twahri.ht.2

تقاطع تاريخ الأديان المقارن والأنثروبولوجيا

و دورهما في الحوار بين الثقافات

    د. طواهـري ميلـود

     جامعة سيدي بلعباس

    من علماء الأنثروبولوجيا من لم يتنقل للفضاءات الجغرافية البعيدة التي شكل أهاليها مواضيع متميزة في هذا الحقل المعرفي، ومع ذلك كانت لهم كتابات عديدة اعتمدت على ما ورد لهم من كتابات معاصريهم على شكل تقارير و أوصاف دقيقة. وهناك منهم من اعتمد على ما وفره علم التاريخ من أخبار عن القدماء و من تلاهم من شعوب و أمم تركوا بصماتهم في ذاكرة كوكبنا لذا نقترح في هذا المقال معالجة مسألة العلاقة بين علم الأديان المقارن و الأنثروبولوجيا بصفة عامة من خلال تقاطعهما في تناول الظاهرة الدينية، والأنثروبولوجيا الدينية من حيث أنها تخصص نظري امبريقي من جهة، و الدراسة المقارنة للأديان بصفته تفكير أساسي حول الظرف الديني.

    ولهذا الغرض لا نريد في هذه السطور ربط قِطَع من الأول بالثاني ولكن تلاقيهما تبعا للمنظور التحليلي لكليهما، وإنما سنتطرق إلى بعض الكتابات التي تناولت الحقل المعرفي الموسوم أنثروبولوجيا و كذلك كتابات تتعلق بنظريات الدين حتى نبين التداخل في المواضيع كما سنخصص بعض الحديث عن مسألة الطريقة المقارنة وهي طريقة بحث تفرض نفسها في التخصصين لنخلص في الأخير إلى بروز مسألة الأخر كإشكالية أفرزها تاريخ الأديان المقارن، و تبنتها الأنثروبولوجيا الحديثة.

    يحوي مصطلح مقارنة الأديان "تاريخ الأديان"، و "فلسفة الدين"، و "علم الاجتماع الديني"

 و "علم النفس الديني" و "الأنثروبولوجيا الدينية"، وعلم "مقارنة الأديان" يعني أن نتخذ من الأديان بصفة عامة ـ كتابية ووضعية ـ والعقائد الدينية، موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية.   يحاول علم الأديان المقارنة الكشف عن كيفية نشأة فكرة الدين و تطورها عبر القرون، ومدى تأثيرها على المسيرة البشرية، كما أنه يساعد الباحثين في التعرّف على القواسم المشتركة لدى الديانات المختلفة، بما يساعد على تقارب أتباع تلك الديانات. فالشعوب رغم اختلافاتها الثقافية تشترك بصورة ما في الأسس العقلية لما فيه مصلحتها.

   لتحديد الحقل الإبستمولوجي لـ"علم الأديان" ودراسة علاقته بالأنثروبولوجيا الدينية و هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها بإلحاح شديد و تستدعي الإجابة عنها. كيف تكَوَن تخصص يستقل بدراسة الظواهر الدينية وكيف تم الانتقال في حوالي نصف قرن من تاريخ الأديان إلى الأنثروبولوجيا الدينية. ثم ماهو دور علم الأديان المقارن والأنثروبولوجيا في بعث الحوار بين الديانات و الثقافات

  1. 1.الانتقال من تاريخ الأديان إلى الأنثروبولوجيا الدينية

    تاريخ الأديان من العلوم الإنسانية، موضوعه دراسة الديانات، وبتعبير آخر نقول مجموع المعتقدات وفي  الممارسات المتمثلة في الأساطير والطقوس.

    يتطرق تاريخ الأديان  المقارن إلى الظواهر الدينية من وجهة نظر غير اعتقادية  من منظور تاريخي وأيضا أنثروبولوجي، في الزمان و المكان. وهو في هذا الإطار مرتبط أشد الارتباط بتخصصات أخرى من العلوم الاجتماعية، بداية بالإثنولوجيا و فقه النصوص المقدسة والتاريخ، وبمثل هذه التخصصات المجاورة، فتاريخ الأديان علم ملاحظة قائم على الدراسة النقدية للمعطيات و كذلك المنهج المقارن.

   كانت الممارسة العلمية في تاريخ الأديان قائمة على المقارنة، فمند "هيرودوت" Hérodote، لاحظ الإغريق بفضولية عادات و أعراف الآخرين (المصريين، الفرس، اليهود...) لإبراز تميزهم عن الأقوام الأخرى، وترك "بليتارك" Plutarque في القرن الأول بعد الميلاد عددا من الكتابات يمكن وصفها بعلم الميثولوجيا المقارن. ثم قارن قساوسة الكنيسة ديانات مختلفة (ببناء مصطلح الوثنية paganisme) لتفسير سمو المسيحية في إطار الاستدلال على صحة عقائد النصرانية، وعليه واصل تاريخ الأديان توسعه انطلاقا من نظرة المسيحية للديانات الأخرى. نجد الاهتمام ذاته في الفكر العربي الإسلامي ونذكر على سبيل المثال ما ذهب إليه ابن خلدون في شرح اسم البابا، و البطرك في الملة النصرانية، واسم الكوهن عند اليهود  و ما يعادل  ذلك (الخلافة) في الملة الإسلامية مع ذكر الخصائص بالنظر إلى تعاقبية زمنية1 .

   لم ينطلق الحديث عن تاريخ الأديان سوى في بداية القرن 19، مند أن وضع "ماكس مولار" Fr. Max Muller الأسس الأولى لعلم الأديان، على خلفية الميثولوجيا المقارنة و ذلك باستعمال تقنيات الفقه اللغوي. وفي سنة 1870، عبّر "بيرنوف" E. Burnouf المختص في فقه النصوص المقدسة الإيرانية القديمة عن رغبته في تأسيس  »علم عناصره مبعثرة، علم غير معروف بعد و لعله يصح تسميته لأول مرة علم الأديان« 2. في القرن 19 وبإيعاز من فلسفة الأنوار، يستقل تاريخ الأديان شيئا فشيء عن هذا الإطار ليصبح اختصاصا علميا حقيقيا متحررا من سيطرة الدين حتى يتمكن من جعله (الدين) موضوع دراسيا، إلا أنه في الربع الأخير من ذات القرن تولد توتر من جراء العبارة المستعملة للإشارة إلى هذا التخصص، أو بالأحرى نزاعا بين تصورين: تاريخ هو أم علم الأديان؟

     في قطاعات الفكر الغربي المتأثر بالفلسفة الوضعية والعلوم الدقيقة آنذاك، كان الحديث عن تاريخ الأديان تعبيرا عن رغبة واضحة في الدراسة النقدية للظواهر الدينية في تعاقبيتها، وعليه تعارض تاريخ الأديان مع علم الأديان الذي اهتم كثيرا بجوهر الدين مع التأكيد على جوانبه المتعددة، لا لوجود دين واحد يستحق هذا الاهتمام وإنما تتوخى دراسة تاريخ الأديان كظاهرة عامة، وذلك بدراسة مختلف أشكال الصيرورة والوجود. يجب أن نشير هنا أيضا إلى أنه تحت التأثير المزدوج للعقلانية والعلوم الوضعية، كان التخصص الجديد يتوخى الانشغال بالدراسة العلمية للظواهر الدينية مبتعدا كليا عن الارتودكسيات العقائدية مثل الميتافيزيقيات التقليدية، فلم تكن في نيته خدمة علم اللاهوت والتحول إلى أداة إثبات عقائد النصرانية.

   سينطبع تاريخ الأديان بالدراسات الإستشراقية المتولدة عن اكتشاف السنسكريتية و نقد الإنجيل (ارنست رينان E. Renan) وأيضا بالأنثروبولوجيا الأنجلوساكسونية ("روبيرتسون" سميت R. Smith و "جامس فريزر" J. Frazer) والمدرسة السوسيولوجية الفرنسية (دوركايم E. Durkheim، مارسيل موس M. Mauss، و "هنري هوبير" H. Hubert).

وفي القرن 20 تأثر تاريخ الأديان بالمقاربات السيكولوجية (فرويد S. Freud، كارل غوستاف يونغ C.G. Yung) و بالظواهرية (ميرسيا إلياد M. Eliade) و وجوه بارزة في الميتولوجيا المقارنة (جورج دوميزيل G. Dumezil) أو الأنثروبولوجيا المقارنة (كلود لفي ستروس C. Lévi Strauss).

    انشغل تاريخ الأديان بوصف التجارب الدينية المختلفة التي عرفتها الإنسانية، ميلادها ووجودها التاريخيين، وتطوراتها من خلال تحليل تسلسل مجموعة من المعتقدات ومن تم ظهر تاريخ الأديان كدراسة للعالم الديني المتنوع تنوع الثقافات والمجتمعات البشرية.

وعليه، فعن طريق الشواهد المتوفرة، ذهب تاريخ الأديان إلى تبيان أن موضوع دراسته الوحيد يتمثل في تعددية التجارب الدينية المنتشرة في المكان والزمان، وبالتالي لا يمكن تناول مفهوم الدين بطريقة علمية إلا من خلال الدراسة الوصفية للظواهر المندرجة في مكان وزمان معينين. ولكن همشت هذه الإرادة في وصف حقيقة موضوعية ماضية عن طريق معرفة إمبريقية للظواهر التي بإمكان المؤرخ إعادة تركيبها بتقنياته، وهناك مسألة أساسية تتمثل في تحديد معنى الظاهرة الدينية. و من جهة أخرى، وبتأكيده على اعتبار الوقائع الدينية المرتبة حسب تَعاقبها، ألم يرفض بذلك تاريخ الأديان تناول الوظيفة ذاتها للدين في المجتمع البشري؟  ومجمل القول انه رغم تعدد الباحثين لتعدد مجالات تاريخ الأديان و المقاربات، تبقي المقارنة والمنظور التاريخي الأنثروبولوجي سائدين.

    إن تعريف مفهوم الدين يفترض مسبقا وجود مادة غزيرة يجمعها تاريخ الأديان و لكن ذلك لا يكفي، إذ من البديهي انه لا يمكننا إدراك المقدس إلا حيث يوجد، أي ليس على حالة من النقاوة والصفاء ولكن في وجود الإنسان الذي يحدد المقدس. تظهر الديانات العديدة التي يمكن معرفتها و دراستها معاشة من طرف معتنقيها على أنها مرجعية لحقيقة مطلقة متعالية على الإنسان وكوسيلة مراقبة العالم اليومي حيث يعيش.

    علينا أن نؤكد دائما على ضرورة اعتبار الظاهرة الدينية كظاهرة مغذاة بالثقافة بشكل كبير، غير أن اعتبار الثقافة على أنها حقيقة أنثروبولوجية تستلزم بالضرورة تحليل السلوكات الدينية. لأنه وكما بين ذلك "كليفورد غيرتز" Clifford Geertz3 فكل ديانة عبارة عن نسق من الرموز تشتغل بطريقة تولد عند الأشخاص دوافع واستعدادات قوية، عميقة ودائمة بصياغة تصورات عامة حول الوجود وتضفي عليها مظهر حقيقة حتى تظهر ( الدوافع والاستعدادات) بأنها لا تقوم سوى على هذه الحقيقة.

    ولهذا تعتبر دراسة كل دين من خلال التجليات الفردية والجماعية طريقة أكثر علمية لمعرفة جوهره لأن المقارنة البسيطة بين الديانات المتعددة تظهر بوضوح أن الأشكال التاريخية للظواهر الدينية أشكال نمطية وتفترض بنيات دقيقة متشابهة عبر التاريخ الديني للبشرية. هذا التشابه وهذه الديمومة متواجدان رغم الفوارق التي تفرضها التحولات التاريخية، كما أنهما يبرران طريقة البحث التي تعزل هذه الظواهر الدينية عن التعاقبية لمقارنتها وتحليلها. فهذا ما يفسر اللجوء إلى عملية  تمهيد وتوضيح للمادة التي يتناولها في حالة من تداخل المعطى الإمبريقي والتاريخ. فقبل محاولة فهم كيفية وسبب تعدد التجارب الدينية للبشرية يجب ترتيب مختلف التجليات وهذا هو الأساس الضروري لكل مقاربة أنثروبولوجية، فالتمذهب التاريخي لا يمكنه تبرير استقلالية الظواهر الدينية لأنه يعتمد على قراءة هيرمنطقية للوجود.

    ويمكن أن نميز في التاريخ المقارن للأديان ثلاثة محاور:

-          أهمية قراءة نقدية للمصادر الوثائقية و هي النصوص المقدسة التي تروي "تاريخ" المؤسسة؛

-          صعوبة الوصول إلى الحقيقة التاريخية من خلال التمثلات اللاهوتية، في هذا الصدد تكون المسافة كبيرة بين الشخصية التاريخية و الوجه الذي تصوره التقاليد التي تتحدث عنها النصوص؛

-          الطريقة المقارنة الموضحة لبعض عناصر المقارنة التي يمكننا القيام بها.

    يجب أن نذكر بأن الهدف الأساسي لتاريخ الأديان هو البحث على نمط مثالي من الإنسان، إنه الإنسان الديني "Homo religiosus"، إنسان تتعارض سلوكاته العميقة مع سلوك الإنسان المعاصر المنحني أمام عملية فك المقدس و » هيمنة التاريخ« ، يقول "ميرسيا الياد" Mircea Eliade أن الإنسان الديني يعتقد في وجود حقيقة مطلقة، بمعنى المقدس المتعال على هذا العالم و لكنه متجلي فيه، ليقدسه و يجعل منه حقيقة4.

   كما يهدف التاريخ المقارن للأديان و أنثروبولوجيا الديانات إلى جرد مختلف أوجه الظاهرة الدينية مع التحقق من وضع مقولات ومفردات تقنية تسمح بتحليلها. كيف يمكننا مثلا استعمال مفاهيم "الإله" و"القديس" و"القربان" دون الوقوع في تمثلات استعراقية ؟ كما أن هناك تأكيد على تفرد الظواهر في ظروف تاريخية تتطابق معها، مما يؤدي بنا إلى نسبية المقولات التي أفرزتها الدراسات الأنثروبولوجية.    

    إن فهم الظواهر الدينية لا يمكن أن يتموقع  في منظور هيرمنطيقي حيث تظهر الطريقة التاريخية المتبناة لمدة طويلة كضامن وحيد للموضوعية غير كافية، وعليه يجب الانفتاح على علوم الإنسان. أعطى عمل "فاش" J. Wach النموذج الأول بإدراج علم اجتماع الدين في منظور يهدف إلى بلوغ أقصى حد ممكن من الشمولية للظواهر الدينية. وفي هذا العمل تلتقي إسهامات تاريخ متنبه لتعددية و حقيقة تجارب البشر الدينية وإسهامات السوسيولوجيات التفهمية لبداية القرن 20، سوسيولوجية "ماكس فيبر" M. Weber على الخصوص. في المنظور ذاته، يمكن القول أنه كان على علم الأديان تبنى مختلف المنهجيات لمقاربة الظاهرة الدينية التي توفرها لنا علوم الإنسان وهذا التبني ذاته هو الذي يشكل ويؤسس استقلالية التخصص.

   تتمثل الطريقة الأولى لأنثروبولوجيا دينية حقيقية لتمثل في تحليل دقيق جدا للواقع الإنساني المعاش لإبراز المدى الثقافي والمعنى الذي يعطيه الإنسان المؤمن له. تشكل هذه النظرة الموضوعية للظاهرة الدينية طريقة علمية صالحة لأنها تأخذ بعين الاعتبار كلية الثقافة والمجتمع حيث تحدث هذه الظواهر.

   فسواء تعلق الأمر بطائفة بعيدة في المكان أو بمجتمع بعيد في الزمان، تتطلب الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية تبني، على وجه الخصوص اتجاه التجليات الدينية لثقافة أخرى، أو وجهة نظر متعددة؛ تكون حساسة لبراغماتية طقوسية مرتبطة بمؤسسات اجتماعية، و دينية وسلسلة التمثلات المشتركة التي تهيكل وتشكل جوهرها الدلالي. فالقول بالأنثروبولوجيا هو قول بالمقارنة ولكن أيضا بالعمل العابر للتخصصات.

    وفي الصدد نفسه يمكننا أن نذكر الترابط بين تاريخ الأديان المقارن والأنثروبولوجيا وعلم الفلكلور إذ كان من مقدور علم الدين المقارن أن يصف الإدراك البشري والسلوك في التجارب فوق الطبيعية، أي في الطقوس والمعتقدات، الخ، ولقد كان في متناول الباحث نوع من الدراسة العابرة للتخصصات في ما يتعلق بالمادة الوثائقية والنظرية دون إهمال الاهتمام الكبير بتصور الأهالي للعالم والمحيط الثقافي للسلوك. لقد شكل كل هذا بلا شك "أساسا نظريا جديدا"، والسؤال المطروح هو معرفة إلى أي مدى تشكل الأنثروبولوجيا تخصصا جديدا وما هي الروابط التي تجمعها بعلم الدين المقارن؟ وما هي جوانب اختلافهما ؟ ربما سيصف المؤرخون في المستقبل هذا الوضع بمثابة تغيير لنموذج نظري ذلك أن علم الدين المقارن و الأنثروبولوجيا اظهرا للعيان أكثر فأكثر على الأبحاث الفلكلورية. ولكن بقيت العلاقات بين التخصصات الثلاث متكافئة ودليل ذلك الدور الهام لعلماء الفلكلور في انطلاقة الاختصاصين الجديدين و استقلالهما و توسعهما، فعلى سبيل المثال احتل تحليل الأنواع الأدبية ودراسة النصوص الشفهية بصفة عامة مكانة مركزية في تدريس الاختصاصين بينما استغل علم الفلكلور منهجية البحث الميداني. أدت الثقافة الجامعة للتخصصات الثلاث إلى إدراج الممارسات الإثنوغرافية و الاثنوطبية والسوسيولوجية، والسوسيولغوية، والسيكولوجية كمنهجيات أخرى مجاورة.  

    يمكن للمقاربة الأنثروبولوجية انطلاقا من المادة المتراكمة حول تاريخ الحضارات والديانات في علاقاتها المتبادلة أن تفسر الحركة التاريخية، و بمرجعية إلى الماضي لإبراز نتائجه. هنا تلتقي إثنولوجية ميدانية صارمة بأنثروبولوجيا تتذكر العوالم المندثرة، وبالمقارنة تستعمل في ذلك المادة التي يوفرها علماء الأنثروبولوجيا حول العديد من المجتمعات والديانات لتفسير التحولات، وإظهارها، وقياس ما تغير فيها وما فقدت وما أبدعت. إن تقاطع الأنثروبولوجيا والعلم المقارن للأديان يوفر إمكانية مقاربة نقدية للعولمة.5

   وفيما يخص المنهج المقارن في تاريخ الأديان فإنه يظهر طريقة طبيعية لتحديد خصوصية موضوع الدراسة بالنظر إلى موضوع أو مواضيع أخرى، فلا يمكن فيما يخص الظواهر الدينية الاستغناء على طريقة المقارنة الصارمة التي تعتمد على المقاربة التاريخية النقدية للمصادر وعلى تقدم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا.

إن مسألة المصادر المعتمدة في دراسة الأديان مطروحة، فإذا استطاعت الدراسة في هذا المجال أن تقف عند دراسة النصوص، فمن الصعب اليوم أن نسلك هذه الطريقة حين نتطرق إلى الظواهر الدينية الجديدة. يستلزم العمل المقارن ترتيب المادة التي يجمعها الدارس والقيام بتصنيفات حينها يجب الحذر من تعظيم مظهر ما وإن كان ملفتا للانتباه.

    في مسعاها لتبسيط ووصف الغرابة، تقوم الطريقة المقارنة على التماثل الذي من خلاله نتعرف على خصوصيات كل دين، وبما أنها طريقة تفارقية فهي بالتالي تباينية وبذلك تفسيرية. لا يتوقف الأمر عند تقريب المجهول للمعروف، بل وبصفة خاصة إبراز ما يصعب إدراك دلالته. إذا كانت عناصر العلاقة الأنثروبولوجية غير متساوقة بطريقة تأسيسية، وهنا يكون التفاعل الأنثروبولوجي في التعبير عن الديانات ومن ثمة الثقافات دائما لفائدة الاهتمام الأكاديمي، فالمقارنة التباينية قادرة على إنصاف الدلالات المحلية في مجهود التعبير عن الثقافات. وبهذا، ومن وجهة النظر الأنثروبولوجية يقترح "بورجير" M. Burger و "كالام"  C.Calame المثلث المقارن والمتمثل في التجلي الثقافي المراد مقارنته (المقارَن)، والتجلي الثقافي المقارَن به، والعامل المقارِن بنظره والمتخذ لموقف نقدي إن أمكن في الخطاب الأنثروبولوجي الذي ينتجه6

  1. 2.دور علم الأديان المقارن و الأنثروبولوجيا في بعث الحوار بين الثقافات

   إن ميزة تاريخ الأديان المقارن و الأنثروبولوجيا بالنظر إلى العلوم الإنسانية الأخرى تكمن في صياغتهما على أشكال من المعرفة، فبرؤية الأنا الثقافي في مرآة الآخر أو بتعبير آخر نقول، بالبحث عن إنسانية مشتركة في أشكال الحياة المتعددة، تم تجاوز الكوسمولجيات الاستعراقية وتسهيل معرفة الثقافات، وإبراز ضرورة تصور العمل الأنثروبولوجي بمثابة تعبير عابر للثقافات (نسبية) و تبني منظور نقدي اتجاه ممارساتنا الدراسية.7

    لقد سمح علم الأديان المقارن بالتساؤل عن تموضع الحدث الديني في الحدث التاريخي، والاجتماعي وعن إسهام هذه المناهج العقلية للتعرف على الأديان، في صياغة جديدة لمفاهيم ثقافة السلام والتسامح. وبالتالي هل في الإمكان اعتمادها كآلية من آليات الحوار، ومساحة لقاء من دون تباهٍ أو تماهٍ أو تبرير أو سيطرة؟ يتأرجح علم الأديان المقارن بين موقعين مختلفين: احترام اللاهوت الديني الغيبي، واعتبار الدين ظاهرة فلسفية اجتماعية يعالجها العقل.

    ولقد تطورت علوم التاريخ و سوسيولوجية الأديان، وافترقت عند المقاربة اللاهوتية أو الفقهية منها، وخصوصاً  مع أنثروبولوجيا الأديان التي تحاول وراء الطقوس، والممارسات فهم الإنسان المتعامل مع رموز المقدس الروحي. لقد استطاع هذا الدخول العقلي إلى مجال الغيبي تدريبنا على إمكان الوقوف على مسافة موضوعية من انتمائنا، كما استطاع أن يفيدنا بالتفسير الواقعي التاريخي للعديد من الشرائع، وأشكال التعبير، والمرجعيات الجغرافية. كما ساعد الأديان على الخلاص من الاتهامات المبسطة المرتبطة بالزمن التاريخي، وادخلها في سياق تاريخ الإنسانية كمعطى صنع تاريخ الإنسانية في مجال صنع تاريخه الخاص.

    لم يعد الدين حكراً على المؤمن به، فقد تعرّض للهواء الخارجي ولنظر الآخر، فازدادت حاجته إلى الحوار مع المختلف، لا للتبشير، بل لتحديد ملامح تجليه ومدى رحابته في تقديم نفسه وفي قبول الآخر.

   واليوم، تدرس الأنثروبولوجيا الدينية الأديان في اتجاهين: اتجاه التواصل أي التآلف المستمر بين التعاليم والطقوس مما يؤدي إلى صياغة النماذج، واتجاه الانفصال، أي التحوّل المستمر في المسار التاريخي مما يؤدي إلى صياغة التوازنات8.

   لقد كانت العلاقة التاريخية بين الأديان، و السلطة، علاقة حرب، خصوصاً في الأديان التوحيدية - داخل كل دين، وفيما بين الأديان - لأن المؤمن يرى أن دينه هو الحق الوحيد، لذا وجب عليه نشر دينه وإقناع غير المؤمن به، وبهذا يصبح "إنقاذ" الآخر من النار حجة نبيلة، ولو عن طريق القتال.

    وقد يكون في تعرف الجميع على أديان الجميع، توجهٌ إلى التوعية على القيم المشتركة بين الأديان، ومقاربة جديدة للتعليم الديني، وللإيمان، ولتاريخ الأديان، إلى تخليص صورة الآخر من العدائية والإقصاء، ومن الدونية والإلغاء.

   يجب أن لا ننسى أن مفهوم الدين مصطلح نسبي، منبثق بصفة عامة عن التقاليد التوحيدية، و أن استعماله يتحول إلى آلية خطيرة تقيد العلاقات بين الثقافات و الحضارات في أفق ديني، وذلك بتبسيط التنوع الثقافي والاجتماعي، والرمزي في نظرة أحادية للعالم9.

   يعد البحر المتوسطي، مهد الديانات التوحيدية يشكل إطارا لمقارنة الأديان، وإن كان غير متجانس، فإنه فضاء التنوع و التجاور. تعبر هذا البحر حدود تحث على تصادمات تريد أن تترجمها اليوم نظرة تبسيطية إلى عبارة صراع الحضارات المرادفة لصراع الديانات، وعليه يجب القيام بعمل كبير، وعميق لتجاوز هذه المقَولبات.

    إن الأنثروبولوجيا الدينية، مثل كل أنثروبولوجية، تفترض مسبقا الانفتاح الضروري على الآخر في علاقاته مع العالم الرباني وفي التجربة التي يقوم بها. ولكن الصعوبة الكبرى تكمن في ربط هذا الآخر الذي أدرس سلوكه مع ما يدل عليه هذا الآخر بالنسبة لي، فمن هو يا ترى هذا الآخر؟ من نحن وماذا ندرس؟ أنه المشكل الكبير لهويتنا وهوية من ندرس، فهل يشكل هذا الآخر الحقيقة نفسها التي يمكنني معرفتها بذاتي؟ تتمثل المشكلة المركزية للدراسة العلمية للظاهرة الدينية في صعوبة دراسة ديانة الآخرين دون تدخل التقاليد الثقافية الخاصة بالباحث في موضوع الدراسة. والسؤال الذي يطرح من جديد هل يمكن لتفهم الظواهر الدينية أن تعَرَف ببساطة بقدرة الباحث على التبدل في الآخر لإدراك ما يعيشه وما يعتقد؟ ألا تحدِّق بنا خطورة إسقاط ذاتنا، أن نكون مع الآخر باختزاله في ذاتيتنا؟ أم هل يمكن حقيقة الابتعاد عن ذاتنا لفهمه وتجاوز حدودنا بقبولنا الخضوع لنص مقدس هو ملك له، ولطقوسه ورموزه مع الأخذ بعين الاعتبار المقصودية الخاصة التي تحركهم؟ بديهي انه من المثالية التفسير والفهم مع العلم انه من غير الممكن التفسير دون الاعتماد قبل كل شيء على التفهم الواسع وباتالي يكون التباعد المنهجي ضروريا حتى نتفادى خطورة غموض تأويل منطبع بأشكال التقاليد الثقافية للباحث10.

    إن حوار الأديان والثقافات، خاصة في الفضاء المتوسطي، الذي ننتمي إليه ضروري ولكنه لن يتأتى إلا بشروط منها القراءة النقدية للتاريخ المشترك الماضي، والحاضر حتى نتفهم بناء المخيال على الضفتين، وهو عمل من مهام المؤرخ لطي الصفحات المظلمة للتاريخ وإبداع صيغ جديدة للتعايش. ومن اللازم في هذا الصدد دراسة التمثلات الجماعية و العلاقة بالمغايرة وهذه من الموضوعات الجديدة للأنثروبولوجيا الحديثة.

    ومن المفارقة أنه كلما كان الشخص قريب كلما غذا المقولبات. نتساءل من جديد لماذا "الشرق" يلاحق نظر الغرب مند زمن طويل؟ فبلا شك لأنه "الاختلاف الأقرب"، "الأجنبي الأكثر ودية"، وعنصر مكون للأنا. وسيشكل فهم كل ذلك قطيعة مع الازدواجيات الهدامة (الشرق/الغرب، إسلام/مسيحية، شمال/جنوب، الشبيه/المختلف، هم/نحن)، و لا يمكن ذلك إلا بتفكيك المخيال الجماعي السلبي حول الآخر.

   في تاريخ المتوسط، بين مد وجزر، ومن غزوة إلى أخرى، غالبا ما رفِع الدين كلواء ليحمِّس الطاقات (الحروب الدينية)، وتجنيد الأقوام، وتبرير الغزوات، والتوسع، و "العودة إلى أرض الأسلاف". لكن وإن صح أن الدين لعب، ولا زال يلعب، دور مشرعة وتجنيد في الحروب السابقة والحالية، فلا يقل صحة أن نقول بأن "العنف الديني" تغذيه الشقاق الداخلية لكل ديانة توحيدية و الشقاق بين الديانات.

   إن الحوار بين الأديان لن يكون مجديا و مساهمته فعالة ما لم يرافقه تعليم لتاريخ الأديان المقارن، و قطيعة مع الخطاب النرجسي وتجاوز الدوغمتيات لفهم الآخر، ليس كخصم ولكن بمثابة شريك في بناء السلام.

   لقد اهتز العالم في العشريات الأخيرة أمام تقلبات الديني مأساوية غالبا، وفي مرآة علوم الإنسان، تأرجح الديني بين حركات من نمط جديد "طوائف" منها المسيحية، والأصولية، والتلفيقية، وتحول المعتقد في إطار حداثة لا تلغي تداخل الدين مع السياسة، وعليه يمكن أن نتناول بالدراسة هذه التجارب وتحليلها تبعا للظروف التاريخية والمكانية. ولو حاولنا حصر الظواهر الدينية المعاصرة التي تشكل الحقل الديني عامة والجديرة بالاهتمام لما استطعنا ولكن نغتم هذا الفضاء للإشارة إلى بعض الإشكاليات ومنها الهوية الدينية والانتماء الديني، والطقوسية في العالم الحديث، الإبداع الديني والمؤسسات الدينية، والديمقراطية والممارسة المقارنة، التسيير والإدارة الدينية المقارنة، والضبط العام للدين المقارن والتربية، والمثاقفة الدينية في إطار العولمة والاتصال الديني، الخ. يمكننا في خاتمة الحديث أن نقول بأن الأنثروبولوجيا الإمبريقية كفيلة بأن توفر للتاريخ المقارن للأديان ما يوسع به حقله و دراسته. 

قائمة المراجع:

  1. انظر عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، دار و مكتبة الهلال، بيروت، 1988، ص ص 153-155

2. E. Burnouf, La science des religions, Paris, 1870, p22.

3. Clifford Geertz, Religion as cultural system, trad.fr, Gallimard, 19724. Mircea Eliade, Le sacré et le profane,  coll. « idées », n°76, Paris, Gallimard, 1965, p71

5. Charlie Galibert, L’Anthropologie à l’épreuve de la mondialisation, Paris, L’Harmattan, 2007, p58

6. Marc Augé, Pour une anthroplogie des mondes contemporains, Paris, Flammarion, 1997, p178

7. M. Burger., C.Calame, Comparer les comparatismes. Perspectives sur l’histoire et les sciences des religions, Paris, Ed Arché, 2006, 209-235

8 Claude Calame, « Interprétation et traduction des cultures. Les catégories de la pensée et du discours anthropologiques », L’Homme, Paris, 2002, pp.51-78

9. G. Balandier ? Le grand système, Paris, Fayard, 2001, p230

10. François Laplantine, L’Anthropologie, Paris, Payot, 2001, p19