slimani.ht.2

شبهة استشراقية حول جهود المحدثين

في الجرح والتعديل.

  د.  عبد القادر سليماني

   جامعة وهران       

    من الأمور المعلومة بداهة أنه لا سبيل إلى معرفة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث وأخبار إلا عن طريق الرواة والنقلة الذين نقلوا أخباره جيلاً بعد جيل، وطبقة بعد طبقة حتى دونت السنة في الكتب المعتمدة المعروفة .

  ولذلك كان الاطلاع على أحوال هؤلاء الرواة والنقلة، وتتبع مسالكهم، وإدراك مقاصدهم وأغراضهم، ومعرفة مراتبهم وطبقاتهم، وتمييز ثقاتهم من ضعافهم هو الوسيلة الأهم لمعرفة صحيح الأخبار من سقيمها، مما نتج عنه نشوء علم عظيم وضعت له القواعد، وأسست له الأسس والضوابط، فكان مقياساً دقيقاً ضبطت به أحوال الرواة، من حيث التوثيق والتضعيف، ذلك هو " علم الجرح والتعديل " الذي لا نظير له عند أمة من الأمم، حتى عُدَّ هذا العلم من أهم علوم الحديث وأعظمها شأنا، إذ به يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود .  والذي يطالع كتب الرجال والتراجم والجرح والتعديل، يقف مبهوراً أمام هذا العلم الذي لا يمكن أن يكون وضع صدفة أو عبثا، بل بذلت فيه جهود، وفنيت فيه أعمار حتى بلغ قمة الحسن ومنتهى الجودة .

  ولأهمية هذا العلم وأثره في ضبط السنة وحفظها، جاء الطعن فيه من قبل المستشرقين والمستغربين على حد سواء، من حيث أن جرح الرواة وتعديلهم لم يكن مضبوطاً بضوابط معروفة، بل كان قائماً على الفوضى والمزاجية، وبحسب ما تمليه الظروف والأهواء والحظوظ النفسية، فكان للاختلاف المذهبي والطائفي– في زعمهم - أثره في تحامل المحدثين في حكمهم على بعض الرواة، حيث وثقوا من لا يستحق التوثيق، وضعفوا من لا يستحق التضعيف، وبالتالي صححوا أحاديث لم تكن لتبلغ هذه الدرجة، مما يوجب عدم الثقة بمنهجهم في الجرح والتعديل، ورد كثير من الروايات التي أثبتوها بناء على ذلك .

  وقد تولّى هذه المهمة بعض كبار المستشرقين من أمثال المستشرق اليهودي المجري أغناس جولد زيهر - Ignaz Goldziher، (1850م-1921م)[1] ، الذي نشر نتيجة بحثه سنة 1890، بعنوان:" دراسات محمدية " (باللغة الألمانية)- Mohammedanische studien -، وأصبح كتابه في دائرة الاستشراق منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا " إنجيلا مقدسا "، يهتدى به الباحثون . وجوزيف شاخت-Joseph Schakhet ، (1902م-1970 م)[2]، الذي برز، وامضى وقتا غير قليل، أكثر من عشرة سنوات في البحث والتنقيب في معادن الأحاديث الفقهية، ونشر نتيجة بحثه في كتابه الشهير (أصول الفقه المحمدي):-the origins of Mohammadan jurisprudence -، وخلاصة ما وصل إليه من نتائج أنه ليس هناك حديث صحيح، وخاصة فيما يتعلق بالأحاديث الفقهية .

  وصار هذا الكتاب منذ ذلك الوقت " إنجيلا ثانيا "، لعالم الإستشراق، وقد فاق شاخت سلفه غولد زيهر حيث غيّر من نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث، إلى نظرة متيقنة في عدم صحّتها . وقد تبع هؤلاء المستشرقين في هذه الحملة ضدّ السنة النبوية، بعض المستغربين، كأمثال أحمد أمين وأبي رية وغيرهما .

      وهذه بعض أقوالهم على سبيل المثال لا الحصر :

 قال أغناس جولد زيهر-1921م-: " في النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم، والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمة للحكم على استقامة وأصالة الحديث، أو كما يقول المسلمون على صحة الحديث: تختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط ".[3]   وقال شاخت جوزيف - 1970 م -: " ومن المهم أن نلاحظ أنهم أخفوا نقدهم لمادة الحديث وراء نقدهم للإسناد نفسه ".[4]

  ويقول " أحمد أمين " -1373 هـ- في ضحى الإسلام: " إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف فبعض يوثق رجلاً، وآخر يكذبه، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها، ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقاً كالخارجي والمعتزلي، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتصل ببدعته، .... - إلى أن قال -: وبعض المحدثين يتشدد فلا يروي حديث من اتصلوا بالولاة، ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم، وبعضهم لا يرى في ذلك بأساً متى كان عدْلاً صادقاً، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها .... إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها، ومن أجل ذلك اختلفوا اختلافاً كبيراً في الحكم على الأشخاص، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايتهم والأخذ عنهم " .[5]

  ويقول في فجر الإسلام " وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فأهل السنة يجرحون كثيراً من الشيعة، حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه أصحابه وشيعته، إنما يصح أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود، وكذلك كان الشيعة من أهل السنة، فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت وهكذا، ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّله قوم قد يجرحه آخرون، قال الذهبي:" لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف، ولا تضعيف ثقة "، ومع ما في هذا القول من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريج والتعديل ".[6]    وقال  أبو رية - 1970م - : " إن علماء الجرح قد اختلفوا في الجرح والتعديل باختلاف مذاهبهم وأحوالهم ".[7]  ولكي نلقي بعض الأضواء على شبهات هذا الاتجاه المتمثل في الفكر الإستشراقي الإستغرابي.  

  ينبغي أن نقف بداية على مشروعية الجرح والتعديل، بناء على أن قواعد الشريعة العامة تدل على وجوب حفظها على المسلمين، وصيانتها من الدخيل، وبيان أحوال الرواة سبيل قويم لحفظ السنة النبوية .  والجَرح جائز وإن تضمن الغيبة، وهو من فروع قاعدة:" الضرورات تبيح المحضورات"، ويدلّ على جوازه، بل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع . ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ      [سورة الحجرات آية 6]

؛ قال ابن كثير- 774هـ -:" يأمرنا الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له " .[8]

  ومن السنة، رواية عائشة رضي الله عنها، قالت:" استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة "، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟! قال: أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو دعه الناس اتقاء فحشه"[9]، قال القرطبي- 671هـ-: " في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش، ونحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم، واتقاء فحشهم، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى ".[10]

  ومن الإجماع قول الإمام النووي- 676هـ -:" جَرح المجروحين من الرواة والشهود جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة " .[11]

  وقد قام أئمة الحديث بهذا الواجب حسبة لله، وصيانة لدينه، وحفاظاً على سنة نبيه، قال أبو بكر بن خلاد ليحي بن سعيد: " أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله ؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي ؟ ".[12] 

  وقد سئل علي بن المديني - 234هـ- عن أبيه فقال: اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق ثم رفع رأسه، وقال: " هذا هو الدين أبي ضعيف "، وقال أبو داود - 275 هـ- صاحب السنن " ابني عبد الله كذاب"، وقال زيد بن أبي أنيسة- 125 هـ-:"لا تأخذوا عن أخي يحيى".[13]

  فلم يكن الحامل لهم إذاً الأهواء أو الحظوظ النفسية أو غير ذلك من المقاصد السيئة كما زعم المرجفون، ولذلك لم يجاملوا أحداً حتى ولو أقرب الأقربين، فوجدنا منهم من يضعف والده وولده وأخاه؛ فكيف يقال بعد ذلك إن أحكامهم كانت صادرة نتيجة بواعث نفسية ؟

  والأمر الآخر أن ذلك يتطلب من الأهلية والمُكْنة ما لا يمكن أن يصل إليه إلا القلة من جهابذة النقاد والمحدثين، الذين لديهم اطلاع واسع على الأخبار والمرويات وطرقها، ومعرفة تامة بأحوال الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، والأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الوهم والخطأ، مع معرفة بأحوال الراوي وتاريخ ولادته، وبلده، وديانته وأمانته وحفظه وسلوكه، وشيوخه وتلاميذه، ومقارنة مروياته بمرويات غيره إلى غير ذلك .

  وهي منزلة لا يصل إليها كل أحد، وليس أدلَّ على ذلك من أن رواة الأخبار كثيرون يعدون بالألوف، وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل لا يتجاوزن أصابع اليد في كل طبقة، وهؤلاء الأئمة الذين بلغوا هذه المرتبة لم يبلغوها إلا بعد استيفائهم للشروط التي تؤهلهم للتصدي لهذا الأمر .

   وقد وضع العلماء لهذا العلم قواعد وضوابط، فتكلموا في شروط قبول الجرح والتعديل، وألفاظهما ومراتبها، وكيف يثبت تعديل الراوي وتجريحه، وما هو العمل إذا تعارض الجرح والتعديل ؟ إلى غير ذلك من المباحث والقواعد المبسوطة في كتب المصطلح وعلوم الحديث.

  وإلى جانب العلم والتقوى والورع والصدق، فقد اشترطوا في الناقد جملة من الشروط، يجب أن تتوفر فيه، ليتمكن من تجريح أو تعديل الرواة، أذكر بعضا منها:

  -ألا يكون مجروحا في نفسه .

  -وأن يكون عارفا بأحوال الراوي وشيوخه .

  -ومجانبا للهوى والعصبية والغرض الفاسد .

  -وعالما بأسباب الجرح والتعديل .

  -وأن يتميز باليقظة والفطنة العلمية .

  -وطول البحث وكثرة التنقيب .[14] 

  وأما اختلاف الأئمة في الرواة بين مجُرِّح ومُعَدِّل: فمردُّه إلى اختلاف الأنظار، وتباين الاجتهاد في أحوال الرواة حفظاً ونسياناً، ووهماً وضبطاً، كما تختلف آراء المجتهدين في الأحكام الفقهية، والمسائل الفرعية .

  قال أبو عيسى الترمذي-279 هـ -: " وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم " .[15] 

  وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -728هـ-:" وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم ".[16]

  وقال الخطيب البغدادي- 463 هـ-:" ومذاهب النقاد للرجال غامضة ودقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبا لرد الحديث ولا مسقطا للعدالة ".[17] 

  فالمحدثون يستعملون سائر الشروط المقررة عندهم، ولكنهم يتفاوتون في تطبيقها، بين متشدد ومعتدل ومتساهل، تبعاً لتطبيق هذه القواعد،ضمن اجتهاداتهم الخاصة .

  يقول الإمام الذهبي - 748هـ- مبيناً أقسام المتكلمين في الرجال، وكيفية التعامل مع أقوالهم، أن النقاد انقسموا إلى أقسام:

  1-قسم متعنت في التجريح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه، فهذا إذا وثَّق شخصاً فعُضَّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق ، فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متشددون .

 2-وقسم متساهل، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي .

 3-وقسم معتدل كالبخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي  وغيرهم ... ".[18]

  وبذلك ندرك أن اختلاف المحدثين ناشئ عن تعدد اجتهاداتهم كما هو الحال بالنسبة للفقهاء، ولكن هذا الاختلاف لا يجوز أن يتخذ وسيلة للادعاء بتعذر الحكم على الرجال، وإضعاف الثقة بمنهجهم، فهم وإن اختلفوا في بعض الأسباب فقد اتفقوا في كثير منها .

  وأما الاستدلال بعبارة الذهبي - 748هـ- التي قال فيها:"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن، على توثيق ضعيف، ولا تضعيف ثقة "، فهو استدلال في غير موضعه، وفهم على غير مراده، فقد فهم " أحمد أمين " من العبارة أنه لم يتفق اثنان على توثيق رجل ولا على تضعيفه، بل من يوثقه هذا يجرحه ذاك، والعكس بالعكس .

  وهو خلاف المقصود من العبارة عند تدقيق النظر، فإن الإمام الذهبي - 748هـ- ، بعد أن تكلم عن مسائل في الجرح والتعديل، واختلاف الأنظار في ذلك، قال : " ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع علماؤه على ضلالة لا عمداً ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلافهم في مراتب القوة، أو مراتب الضعف، والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده، وقوة معارفه، فإن ندر خطؤه في نقده، فله أجر واحد والله الموفق ".[19]

  فعُلِم من ذلك أن مراده أن علماء هذا الشأن متثبتون في نقد الرجال، فلم يقع منهم أن اختلفوا في توثيق رجل اشتهر بالضعف، ولا في تضعيف رجل عرف بالصدق والتثبت، وإنما يختلفون فيمن لم يكن مشهوراً بالضعف أو التثبت، فلن يختلف اثنان مثلاً في توثيق مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك وأمثالهم، ولن يختلف اثنان في جَرح محمد بن سعيد المصلوب وأمثاله، وإنما يختلفون في متوسط الحال كمحمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير، والحارث الأعور فيتشدد فيه بعضهم، ويقبله آخرون لتعدد جهات الضعف عندهم، واختلافهم في بعض أسبابها .

    وأما الادعاء بأن الاختلاف المذهبي والطائفي كان له تأثير على الحكم على الرواة وتجريحهم: فإن أهل السنة لم يكونوا يجرحون مخالفيهم من أهل الأهواء والبدع إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر، أو وقوع في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يكون داعية إلى بدعته .

  لأن الداعية قد يحمله تزيين بدعته على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، أو لم يكن داعية ولكن حديثه موافق لما يدعو إليه، ويرون في ذلك كله ما يشكك في صدقه وأمانته، فالخلاف في التجريح بين أهل السنة وغيرهم راجع في الحقيقة إلى الشك بصدق الراوي وعدالته وضبطه لما يرويه، وليس إلى مجرد الخلاف المذهبي الطائفي، وهي قاعدة ثابتة عند المحدثين.[20] 

  ولذلك وجدنا أصحاب الكتب الستة، وفي مقدمتهم الشيخين، يحتجون بأحاديث جماعة من المبتدعة الثقات في كتبهم ماداموا مستوفين لشروط الرواية، فقد حدَّث البخاري -256 هـ- عن عباد بن يعقوب الذي كان يقول فيه ابن خزيمة- 255هـ-: " حدثنا الصدوق في روايته، المتهم في دينه عباد بن يعقوب"، واحتج بمحمد بن زياد الألهاني، وحريز بن عثمان الرحبي، وهما ممن اشتهر عنهما النصب، وعمران بن حطان الخارجي، وأبان بن تغلب الذي قال فيه الذهبي- 748هـ-:" شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته "[21]، وهذا ليس فيه تفسير، سوى أنه قمة في العدل والإنصاف.

  وجملة القول: فيُعلم مما سبق أن المحدثين لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم، وتصحيحهم وتضعيفهم، من الأهواء والأمزجة، وإنما انطلقوا من قواعد متينة وأسس صلبة، فاشترطوا في الجارح شروطاً عالية، ومؤهلات دقيقة، وجعلوا لذلك آداباً وأحكاماً، وجوزوه بقدر الحاجة، ولم يقبلوا منه إلا ما كان موافقاً للأصول والقواعد، فجاءت أحكامهم في منتهى الدقة والنزاهة، فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء.

الإحالات :

[1] - اغناس جولد زيهر، -Ignaz Goldziher -:(1850 -1921م)، ولد لأسرة يهودية، درس في بوادبست ثم برلين ثم انتقل إلى جامعة ليبسك والتحق فيها بقسم الدراسات الشرقية، رحل إلى القاهرة وسوريا وحضر بعض الدروس في الأزهر، عمل في جامعة بودابست في مجال الدراسات العربية والإسلامية، أصبح أستاذاً للغات السامية عام 1894م . كتب كثيراً حول الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً،وكان له تأثير في الدراسات الاستشراقية حتى يومنا هذا حيث انتشرت كتبه في مختلف اللغات الأوروبية، وما تزال جامعة برنستون مثلاً تقرر كتابه دراسات إسلامية في مناهج قسم دراسات الشرق الأدنى حيث قامت الجامعة بنشر ترجمة جديدة لهذا الكتاب مع تعليقات المستشرق برنارد لويس ، وقد رد عليه كثير من المسلمين ومن أبرزهم الدكتور مصطفى السباعي في كتابه " السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي".

[2] - جوزيف شخت- Joseph Schakhet-:(1902-1970 م) مستشرق هولاندي من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ولد في مدينة راتيبور, بألمانيا، ودرس اللغات الشرقية وتخصص بالعربية، ونال الدكتوراه في الفلسفة عام (1923) ودرّس اللغات الشرقية بجامعة فرايبورغ (1927) وانتقل إلىَ جامعة كونكسبرج (1932) وفي عام(1934) عين أستاذاً لتدريس اللغات الشرقية في الجامعة المصرية، وعمل في وزارة الاستعلامات البريطانية (1939 - 1945) وتجنس بالجنسية البريطانية، ودرّس في جامعة أكسفورد، وجامعة الجزائر، فجامعة ليدن (بهولندة) (1954- 1959) ثم في جامعة كولومبيا بنيويورك، من أعماله في خدمة العربية تصحيح كتب للخصاف ولمحمد بن الحسن الشيباني وللقزويني، وجزأين من الشروط الكبير للطحاوي، وكتاب جالينوس في  الأسماء الطبية من ترجمة حنين،وكتب اُخرىَ في الفقه والفلسفة والطب، وله مؤلفات باللغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية في تاريخ الأدب العربي و الفقه الإسلامي .

[3] - إغناس جولدتسيهر، دراسات محمدية، (ص:500)، وأنظر أيضا (ص:508-509)، ترجمة الدكتور الصديق بشير نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الإستشراق، لندن (دت)..

[4] - يوسف شاخت، أصول الفقه المحمدي، ترجمة إبراهيم خورشيد وآخرين (ص:64)، بيروت: دار الكتاب اللبناني 1981م.

[5] - أحمد أمين، فجر الإسلام، (217-218)، مكتبة النهضة المصرية ، ط7، 1959.

[6] - أحمد أمين، ضحى الإسلام ، (2/130)، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، ط3 ، 1952.

[7] - محمود أبو ريّة، أضواء على السنة النبوية، (ص: 305)، دار المعارف، القاهرة، ط6، (دت): وأبو رية هو من علماء مصر المحققين البارزين ، وقد جمع بين الدراسة المدنية بالمدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الدينية، من آثاره " عليّ وما لقيه من أصحاب الرسول ـ مخطوط"، و"أضواء على السنة المحمديّة"، طبع ثلاث مرات و" أبو هريرة شيخ المضرة"، طبع ثلاث مرات، و" السيد البدوي "، وكتاب"حياة القرى "، و"صيحة جمال الدين الأفغاني"،
و" رسائل الرافعي" ،"ودين الله واحد"، (1889م ـ 1970م).

[8] - ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، (4/208/209).

[9] - البخاري في صحيحه، (كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب، ح: 5707، 5/2250) ، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثبر، بيروت، ط3 ، 1407، 1987.

[10] - كما في فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر، 10/256، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب دار المعارف، بيروت ، 179هـ .

[11] - النووي ، رياض الصالحين ، (ص: 576)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط4، 1984.

[12] - الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق د. أحمد هاشم، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1985.

[13] - كما في الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ، للحافظ السخاوي، (ص: 56)، دار الكتاب العربي، بيروت ، (در) 1399هـ

[14] - عبد القادر سليماني، منهج أهل السنة في الجرح والتعديل، (ص: 130)، (رسالة ماجستير في الكتاب والسنة، جامعة باتنة، سنة 1996) .

[15] - ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي ، (ص: 191)، دار الكلمة، مصر المنصورة، ط1، 1998.

[16] - ابن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، (ص:34) ، تحقيق حسين الجمل، شركة الشهاب الجزائر، بالتعاون مع مكتبة التراث الإسلامي بالقاهرة، (در، دت).

[17] - الخطيب البغدادي، المصدر نفسه، (ص: 136).