kaltoum.ht.2
فلسفة الخلاص في المشروع البوذي
د . مروفل كلثوم
جامعة سيدي بلعباس
الإنسان مخلوق ذو بعدين ، ففي لغة البشر يعتبر الطين والوحل رمزا للحقارة والعفونة والتدني ، فالوحل من أحقر موجودات الطبيعة ، وفي لغة البشر أيضا ، يعتبر الله والروح من أرقى الموجودات وأكثرها قدسية ، وفي كل شيء موجود تعتبر الروح أشرف وأقدس مكون فيه .
هذا الإنسان ، الذي هو ممثل الله وخليفته ، خلق من الطين ، ثم نفخ فيه الله من روحه والله هو أرقى موجود ، وروحه هي أرقى مكوّن ، وهكذا نرى الإنسان مصنوعا من الطين ومن روح الله .
إن الله يريد أن يقول لنا بأن الإنسان هو موجود ذو بعدين ، إنّه موجود " ثنائي "، خلافا لكل الموجودات الأخرى التي هي ذات بعد واحد ، إن أحد بعديه هو النزوع للحضيض ، للطين ، فالطين والوحل هما خميرته ، إنه في هذا يُشبه النهر عندما يسير بزخم إلى أن تبقى منه كتل رسوبية خالية من الماء ، فتتوقف هذه الكتل وتتعفن .
أما البعد الآخر للإنسان فهو ينزع للعلاء ، إنه روح الله ، لذلك فإنه ينشد الكمال ويميل للصعود إلى أعلى فأعلى حتى آخر نقطة يمكن تصورها ، الإنسان إذن يحتوي نقيضين: أحدهما الطين والآخر هو الله ، وفي هذا تكمن عظمة الإنسان وسر تطوره ، فالمسافة التي تفصل بين بُعديْه ( الطين وروح الله ) هي المجال الواسع لإرادته ونشاطه ، إنه يتحرك بين هذين القطبين ، وتبقى إرادته هي التي تقرر النزول إلى الدرك …إلى الطين ، أم الصعود إلى الله ، إن الإنسان هو نفسه ساحة للصراع بين هاتين النزعتين ( نزعة الخير ، نزعة الشر ) ، هذا النزاع الداخلي الذي سيفتح عليه أبواب النار، إنها أبواب النزاع الخارجي مع بني جلدته ، فيكون هناك طرف ظالم وطرف مظلوم ، فينشب الصراع الذي يتمظهر في الحروب والاستغلال والاضطهاد ، والآلام فتتوق حينها الفئات المظلومة إلى الخلاص من الظلم والفساد ، والقول بفكرة الخلاص يعني وجود مُخَلِص يُنقذ البشرية من طغيانها وجبروتها ليقودها إلى الراحة والأمان والسعادة .والتاريخ يشهد على تبني جل الشعوب على اختلاف أديانها لفكرة المُخَلِص ، مُنقذ البشرية ، الذي يحمل مستقبل أفضل مما هم عليه ، وهذا بحكم الفطرة التي تتوق إلى مستقبل سعيد .
وعليه فالمنقذون الأسطوريون والأبطال التاريخيون توفروا على الوجود في كل الأمم ، وكل الثقافات ، وقد كان هؤلاء الأبطال في الثقافة والدين منبع الإلهام للمعاني الإنسانية الكبرى لدى الجماهير ، ولدى أجيال الشعوب المتعاقبة .
فالإنسان بطبعه ينتظر الخلاص والنجاة أملا في حياة سعيدة ، هذا الفكر السامي يدعو إلى مجيء شخصية متميزة ومنقذ عظيم غيبي " إنسان ما فوق " أو "ما فوق الإنسان" –عل حسب نيتشه - فيأخذ بيد الإنسان إلى طريق النجاة ، لذا تدعو الأديان -على الدوام الوضعية منها والسماوية- لإتّباع هؤلاء العُظام ، والتوسل بهؤلاء المنقذين المُخَلِصين الكبار ليأتوا ويحرروا الإنسان من السجن الذي يعيشه ، والوضع المأسوي الذي يحياه ، لينقلوا الإنسان من الانحطاط والمادية والجهل والظلم والعبودية والضياع إلى الحرية ، والفضائل ، والكمالات المرجوة ، وهذا فعلا ما نجده في الديانة الطوطمية و الزرادتشية واليهودية والنصرانية والإسلامية ، لكن العكس نلاحظه لدى المذاهب الهندية ، فدعوة هذه المذاهب هي : أن لا ينتظروا خروج المنقذين ، المُخَلِصين ، فليس هناك قوة غيبة ستخرج وتنقذهم ، إنما سبيل النجاة هو أن يذهب الإنسان مع نفسه فيكشف إمكاناتها ، ويبنيها بالرياضة الروحية ، فيصنع نفسه حيث يصبح مؤهلا للنجاة، وبعابرة أخرى : أن يغرق الإنسان في ذاته ويبحث إمكاناتها ، بحيث يبدأ سبيل النجاة من الداخل أي الإنسان يخلص ذاته بذاته.
إذن المذاهب الهندية لا تدعوا الناس للانتظار والاقتداء ، فلا تدعوا لشخصية عظيمة يلزم انتظارها لتُخلِص وتهدي إلى سبيل النجاة ، ولا تدع الإنسان لينتظر مثل هذه الشخصية ، بل توجهه إلى ذاته ، فالخلاص في الذات ومن الذات لا خارجها .وهذا ما حاول إبرازه بوذا الذي كان يؤمن ، ككل الهندوس ، بالتقمص وانتقال الأرواح من بدن لآخر طـلبا للخـلاص الذي يتحـقق بالنيرفانا 1 التي تعني الإخمـاد أو الانطفاء تمهيدا لاتحاد الأنفس بالروح الكلية ، وهي عند البوذيين الإتحاد ببوذا المخلص .
والبوذيون يزعمون " إن زعيمهم بوذا قبل أن يصبح الرجل المستنير تقمصت روحه خمس مائة وثلاثين جسدا منها اثنان وأربعون حالة تقمص في أجساد آلهة، وثمانون حالة في أجساد ملوك و يعتقد البوذيون أن الموت الجسدي لا ينهي وجود الإنسان، فالميت يبعث من جديد في شخص آخر أو في إله أو في حيوان "2
الألم كان المحرك للاهوت بوذا ، فعنده الولادة مؤلـمة ، والمرض مؤلم ، والشيخوخة مؤلمة ، والحزن والخيبة ، والبؤس والبكاء كلها أمور مؤلمة ، وللخلاص من الألم كان على البوذي أن يمارس التخلي عن أناه بكل أبعادها وصولا إلى الخلاص من خلال النرفانا التي تحقق الاتحاد ببوذا، يقول بوذا:«والآن فهذه هي الحقيقة السامية عن زوال الألم ، إنه في الحق فناء المرء حتى لا تعود له عاطفة تشتهي ، إنه إطراح هذا الظمأ اللاهث ، والتخلص منه والتحرر من رقبته ، ونبذه من نفوسنا نبذا لا عودة له »3.
لقد ظلت النرفانا الهدف الأخير للراهب الماهاياني4، لكن الهدف الأول لهذا الراهب كان أن يصـبح بوذيساتفا (المستنير) ، وكـان يتـطلع إلى الحصول على العــون في محاولته بلوغ هذا الهدف من مجمع البوذيساتفا القائمين ، والذين يمكن أن يتقدم إليهم للحصول على هذا العون ؛ فالبوذي الماهاياني كان يأمل في الوصول إلى هدفه المباشر بمساعدة بوذيساتفا ، وهذا لم يكن المقصود منه الوصول إلى النرفانا ، بل الوصول إلى الإقامة في السماء.
البوذي يؤمن بدورة النفس تناسخا في الأبدان في مسعى للتطهر حتى تصل إلى حالة الاستنارة والصفاء، وبذلك تستحق التسامي والرحيل من دورتها في الأبدان لتتحقق لها النيرفانا ، وهي الاندماج الكامل والاتحاد بالمُخَلص بوذا5. وطريق النيرفانا عندهم يمر بالزهد والتغلب عن الأهواء والشهوات ووفق "إنجيل بوذا "، تتحقق النيرفانا لمن سلك الطريق التالي: «الزاهد هو الذي يتغلب على كل رغبة ولذة محتقرا وجوده، فيتقبل دهارما 6 سالكا في هذا العالم حسنا»7.
إذن بوذا ، حسب زعمهم، حلت فيه حقيقة علوية فبات فوق مستوى سائر الناس وتحول عندهم إلى مايسمونه "تتفاتا" ، أي الإنسان الكامل ؛ هذا الإنسان الكامل "بوذا" مارس حضورا بشريا مؤقتا حسب زعمهم، وأن حضوره يمثل الشريعة التي عليهم إتباعها، وليست عندهم شريعة منفصلة عن شخصية بوذا،كذلك من أراد النجاة والخلاص لن يتحقق له ذلك إلاّ إذا سار على الطريق المستقيم المؤدي إلى النرفانا وهي الإتحاد ببوذا الخالد8.
هذا هو مقام بوذا عندهم، فهو الخالد وهو المتأله ، وهو الكامل، وهو الشريعة ، والاتحاد به هو المطلب؛ هذه الفكرة البوذية ستشـكل، فيما بعد، مصدرًا لأفكار عنـد كثيرين منهم ،تطرح الخلود من خلال الاتحاد بشخص فيه حالة تأله، إلاّ أن هذا الاتحاد يستدعي منهجا خاص اقترحه بوذا؛ فكيف تتحدد خطوات هذا المنهج ألخلاصي؟
إن بوذا الذي نادى بمنهج خلاصي ينقذ النفس من دورتها في الأبدان في عملية التناسخ حدد منهجه هذا، وخطوات هذا المنهج الخلاصي غير بعيدة عن مجمل فلسفته التي حركتها الآلام ووجوه الشقاء والموت، وعن الغاية عنده في انجاز إخماد الشهوات وصولا إلى النيرفانا .
إن كل إنسان أراد الخلاص الذي يتحقق بالإتحاد ببوذا ، عليه أن يسلك طريق الاستنارة كبوذا نفسه، وهذا يكون منطلقه توليد حالة وعي وشفافية بحقائق أربع تشكل القاعدة التي يرتكز إليها الإنسان ليتحقق الوصول إلى شخصية الإنسان الكامل الذي يضفر بالخلاص هذه الحقائق تساعد الإنسان الذي ينشد الفضيلة والنبل على إخماد الشهوات وإماتة الذات وتلاشي البدن ،فما هذه الحقائق حسب البوذية، ومن خلال« إنجيل بوذا »؟:
كانت محادثات بوذا تجري في صورة سقراطية من الأسئلة وضرب الأمثلة الخلقية والتلطف في الحوار، إذ كان يسوق تعاليمه في عبارات مقتضبة يرمي بها إلى تركيز أرائه تركيزا يجعلها في صورة من الإيجاز والترتيب بحيث تقر في الأذهان وأحب عباراته التعليمية المقتضبة إلى نفسه هي الحقائق السامية الأربع التي بسط فيها رأيه بأن "الحياة ضرب من الألم ، وأن الألم يرجع إلى الشهوة ، وأن الحكمة أساسها قمع الشهوات جميعا"9: "فالحقيقة المثلى الأولى:"تلك – أيهاالرهبان- هي الحقيقة السامية عن الألم: الولادة مؤلمة، النمو شقاء ، المرض مؤلم، والموت عذاب، وإنه لمن المضني المؤلم أن نجاور ما لا نحب ونرغب فيه ، وإنه لمن الحزن العميق أن نفترق عمن نشغف به حبا ونتحمل العذاب والقهر من أجله10.
والحقيقة المثلى الثانية:تلك – أيها الرهبان – هي الحقيقة السامية عن سبب الألم وسببه الشهوة التي تؤدي إلى الولادة من جديد، والشهوة التي تمازجها اللذة والانغماس فيها ، الشهوة التي تسعى وراء اللذائذ، تتسقطها هنا وهناك شهوة العاطفة ، وشهوة الحياة ، وشهوة العدم وهي سبب الأوجاع.
والحقيقة المثلى الثالثة : تلك – أيها الرهبان – هي الحقيقة السامية عن وقف الألم أن تجتث هذه الشهوة من أصولها، فلا تبقى لها بقية في نفوسنا، السبيل هي الانقطاع والعزلة والخلاص وفك أنفسنا مما يشغلها من شؤون العيش ، ومن يقهر شهواته ويتغلب عليها يُعدّ عضيما ، لأنه يتحرر من القيود فلا يأخذه طمع أو بريق لذة . والحقيقة المثلى الرابعة : تلك – أيها الرهبان – هي الحقيقة السامية عن السبل المؤدية إلى وقف الألم ، والتي سبلها ، سلوك الطريق النبيل ذي الثماني شعب التي تشكل مجتمعة أسس الطريق المكمل للمنهج الخلاصي 11. وتتمثل فيما يلي :
- .سلامة الرأي ( سماديثي SAMMA DITHI )
- .سلامة النية ( سما سنكابا SAMMA SANKAPPA) الحكمة
- .سلامة القول( سما فكا SAMMA VACA)
- .سلامة الفعل (سما كمنتا SAMMA KAMMANTA )
- .سلامة العيش (ساما أجيفاSAMMA AJIVA )
- .سلامة الجهد ( ساما فاياماSAMMA VAYAMA)
- .سلامة الوعي أو الانتباه العقلي ( سما ساتي SAMMA SATI)
- .سلامة التركيز ( سما سماذي SAMMA SAMDHI)"12
فهذا هو الصلاح ،و هذه هي الحقيقة، وهذا هو الدين. إن هذا التعقيب الذي ورد في « إنجيل بوذا » على الممرات الثمانية جاء ليؤكد أن البوذية ليست دينا بالتعريف المعلوم عند الجميع وإنما فلسفة تركز اهتمامها على حياة الإنسان، وكيف يمكن إسعاده ؛ ومن أراد الدين أو الحقيقة أو الصلاح حسب هذا النص، فعليه إتباع هذه الضوابط الممرات الثمانية ، وكلها تدور حول الإنسان المفكر العاقل ونيته وقوله ومعاشه وطاقاته وأنشطته ويلاحظ أن هذه الممرات لم تقرب باتجاه البدن، وما ذاك إلاّ لأن البدن في الفلسفة البوذية لا مكان له ولا أهمية ، وإماتة البدن وإخماد شهواته هي أحد أهداف البوذية . وجون كولر ، أورد تسميات مختلفة لهذه الشُعب الثمانية ، عقب عليها بتوجيه تَرى فيه البوذية سبيل تحقيق لما تنشده . يقول كولر: « ينبغي لألوان السلوك المختلفة في الحياة التي تعمل بهذه المبادئ الثمانية وتُعبر عنها ، أن تمضي بشكل متزامن على نحو أو آخر حيث أن الهدف هو تحقيق حياة مستقيمة من أسمى طراز والعلاقات بين التصرفات الحياتية والمبادئ التي تشكل هذه التصرفات يمكن إدراكها من خلال تأمل الحقائق الثلاث الخاصة بالسلوك الأخلاقي والانضباط الذهني والحكمة التي تشكل أساس المبادئ والتصرفات كافة »13.
العقل والحكمة والسلوك الأخلاقي الفاضل من خلال الحقائق الأربع والممرات الثمانية يقودون الإنسان الذي ينشد الخلاص إلى هدفه. هذا التطهر عماده فكر سليم ، وعقل نير ويقوم انطلاقا من الاختيار الذاتي ، فالإنسان هو الذي يقرر بنفسه سلوك هذا الطريق مخالفا بذلك طريق "مارا" (الشيطان).
وقد آمن الهندوس -قبل البوذيون- هم أيضا بالخلاص وهذا من خلال رياضة روحية تعرف بـ"اليوغا" (YOGA)14 وتعد طريق خلاص النفس من خلال تمارين فيها قسوة على البدن ، وتعويد النفس على الصبر والثبات واليوغا كلمة سنسكريتية معناها "النير"15 وقد سميت كذلك لأنها تخلص النفس من نير البدن ومن نير الشهوات ومنه يمكن أن نعتبر اليوغا طريقة لتربية الإنسان فهي تهدف إلى تحقيق أمل الخلاص والتطهر الكامل من الخطايا التي ارتكبها في حيوا ته السابقة 16 .
هذا الموقف الهندوسي مشابه إلى حد ما الموقف البوذي إلاّ أن البوذيين بالغوا في اعتقادهم ببوذا إلى درجة أنهم اعتبروه ابن الله ، وأنه يحمل عنهم جميع خطاياهم كما يعتقدون أنه سيدخلهم الجنة ، فلما مات بوذا قال أتباعه : صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض وأنه سيرجع ثانية إلى الأرض ليعيد السلام والبركة إليها17.
إن هذا النظام الحياتي الذي يقود إلى الخلاص يعد نظاما يؤسس رهبانية قاسية تغالي في إماتة البدن والهوى، وفي هذا تلتقي البوذية ثانية مع الزرادتشية في مسألة الرجعة و تلتقي مع الرهبانية في المسيحية ، ومع وفد إلى طرق صوفية كثيرة تعتمد هذا النظام بل ذهبوا إلى أبعد من هذا ، فسخ العلاقات الاجتماعية لأن الخـلاص- حسـب زعمهم- لا يكون إلاّ من خلال الفـرار من المجـتمع ، وهجر النمط المعيشي الذي يمارسه الآخرون إلى الغابات والبراري ، فهناك فقط يكون الإنسان قد هجر المطالب الدنيوية فعلا . فالخلاص البوذي هو خلاص النفس من الشهوات أي انتصار النفس الخيرة على النفس الشريرة وهدفه تكوين إنسان مثالي لا عالم مثالي كما نجد ذلك جليا في فكر زرادشت علما أن البوذية لا تؤمن بوجود إله ولا تعد معتنقيها بالجنة لأنه لا يوجد عالما خارج هذا العالم ، فالعالم الذي نعيش فيه وحده فقط ما سنجد فيه الخلاص لأن السماء فارغة – حسب ما ذكرهAndrè Comt-Sponville – 18 في كتابه .
لكن الملاحظ أن عبادة الأشخاص – حسب علي شريعتي – برزت في المذاهب التي تقول للإنسان " لا تنتظر أحدا ولا حاجة لإنسان كامل تقلده ، ويلزمك بناء ذاتك وإنقاذها في الداخل " أكثر من أدياننا ، فرغم أن المذاهب الهندية – وخصوصا المذهب البوذي – الذي لم يطرح "الله" طرحا محددا ، فالبوذيون أكثر منا عبادة للأشخاص – رغم أن ديننا يصوّر الله بوصفه موجودا مشخصا ، ورغم أننا ننتظر منقذا ونتطلع إلى بطل إنساني كبير – فكل بوذي يضع صنما لبوذا إلى جنبه حين الصلاة ليعبده ، أما في معابدنا ومساجدنا ، ونحن نقلد الإمام ونستلهم النبي ونتطلع إلى عالم ما وراء الطبيعة لنجاتنا ونحتاج في كل وجودنا وحياتنا إلى الوجود المتعالي الذي نسمّيه "الله" ، فليس هناك وجود لأية شخصية ولأية ذات ، في نفس الوقت الذي تمتلأ معابد الهنود بأصنام بوذا وقديسيهم .يطرح علي شريعتي السؤال لم ؟
يجيب قائلا : إن أساس ومحور المذاهب الهندية يقوم على قاعدة : إن كل شخص مسؤول عن ذاته ، ولا حاجة به إلى قائد ومنجي ، لكن نجاة الفرد عهدت عمليا للأقطاب والأبدال والشيوخ والمرشدين ، فإمام الفرد الهندي سلسلة طويلة من الشخصيات تنقله من هذه الدنيا "Samsava " ، التي هي دنيا مادية منحطة إلى دنيا النجاة والخلاص والحرية والاطمئنان 19.
الهوامش :
1 إنه من العسير فهم مصطلح النيرفانا ، لأن الزعيم قد ترك الموضوع غامضا ، فجاء أتباعه وفسروا الكلمة ، ففي اللغة السنسكريتية بصفة إجمالية معناها "منطفئ " كما ينطفئ المصباح أو تنطفئ النار ، أما الكتب البوذية المقدسة فتستعملها بمعان : 1) حالة من السعادة يبلغها الإنسان في هذه الحياة باقتلاعه لكل شهواته الجسدية اقتلاعا تاما ؛2) تحرير الفرد من عودته إلى الحياة ؛ 3) انعدام شعور الفرد بفرديته ؛ 3) اتحاد الفرد بالله ؛ 5) فردوس من السعادة بعد الموت ؛ أما الكلمة في تعاليم بوذا فمعناها في ما يظهر إخماد شهوات الفرد كلها ، وما يترتب على ذلك للذات من الثواب وأعني به الفرار من العودة إلى الحياة .
2 السحمراني أسعد ، الهندوسية – البوذية –السيخية ،دار النفائس ،بيروت،ط1، 1998 ،ص78
3 ديورانت ول دايزيل ، قصة الحضارة (نشأة الحضارة) ،مج1، ج3 ، ص85
4الماهاياني نسبة إلى ماهايانا ( (MAHIANAأو العجلة الكبيرة وهي شكل منحرف للبوذية ، وأتباعها يعتبرون بوذا إلهًا ويعبدون الروح التي ألهمت بوذا ، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين ، وتؤمن بعض طوائفهم بوجود الجنة والجحيم وأنه لابد من مرور الروح بهما قبل أن تصل مرتبة النيرفانا.
5هذه الفكرة البوذية تقارب المفهوم المسيحي الذي يقول بالإتجاد بالمسيح عليه السلام ، كما أن هذه الفكرة تسربت إلى بعض الطرق الصوفية عند المسلمين ، فقال هؤلاء بالاتحاد الذي زعموا فيه الاتحاد بين المريد والمراد ، أي بين الصوفي والله، مما قاد بعضهم إلى شطحات أدت بهم إلى الكفر كالحلاج والبسطامي وسواهما، -وهذا ما سأشير إليه في المباحث القادمة-
6 الشريعة التي تنظم السلوك ، والقانون الأخلاقي.
7 إنجيل بوذا ،ترجمة :عيسى سابا ، دار صادر، بيروت ،1953 ، ص189 ،ص190
8 السحمراني أسعد ،الهندوسية –البوذية- السيخية-،مرجع سابق ص85
9 إنجيل بوذا ،مصدرسابق ،ص49
10Andrè Comt-Sponville , Trait du dèsespoire et de la bèatitude , quadrige / puf ; paris, 1reèdition, 1984 , tome1, p 34
11 IBID, p 34, p35
12 إنجيل بوذا ،مصدر سابق ، ص48 ،ص49
13 جون كولر ، الفكر الشرقي القديم ، تر: كامل يوسف حسين ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، [د.ط] ، 1995،ص27
14 ترجع اليوغا في أصولها التاريخية إلى ما يقرب من ألفين وخمسمائة عام ، وهذه الطريقة كانت موجودة قبل الوجود البوذي .
15حسن محمد سليمان ، تيارات الفلسفة الشرقية ،ص 171
16 سعيد إسماعيل علي ، التربية في حضارات الشرق القديم ، الأنجلو مصرية ، القاهرة ، [د.ط] ، 1999، ص183
17 جون كولر ، الفكر الشرقي ، مرجع سابق ، ص26
18 André Comt-Sponville , Trait du désespoir et de la béatitude, tome1 , p 33
19 علي شريعتي ، الأمة والإمامة ، ترجمة أبو علي ، مؤسسة الكتاب الثقافية ، مصر، [د.ط ، د.ت ] ، ص 7
