير داخل المدينة حيث يسهر على حفظ الأمن والمصالح العامة(22)، ويتفق معه " غراماي" حين يؤكد على دوره الخطير والهام من خلال إشرافه على جهاز الشرطة(23)، أما " فونتور دي بارادي venture de paradis" فيعتبره المنفذ للعدالة باسم الباشا، ويجعل منه القائد الأعلى لجهاز الشرطة من خلال حفظ النظام والأمن في المدينة بمساعدة عدد من الموظفين (24).
من المهام الموكلة إلى المزوار، إشرافه على النساء ذوات الأخلاق الفاسدة، فيحصي أعدادهن في سجل خاص بغرض استخلاص الضرائب منهن مقابل السماح لهن بممارسة مهنتهن الوضيعة وتوفير الحماية لهن، وقد أطنبت المصادر المختلفة في الحديث عن هذا الدور الذي يقوم به المزوار، حيث تعطينا تفاصيل دقيقة في هذا المجال.
كان المزوار مكلفا بالإشراف على عناصر الشرطة التي تجوب المدينة ليلا، حيث تساعده فرقة من الحرس المشاة الذين لا يتلقون الأوامر إلا منه مباشرة، حتى أن البعض كان يطلق اسم "قائد الليل". كما كان السكان مضطرون إلى البقاء داخل بيوتهم مباشرة بعد صلاة العشاء، حيث تغلق أبواب المدينة الخمسة وتوضع حواجز تفصل الأحياء عن بعضها البعض، ولهذا كان يمنع على أي شخص الخروج ليلا دون حمل مصباح في يده.
كما وضع تحت تصرفه سجن يقتسمه مع قائد زواوة، المكلف أيضا بالإشراف على دوريات ليلية، وكان هذا السجن يقع بسوق المقفولجية(25). وفيه يتم وضع كل شخص يقبض عليه في حالة تلبس أو ارتكاب إحدى المخالفات، كالسير ليلا في الشارع دون مصباح، فيبقى هناك إلى غاية دفع غرامة مالية تختلف قيمتها حسب طبيعة الجريمة وخطورتها، أما إذا كانت الجريمة خطيرة جدا فإنها تطرح أمام الداي ليحكم فيها(26). كما أن المزوار كان مجبرا على تقديم تقرير مفصل إلى الداي كل صباح، يطلعه فيه عن كل ما حدث ليلا في المدينة(27)، كما أن المزوار كان على إطلاع بكل ما وقع في المدينة نهارا.
كان المزوار كذلك مكلفا بتنفيذ العقوبات الجسدية كالإعدام والجلد على كل مذنب من غير الأتراك الذين لم تكن له أي سلطة عليهم، حيث يمنعه القانون من القبض عليهم أو معاقبتهم، وكانت هذه المهمة من اختصاص آغا الهلالين، فعقوبة الصرب ينفذها أتباعه، أما الإعدام فينفذه كذلك أحد مساعديه يدعى "البورو"، الذي يقتاد المحكوم عليه بهذه العقوبة إلى المكان المخصص لذلك، وهناك ينفذ الحكم إما شنقا إذا كان من السكان الأصليين أو حرقا إذا كان من اليهود(28). وهناك موظفون آخرون يعاضدون المزوار في مهامه وتذكرهم المصادر الأجنبية، ومنهم ضابط يدعى "باش ساقجي" وآخر يدعى" القول باشي" وثالث يسمى" قائد زواوة" من العنصر التركي(29). وبسبب هذه الوظائف فإن المزوار وأتباعه كانوا محل كره من طرف السكان، حيث يذكر "بارادي" أنهم كانوا لا يدفنون في مقابر المسلمين، وإنما في أماكن معزولة، غير أن ذلك تم التخلي عنه فيما بعد، وبقي الكره والحقد لهؤلاء الموظفين من طرف السكان قائما(30).
يشكل المحتسب موظفا ذا أهمية في تطبيق النظام والسهر على السير الحسن للنشاطات المختلفة داخل المدينة، فهو يراقب كل ما يعرض في أسواق المدينة بهدف المحافظة على الأسعار المحددة للسلع الواسعة الاستهلاك والتأكد من مطابقة المكاييل والموازين للمواصفات، ومنع كل أنواع الغش والتزوير كالتطفيف في الميزان أو زيادة السعر بهدف مضافة الأرباح، وتبين لنا المصادر الأجنبية أن العقوبات المفروضة على هؤلاء كانت " جد قاسية ولا إنسانية" كقطع اليد اليسرى ثم تعليقها في عنق المذنب وإجلاسه على ظهر حمار بالمقلوب ثم السير به في شوارع المدينة حتى يكون عبرة لغيره من التجار، أو نزع خصر كل جزار يغش في الميزان (31)، وغيرها من العقوبات القاسية التي لا يمكننا بأي حال الجزم بوجودها إو انعدامها لسكوت المصادر المحلية عن الخوض فيها.
يمكننا ذكر موظفين آخرين كانوا يقومون بمهمة حفظ النظام والأمن داخل المدينة، وورد ذكرهم في معظم كتب الرحالة والأسرى والقناصلة وغيرهم ممن زاروا الجزائر آنذاك وسجلوا ملاحظاتهم، فهناك "كاهية الخزناجي" الذي كان يقوم بدوريات نهارا لمراقبة الحمامات والمنازل والأماكن المشبوهة، وكان يخضع للداي مباشرة (32)، وهناك " القول آغا" الذي يخضع للخزناجي، ويقوم بدوريات ليلية في المدينة برفقة أربعين من أتباعه، فيراقبون الأماكن العمومية كالحمامات والبيوت المشبوهة. (33)
كما يرد ذكر اسم "الجراح باشي" الذي كان يتدخل عند نشوب خصومات ينجر عنها جرح أحد المتخاصمين، فيعالجه ويتقاضى مقابل ذلك نصيبا من الغرامة المفروضة على المتخاصمين، وكثيرا ما كان هؤلاء يدفعون إليه رشوة مقابل عدم إبلاغه عن الخصومة إلى الجهات المختصة. (34)ونجد كذلك موظفا آخر يدعى " القولجي باشي" الذي كان يقوم بدوريات ليلية، فيقبض على أي شخص أو يداهم أي مسكن، تحوم حوله شكوك(35). أما الموظف الآخر فهو " قائد الزوبية" الذي يسهر على نظافة المدينة، وهو بمثابة ضابط في شرطة المدينة (شرطة العمران) من العنصر التركي، يعاقب كل شخص لا يحترم إجراءات النظافة، كرميه للأوساخ في الأماكن غير المحددة لها، فيسلط عليه عقوبة تتراوح بين دفع الغرامة المالية أو الضرب.(36) والموظف الأخير يدعى " قائد القصبة" الذي كان يسهر على أمن المدينة أثناء الليل ويطبق الأحكام الصادرة صد المذنبين.(37)
وساهم أهل بسكرة القاطنين في المدينة إلى جانب الموظفين الذين سبق ذكرهم، في حفظ الأمن ليلا من خلال حراسة الدكاكين والحوانيت، حيث أوكلت هذه المهمة إلى حوالي مائة وخمسين منهم، يخضعون لأمين يمثلهم ويتكلم باسمهم أمام السلطة الحاكمة، وكان هؤلاء بمجرد سقوط الظلام، يتوزعون في الأسواق وعند أبواب المدينة ومداخل الأحياء، وإذا تعرض أحد الدكاكين للسرقة فإن المسؤولية تقع على كل الجماعة، ويضطرون إلى تقديم تعويض للمتضرر بقيمة الأشياء المسروقة وذلك بعدما يقدم شكوى إلى الداي الذي يستدعي أمين البساكرة والحراس المكلفين بحراسة المكان، وإذا تأكد الداي من تواطؤ أحدهم مع اللصوص فإنه يعاقبه بالشنق حتى الموت، حيث يقتاد إلى باب عزون لينفذ فيه الحكم هناك.(38) فكانت نتيجة تلك الصرامة أن ندرت حالات السرقة في المدينة ليلا لما أبداه هؤلاء البساكرة من يقظة وحيطة طيلة مدة الحراسة.
خلاصة القول فإن المصادر الأجنبية ساهمت في إعطائنا صورة مفصلة على ظاهرة انتشار الأمن والنظام داخل مدينة الجزائر في العهد العثماني، حتى أضحت من أ أمن المدن في المنطقة وحتى بالنسبة لمدن أوربا، ويرجع هذا أساسا إلى كثرة الموظفين المشرفين على الأجهزة الأمنية وتداخل صلاحياتهم، كما أن دوريات الشرطة كانت لا تتوقف عن المراقبة ليلا ونهارا داخل الأحياء والأسواق، فأصبحت بمثابة دوريات متنقلة، تقمع كل التجاوزات المرتكبة وتسلط العقاب على أصحابها مهما كان انتماؤهم الاجتماعي والسياسي.
الهوامش:
(1) غطاس، عائشة، الحرف والحرفيون بمدينة الجزائر 1700-1830 (مقاربة اجتماعية اقتصادية)، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الجزائر، 1995-1996، ص 112.
(2) Kaddache, Mahfoud. L’Algérie durant la période ottomane, OPU, Alger, 1998, p 114.
(3) شالر، وليم، مذكرات قنصل أمريكا في الجزائر 1816-1824 (تعريب وتعليق وتقديم العربي اسماعيل)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982، ص ص 77-78.
(4) Venture de paradis (jean michel). Tunis et Alger au XVIIème siècle (mémoires et observations rassemblés et présentés par joseph cuoq), édition sindbad, paris, 1982, p 256.
(5) Renaudot (M). Tableau du royaume d’Alger et de ses environs, état de son commerce, de ses forces de terre et de mer, 2 ème édition, librairie universelle de p. mongie ainé, paris, 1830, p 118.
(6) سبنسر، وليم، الجزائر في عهد رياس البحر (تعريب وتعليق زبايدية عبد القادر)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980، ص 111.
(7) Laugier, de Tassy. Histoire du royaume d’Alger (1724), édition loysel, paris, 1992, pp 140, 141.
(8) يذكر شالر أن اللغة الفرنكية Langua Franca كانت مزيجا من اللغة الاسبانية والفرنسية والايطالية والعربية، واستعملت للاتصال بين الجزائريين والأجانب، أنظر: شالر، وليم، المصدر السابق، ص 39.
(9) Tassy, op.cit, p 70.
(10) Ibid, p71.
(11) Ibid, pp.71-72.
(12) Behrnauer (w). « Mémoire sur les institutions de police chez les arabes, les persans et les turcs ». J.A, Tome 17, Aout-Septembre, 1860, p.115.
(13) Ibid, pp.115-116.
(14) Ibid, p.81.
(15) كانت أسعار المواد الغذائية الأساسية والواسعة الاستهلاك، خاصة الحبوب بكل أنواعها، محددة من طرف الحكومة حتى تبقى في متناول كل الفئات الاجتماعية.
(16) Peyssonnel (J.A). Voyage dans les régences de Tunis et d’Alger, éditions la découverte, paris, 1987, p.230.
(17) بفايفر، سيمون، مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر (تقديم وتعريب أبو العيد دودو)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1974، ص 166.
(18) الشويهد، عبد الله محمد، قانون أسواق مدينة الجزائر (1107-1117هـ/1695-1705م) )تحقيق وتقديم وتعليق سعيدوني، ناصر الدين)، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2006، ص59.
(19) المصدر نفسه، ص84.
(20) Shaw (DR).Voyage dans la régence d’Alger (traduit de l’Anglais par J.Mac Carthy), 2ème édition, édition Bouslama, Tunis, 1980,P167
وكذلك: Tassy, Op, Cit, P235 .
(21) Aperçu Historique, statistique et topographique sur l’état d’Alger à l’usage de l’armée expéditionnaire d’Afrique. Rédigé au dépôt général de la guerre, 2éme édition, Paris, 1830, p154.
(23) -Gramaye, Jean-Batiste. Alger aux XVIe-XVIIe siècle (annoté par Ben Mansour Abd –El Hadi), les éditions du CERF, Paris, 1998, P147.
(24) venture de Paradis. Op.cit, P239.
(25) غطاس، عائشة، المرجع السابق، ص111.
(26) Paradis. Op.cit, P256.
(27) Shaw. Op.cit, P175.
(28) Peyssonnel. Op.cit, P239.
(29) لمزيد من التفصيل راجع مثلا: -Paradis. Op.cit., P257. -Aperçu. Op.cit, P157.
(30) Paradis. Op.cit., P257
(31) Raymond, André. Grandes villes arabes à l’époque ottomane, la bibliothèque arabe, Sindbad, Paris, 1985, PP122-123.
(32) شالر، وليم، المصدر السابق، ص77.
(33) نفس المصدر والصفحة.
(34) Paradis. Op.cit., P258.
(35) Idem.
(36) أنظر بفايفر، المصدر السابق، ص 172. وكذلك: Raymond(A) .Op.Cit,P143
(37) Boutin( C).Reconnaissance des villes, Ports et batteris d’Alger, Publié par Esquer Gabriel, Librairie de la société de l’histoire de France, Paris, 1927, PP.72-73.
(38) لمزيد من التوضيح حول دور جماعة البساكرة راجع:
-شالر، وليم، المصدر السابق، ص ص109-110. Peyssonnel. Op.cit,P141.-- Raymond .Op.Cit,P255.--Tassy .Op.Cit,PP 149 et 203.
