bouchnafi.ht.1
ظاهرة الصراع السياسي والاغتيالات
بالجزائر أثناء العهد العثماني (1520-1830)
من خلال المصادر الأجنبية.
د. محمد بوشنافي
جامعة سيدي بلعباس
تحاول معظم المصادر الغربية، عند حديثها عن النظام السياسي الجزائري إبان العهد العثماني (1520-1830)، أن تعطينا صورة قاتمة عنه، من خلال إبراز الفوضى السياسية التي عرفتها هذه المرحلة، والتي تظهر في تزايد عدد الاغتيالات السياسية التي مست حكام الايالة آنذاك، أو من خلال التنافس الشديد على السلطة، وطبيعة الأشخاص الذين مارسوا هذه المهام، والذين كان معظمهم من فرقة الانكشارية وطائفة رياس البحر، كما أنهم كانوا من الأميين الذين لم يتوفروا على أي نصيب من الخبرة السياسية، التي تمكنهم من الإشراف الجيد على شؤون الايالة، فنتج عن ذلك انتشار الفوضى والاضطرابات، وأصبحت الجزائر نتيجة لذلك، حسب هذه المصادر، مرتعا لمجموعة من اللصوص والهاربين من العدالة، الذين هيمنوا على خيرات البلاد وثرواتها على حساب الأغلبية الساحقة من السكان. فما مدى مصداقية هذه الكتابات؟ وما هي الجوانب السياسية التي أطنبت في الحديث عنها؟ وألم يكن أصحابها بمثابة جواسيس لبلدانهم، حاولوا من خلال كتابة مذكراتهم وملاحظاتهم أن يقدموا معلومات هامة لدولهم تستغل للاعتداء على الجزائر آنذاك؟
ba
زار الجزائر خلال هذا العهد عدد لا يحصى من الأوربيين والأمريكان (رحالة، قناصلة، رهبان، وأسرى أسرهم رياس البحر خلال عملياتهم الحربية في أعالي البحار)، وقد استقر الكثير منهم لمدة طويلة من الزمن في الجزائر، مما مكنهم من دراسة أوضاع المجتمع الجزائري عن قرب، فدرسوا عاداته وتقاليده، وأسلوب حياته اليومية، والعلاقات بين مختلف فئاته، غير أن اهتمامهم الكبير انصب على الجوانب السياسية والعسكرية، فدرسوا نظام الحكم من خلال إبراز طرق تعيين الباشا، وعلاقة هذا الأخير بموظفي الحكومة، كما ركزوا اهتمامهم على نظام الجيش وأسهبوا في الحديث عنه، وعلاقة جنوده بالسياسة، والجدول رقم (01) يبرز لنا أسماء بعض الذين زاروا الجزائر خلال العهد العثماني، وتركوا لنا ملاحظاتهم وانطباعاتهم.
| الإسم | سنة القدوم إلى الجزائر |
| هايدو Haedo | 1634 |
| الأب دان Père Dan | 1637 |
| دارندا D’Aranda | 1640 |
| دابير Dapper | 1686 |
| بايصونال Payssonnel | 1725 |
| الدكتور شو Dr Shaw | 1732 |
| لوجي دي تاسي Laugier De Tassy | 1724 |
| فونتور دي باراديVenture De Paradis | 1788 |
| كيرسيKercy | 1791 |
| بوتانBoutin | 1808 |
| ديبوا تانفيلDubois Thainville | 1809 |
| شالرShaler | 1822 |
| سيمون بفايفرSimon Pffeifer | 1830 |
ومن بين القضايا التي تثيرها هذه الكتابات، والمرتبطة بالجانب السياسي، تلك المتعلقة بكيفية استيلاء عروج وأخيه خير الدين على الحكم في الجزائر(1) فيطلعنا "هايدو Haedo" في "طبوغرافيته Topographie" أن عروج اغتال سليم التومي، حاكم المدينة الشرعي، وذلك لما خنقه في حمامه، بينما كان يتوضأ لأداء صلاة الظهر (2) غير أنه لا يعطينا الدافع الحقيقي الذي جعل عروج يقدم على هذا الفعل، في حين أن "لوجي دي تاسي Laugier De Tassy" يحاول أن يفصل أكثر في هذه القضية، لما يقدم السبب الذي دفع عروج إلى اغتيال ابن التومي، والذي يحصره في إعجاب عروج "بزفيرة" زوج ابن التومي، فقرر التخلص منه حتى يتمكن من الزواج بها، غير أن هذه الأخيرة –حسبه دائما-فضلت الموت بتجرع السم على الزواج منه (3) . وبالتالي فإن هذه المصادر تهمل أي بعد ديني أو وطني تجاه ما قام به عروج، ومن ذلك مثلا أن ابن التومي كان على اتصال بالاسبان، يحيك معهم مؤامرة ضد عروج وأخيه لطردهما من المدينة (4) فكان هذا الاتصال الدافع الرئيسي للاغتيال.
شكلت الأحداث السابقة الذكر بداية لعهد جديد في تاريخ الجزائر السياسي والعسكري، فأصبح حكامها يعتمدون على تجنيد المتطوعين من خارج الايالة، أي من الأقاليم المختلفة للامبراطورية العثمانية، وكان بداية ذلك إرسال السلطان سليم الأول (1512-1520) لألفين من خيرة الجنود الانكشارية إلى جانب أربعة آلاف متطوع، وتواصل هذا العمل طيلة العهد العثماني.
وبالرجوع إلى المصادر الغربية، نجدها تعطينا أوصافا شتى لهؤلاء المتطوعين، فهي تجمع كلها على أنهم ينتمون إلى أدنى الفئات الاجتماعية في بلدانهم الأصلية، وأنهم من ذوي الأخلاق السيئة والسوابق العدلية، فيذكر "هايدو" أن معظمهم "كانوا من المتسولين واللصوص الذين قدموا إلى الجزائر طمعا في جمع الثروة"، لدرجة أنه شبههم بأولئك الاسبان الذين هاجروا إلى الهند لنفس الغاية (5) وبالتالي أصبحت الجزائر توفر ملجأ آمنا للمغامرين والمجرمين الوافدين من كل جهات البحر المتوسط، من مضيق جبل طارق حتى أواسط آسيا، كما يقول "فيشر Fisher Sir Godfrey " (6) وغيره.
ولعل هذه الأوصاف تحتوي على نسبة هامة من الصدق، ومما يؤكد ذلك ما ذكره حمدان خوجة من أن عملية التجنيد توسعت لتشمل حتى المسيحيين واليهود الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام، ليتمكنوا من الانخراط في الجيش الجزائري، وبالتالي الاستفادة من امتيازات جنود هذه الفرقة (7) وفي هذا الإطار يقول: "أنه كان يقتصر على تجنيد النزهاء والصلحاء، فإن المكلفين بالتجنيد كانوا يفتحون أبواب المليشيا لأي كان، حتى لأناس كانوا قد أدبوا أو أدينوا، وكان يوجد من بين المجندين يهود ويونانيون ختنوا أنفسهم." (8)
وهكذا نلاحظ أن الغربيين الذين كتبوا عن الجزائر خلال العهد العثماني، شد انتباههم الجنود الانكشارية، فسجلوا الكثير من الملاحظات حول تصرفاتهم وأخلاقهم، وإذا كان بعضهم يذم طبائعهم وتصرفاتهم لأسباب مختلفة مثل ما ذكره "هايدو" وغيره، كالأميرال الروسي "كوكوفتسوف Kokovesov" الذي زار الجزائر عام 1787 حين يقول بأن "المليشيا تتفوق على مليشيا تونس وطرابلس بعنفها وسوء أخلاقها...ولا ينتظر منها شيء حسن" (9) فإن مصادرا غربية أخرى تبدي إعجابا بتصرفات هؤلاء، وعلى سبيل المثال أن أحد القناصلة يشبهها "بتصرفات أشخاص تعلموا في مؤسسات دينية"، أما السيد "فليب سيدني Philipe Sidney " فيذكر بأنه "يجب أن نتعلم الكثير منهم" (10) ونفس الشيء يذكره "هايدو" الذي لم يخف حقده على هؤلاء، فنجده يذكر بان الجنود الانكشارية كانوا يتميزون بالخضوع والطاعة لضباطهم، ومعاملتهم الإنسانية لبعضهم بعضا ومع الأصدقاء، فكانوا لا يتخاصمون فيما بينهم، ويحافظون على نظافتهم ونظافة أسلحتهم.(11)
أما عند حديثنا عن طبيعة النظام السياسي آنذاك، فإن المصادر الغربية مثل "شو Shaw"، تعتبر أن نظام الحكم في الجزائر العثمانية كان جمهوريا عسكريا، فهو جمهوري لأن الباشا كان ينتخب مدى الحياة، ولكن دون أن يكون حكمه وراثيا، وعسكري لأن الشخص المنتخب كان من بين أفراد الجيش أي أن الجنود الانكشارية ورياس البحر هيمنوا على مقاليد الحكم، وانفردوا بتعيين من يرضونه للحكم وعزل أو قتل من لا يخدم أهدافهم، دون بقية سكان البلد.(12)
كما تركز هذه الكتابات على الصراع الذي كان محتدما بين جيش البر وجيش البحر من أجل الهيمنة على السلطة، ويبرز هذا الصراع بشكل جلي بعد انقضاء عهد الأغوات (1659-1671)، الذي سيطر فيه الانكشاريون على الحكم، فعينوا أربعة أغوات منهم، قتلوا جميعهم، وبعد مقتل آخر آغا عام 1671، سيطر رياس البحر على الحكم وعينوا واحدا منهم بلقب داي (13) ، غير أن جنود البر سرعان ما استرجعوا هيمنتهم على السلطة عام 1688، بعدما أجبروا الداي حسن ميزومورتو (1683-1688) على الاستقالة، واستمر هذا الوضع إلى غاية الاحتلال الفرنسي عام 1830.
ومن القضايا السياسية التي تطنب الكتابات الغربية في الحديث عنها، طريقة انتخاب الباشا، والتي تحصرها في ثلاث طرق، ترتبط ارتباطا وثيقا بالظروف التي تتم فيها عملية التعيين.
أ-طريقة الانتخاب:
وتتم في الظروف العادية، أي عند انتقال السلطة بهدوء، فبمجرد وفاة الباشا يعقد الديوان اجتماعا طارئا، حيث يذيع خبر وفاة الباشا في كل أرجاء مدينة الجزائر، وهكذا يتوجه الجنود المتواجدون في المدينة إلى قصر الجنينة(14) لانتخاب حاكم جديد للإيالة، والذي من المفترص أن يكون من بين أهم موظفي الحكومة، أي الخزناجي أو آغا الانكشارية أو خوجة الخيل، غير أن هذا التقليد لم يحترم في كل الحالات، فكان بإمكان أي جندي أن يتولى المنصب إذا تحصل على مساندة الأغلبية، ولهذا كان المترشح يتقدم أمام الآغا (القائد الأعلى الجيش)، ويبدي الجنود بآرائهم فيه بكل ديمقراطية، فإذا نال الأغلبية يصبح الحاكم الجديد للإيالة، أما إذا لم يتحصل على ذلك فينسحب تاركا مكانه لمرشح آخر، ويتواصل الأمر بهذا الشكل حتى يتم الإجماع على مرشح واحد.(15)
كما تطلعنا نفس المصادر على المراسيم التي كانت تعقب تولي الباشا الجديد لمنصبه، ومن بينها أنه كان يلبس القفطان رمز الحكم ثم يجلس على عرش الإيالة، فيحييه جميع الحاضرين بأصوات مرتفعة مرددين عبارة(16).
"A la bonne heure, ainsi soit-il ! que dieu lui accorde ( en le nommant par son nom) félicité et prospérité , à la bonne heure, ainsi soit-il !"
"لقد اعتمدنا، فلتكن هكذا، يارب أعطيه ازدهار".
ثم يتقدم أمامه المفتي الحنفي ليقرأ عليه واجباته بصوت عال، ومضمونها أن الله أوكل إليه حكم هذا البلد وجيشه ، وأن عليه معاقبة الأشرار ومكافأة الأخيار، وأن يسهر على ضمان تسديد منتظم لأجور الجنود، وأن يسهر على حفظ النظام وازدهار الإيالة، وتحديد أسعار مناسبة للمواد الغذائية الأساسية خدمة للفقراء.
"Dieu l’a appelé au gouvernement de l’Etat et au commandement de la milice, qu’il doit user de son pouvoir pour punir les méchans et favoriser les justes. Mettre tous ses soins à faire prospérer le pays ; fixer le pris des denrées en faveur des pauvres.(17)"
وبعد انتهاء مراسيم التنصيب يتقدم الحاضرون لتهنئة الباشا الجديد، ويكون ذلك بتقبيل يده، وإبداء مظاهر الطاعة والإخلاص له، ثم يعلن الخبر في كل المدينة بإطلاق نيران المدافع من حصون المدينة وقلاعها، كما يرسل مبعوث إلى السلطان لإعلامه بأمر التعيين، والحصول على موافقته.(18)
ب-طريقة العهد والتعيين:
وهي من الطرق التي ذكرها الكتاب الغربيون الذين زاروا الجزائر وأطلعوا على نظامها السياسي، فكان الباشا قبل وفاته، يعين خليفة له، شريطة أن ينال هذا الأخير موافقة أعضاء الديوان وفرقة الانكشارية، ومن نماذج هذه الطريقة، ما قام به الداي إبراهيم (1732-1745) لما أوصى بالمنصب من بعده لخليفته إبراهيم كوتشوك (1745-1748).(19)
أما الداي محمد بن عثمان باشا (1766-1791)، فتولى شؤون الحكم بعد وصية أوصى بها الداي علي باشا بوصباع (1754-1766)، والذي كان قبل وفاته قد جمع كبار موظفيه وأوصاهم بتولية محمد باشا من بعده.(20)
ج-طريقة المؤامرات والاغتيالات:
تركز الكتابات الغربية على هذه الطريقة بكثير من التفصيل والتدقيق، لإبراز مدى تدهور الوضع السياسي للإيالة الجزائرية آنذاك، والفوضى التي دبت في دواليب مؤسسات الحكم، فمصادر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا تخلو من الحديث عن الصراعات على الحكم، وما كان ينجر عن ذلك من انقلابات واغتيالات كان لها أثرها السلبي على الوضع العام للإيالة، فأصبح تولي الحكم والمخاطر المحدقة بصاحبه أشبه ما تكون بالجلوس على بركان معرض للانفجار في أي وقت.
وبحسب هذه المصادر دائما، فإن تدخل الجنود الإنكشارية في الشؤون السياسية وإهمالهم لواجبهم العسكري، كان السبب المباشر في حدوث هذه الاضطرابات، فكانوا بمجرد تراجع أعطياتهم أو تأخر في دفع علوفاتهم (أجورهم)، أو رفضهم الخروج في حملة عسكرية، أو انهزامهم في أخرى، يثورون على الباشا فيضعونه أمام خيارين ، إما التنازل عن كرسي الحكم أو القتل، فلقد ثار الجنود على الداي شعبان (1688-1695) بسبب إنهاكهم بكثرة الحملات العسكرية ضد تونس والمغرب، فقاموا بسجنه ثم خنقوه بأمر من خليفته الداي أحمد باشا (1695-1698)، وذلك بعدما تعرض لعذاب شديد بهدف إجباره على كشف المكان الذي خبأ فيه أمواله.(21)
وهكذا أصبح انتقال السلطة من باشا لآخر يتم في جو من الصراع والاقتتال بين أفراد الانكشارية، فكانت كل فرقة منهم تسعى جاهدة لتنصيب أحد أفرادها على كرسي الحكم، ويكون النصر في آخر المطاف للفئة القوية، التـي تسارع إلى قصر الجنينة لتنصيب مرشحها، بعدما تتخلص من الباشا السـابق بطلقة نارية أو طعنة خنجر أو خنقه، غير أنها قد تدخل في مواجهات دامية مع فرقة أخرى داخل القصر نفسه، والتي قد تدوم لفترة طويلة من الزمن، فكان رفع العلم الأحمر على أبواب القصر بمثابة الإعلان على تواصل الاقتتال، والذي لا ينتهي إلا بعد رفع العلم الأخضر، وعندها تسارع الفئة المنتصرة إلى تعيين مرشحها، فيلبس القفطان الذي ما زال يقطر بدم سابقه المغتال، أما الحاضرون من أعضاء الديوان وغيرهم فما عليهم إلا المبايعة وإبراز مظاهر الخضوع خوفا من العقاب الشديد، وبعدها يبادر الحاكم الجديد إلى التخلص من موظفي سابقه وتعيين أنصاره كمكافأة لهم على مساعدتهم له للوصول إلى هذا المنصب(22) وحتى يتجنب نقمتهم في المستقبل.
أصبح بقاء الباشا المعين بواسطة الانقلاب محددا بفترة زمنية قصيرة، فقد يتعرض لنفس المصير بعد أيام قليلة أو ساعات فقط، ويخبرنا "لوجي دي تاسي" أنه تم اغتيال خمسة دايات في يوم واحد بسبب الصراع الذي نشب بين الجنود الانكشارية بعد اغتيال الداي محمد بكير باشا (1748-1754)، دفنوا جميعهم عند باب الواد بعد التمثيل بجثثهم(23) ورغم أن بعض الكتابات تعتبر هذه الحادثة نوعا من الأسطورة، فإنها تعبر بصدق عن مدى تدهور الوضع السياسي للايالة الجزائرية، وتزايد عدد الاغتيالات السياسية التي ذكرها الرحالة والقناصل الأوربيون وغيرهم.
أصبحت حياة الباشا مهددة بالأخطار في كل زمان ومكان، وبات يعيش حالة من الخوف والحذر الدائمين من الاغتيال، فانصب اهتمامه على كشف المؤامرات التي تحاك ضده والتخلص من كل شخص يبادره شك نحوه، فلقد تخلص الداي ابراهيم الملقب بالمجنون من ألف وسبعمائة شخص خلال الشهر الأول من توليه الحكم فقط(24) ، أما الداي عبدي باشا (1724-1732) فكان يتخلص من كل شخص يشك فيه مما جعله يتعرض لثلاث محاولات اغتيال نجا منها كلها.(25)
ونتيجة لذلك أصبح الباشا سجين قصره لا يغادره إلا بعد تشديد الحراسة من حوله، ورغم ذلك فقد يتعرض لطلقة نارية تنهي حياته وتزيحه من الحكم، ففي عام 1724 أغتيل الداي محمد بن الحسن (1718-1724) من طرف عصابة من رياس البحر بينما كان متوجها إلى الميناء(26) ، وحتى داخل قصره فإن الباشا لم يكن في مأمن من الخطر، فقد يفقد حياته على يد أحد مقربيه، فلقد أغتيل الداي علي باشا (1809-1815) عام 1815 داخل حمامه من طرف وكيل الحرج، بعدما أغلق عليه باب الحمام وزاد من سخونة الماء(27). وقد دفع هذا الوضع المضطرب الأب "فو Fau " الذي قدم إلى الجزائر في عام 1729 على وصف حياة الداي البائسة بقوله: "إن الداي في معظم الأحيان لا يخرج من قصره، فقد يحدث أنه إذا خرج منه أن تستقبله طلقة من بندقية تعفيه من لقب الداي ومن حياته معا".(28)
وفي ظل هذه الظروف المضطربة أهمل الداي شؤون البلاد والعباد، وركز اهتمامه على إرضاء الجنود الذين أوصلوه إلى هذا المنصب بشتى الطرق، كالزيادة في أجورهم وترقيتهم في المناصب، وبالتالي أصبح أسيرا لأطماعهم وإرادتهم، لقد وصفه "كونداميني Condamine" بأنه "مستبد وليست له حرية، أرسطوقراطي لكنه محروم من أرباح القرصنة"(29).
أما الكاتب الإسباني "خوان كانوا khouane Cano" فيصفه بأنه رجل غني ولكنه ليس سيد خزينته، أب بدون أطفال، زوج بدون امرأة، طاغية بدون حرية، ملك العبيد وعبد لأتباعه".
Riche sans être maitre de ses trésors, père sans enfants, époux sans
femme, dispote sans liberté, roi des esclaves et esclave de ses sujets.(30)
غير أن أخطر ظاهرة نتجت عن هذا الأسلوب في تعيين الدايات وعزلهم، أن تولى هذا المنصب أشخاص لا دراية لهم بشؤون الحكم، وذلك بعدما أصبح هم الانكشارية تعيين من يحقق أهدافهم المادية ويخدم مصالحهم دون مراعاة للكفاءة والخبرة، فتذكر المصادر أنه بعد إغتيال الداي شعبان عام 1695 نصب الجنود واحدا منهم يدعى أحمد، كانوا قد صادفوه في الشارع يمارس مهنة ترقيع الأحذية، فحملوه على أكتافهم إلى قصر الحنينة(31).
ويظهر أن العملية تكررت لمرات عديدة، فقد قال الداي بابا علي (1754-1766) يوما لأحد عبيده واصفا له حالته قبل أن يصبح السيد الأول للإيالة.
"لاحظ دور الصدفة في حياة الإنسان وكيف توصله إلى قيادة الرجال، فمنذ أربعين سنة كنت أرعى الأغنام في إحدى قرى آسيا، واليوم أنا ملك عظيم"، فرد عليه العبد "بل وملك عظيم لأن كل ملوك أوربا يسعون للحصول على صداقتك بأي ثمن كان".
" Remarque un peu combien la providence est grande, et comment elle distingue, conduit, élève les hommes qui doivent commander aux autres, il y a quarante ans, je gardais les moutons dans un village d’Asie, Aujourd’hui je suis roi et grand roi, ajoutait l’esclave, puisque tous ceux de l’Europe recherchent et achètent ton amitié"(32)
من خلال استقرائنا لهذه المعلومات المستقاة من ملاحظات الغربيين الذين زاروا الإيالة الجزائرية في مراحل تاريخية مختلفة، يمكننا أن نستخلص عددا هاما من الملاحظات ذات الصلة بالنظام السياسي الجزائري آنذاك، فحسبها أن تعيين الحكام كثيرا ما كان يتم في ظل صراعات دموية ينتج عنها مقتل العديد من الموظفين والجنود، ومن حسن حظ الإيالة أن هذا الصراع والاقتتال انحصر داخل مقر الحكم ولم يمتد إلى الشارع، باعتبار أن السكان المحليين لم يكونوا طرفا فيه ففضلوا اللجوء إلى بيوتهم وغلق أبوابها عليهم في انتظار توقف الاقتتال، وخوفا من الفوضى والنهب اللذان يثيرانهما الجنود في أحياء مدينة الجزائر خلال مدة الاقتتال على الحكم، فكان لهذا الحياد آثاره الإيجابية، فمن ناحية جنب البلاد حربا أهلية قد تكون لها آثار وخيمة على كل جوانب الحياة، ومن ناحية أخرى أدى إلى حسم الصراع في فترة قصيرة من الزمن.
وخلاصة القول، فإنه لا يمكن لأي دارس الاستغناء عن المصادر الأجنبية عند دراسة الجزائر خلال العهد العثماني، فهي تحوي معلومات دقيقة وجد هامة عن جوانب متعددة من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية آنذاك، كما تمكننا من معرفة نظرة الآخر إلى هذا المجتمع، غير أنه لا بد من توخي الحذر والحيطة من هذه المعلومات لما فيها من دس وتغليط نابع عن حقد وكره للايالة الجزائرية وحكامها الذين كانوا في صراع مرير ضد القوى الأوربية، والتي تبرز في كثرة الحملات التي خاضتها هذه القوى ضد الجزائر طيلة هذا العهد والتي توجت بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830.
سنحاول من خلال الجدول رقم (2) إبراز أسماء باشوات الجزائر الذين تعرضوا للاغتيال، وأسباب ذلك، مع ملاحظة أن هذه المعلومات مستنبطة من مصادر أجنبية، وذلك لقلة المصادر المحلية التي تحدثت في هذا المجال:
| الاسم | فترة الحكم | طريقة الاغتيال | |
| عهد البايلربايات 1544-1587 | حسن قورصو | 1556-1557 | علق حيا على الخطاطيف الموضوعة على جدار باب عزون، بعد تمرده على خلفه. |
|
كرد أوغلي (طكلرلي) |
1557 | قتل من طرف قايد تلمسان، لما كان يهم بالفرار إلى مقام سيدي عبد الرحمن. | |
| عهد الباشوات 1587-1659 | فتـرة هــدوء واسـتـــقـرار | ||
| عهد الآغاوات 1659-1671 | خليل آغا | 1659-1660. | قتل من طرف أنصاره الذين أوصلوه إلى الحكم. |
| رمضان آغا | 1660-1661. | اتهم بتحريض الصراع بين الانكشارية والرياس بسبب توزيع الغنائم. | |
| شعبان آغا | 1661-1665. | اتهم بالتهاون في تحصين السواحل واتخاذ التدابير العسكرية لصد الغارات الأوربية. | |
| علي آغا | 1665-1671. | اتهم بتشجيع الخلاف بين الانكشارية والرياس، فعذب لإرغامه على كشف المكان الذي خبأ فيه ثروته. | |
| عهد الدايات 1671-1830. | بابا حسن باشا | 1682-1683 | أعدم من طرف الجيش. |
| الحاج شعبان باشا | 1688-1695 | أعدم خنقا بعد تعذيب شديد مارسه عليه الانكشارية ليكشف عن المكان الذي خبأ فيه ماله. | |
| الحاج مصطفى باشا | 1700-1705 | أعدم خنقا. | |
| محمد بكداش باشا | 1707-1710 | أعدم خنقا من طرف الجيش. | |
| دالي ابراهيم باشا. | 1710 | حاول هتك عرض امرأة، فأطلقت عليه رصاصتين، ولكنه نجا ولجأ إلى القصر، حيث قتل هناك بعد رميه بقنبلة من أعلى القصر. | |
| محمد بن حسن باشا | 1718-1724 | قتل بطلقات نارية من طرف أحد الجنود قرب مقر البحرية. | |
| ابراهيم كوتشوك | 1745-1748 | وضع له أحد الانكشاريين السم فمات مسموما. | |
| محمد بن بكير باشا | 1748-1754 | قتل خنقا في قصر الجنينة. | |
| مصطفى باشا | 1795-1805 | قتل ذبحا وسحب جسده عبر شوارع المدينة. | |
| أحمد باشا | 1805-1808 | قتل رميا بالرصاص وهو يحاول الهروب من القصر. | |
| علي باشا الغسال | 1808-1809 | حاول الانكشارية إجباره على شرب السم، وبعد رفضه خنقوه. | |
| حاج علي باشا | 1809-1815 | قتل خنقا في الحمام. | |
| محمد باشا | 1815 | قتل خنقا في قصر الجنينة. | |
| عمر باشا | 1815-1817 | قيد ونفذ فيه الحكم خنقا دون أن يبدي أي مقاومة. | |
(1) كان قدوم الإخوة بربروس إلى الجزائر بعد طلب قدمه سكانها إلى عروج وخير الدين لما كانا بمدينة جيجل لتخليصهم من التواجد الاسباني الذي كان متمركزا في قلعة "الصخرة Pénõn" منذ عام 1511، كما أن السكان هم الذين طالبوا بإلحاق الجزائر بالدولة العثمانية، أي قدوم العثمانيين لم يتم بالقوة أو السيطرة، راجع:
التميمي، عبد الجليل، " أول رسالة من أهالي مدينة الجزائر إلى السلطان سليم الأول سنة 1519"، المجلة التاريخية المغربية، العدد 06، تونس، جويلية 1976، ص ص.119-120.
(2) Haedo (Fray Diego De). « Histoire des rois d’Alger. » Traduit et Annotée par H.D. De Grammont. R. AF n°15, 1870, pp.56-57.
(3) Laugier De Tassy. Histoire du royaume D’Alger (1724).Editions loysel, Paris, 1992, p.22.
(4) يذكر السيد توفيق المدني أن هذه الوثيقة موجودة في أرشيف سيمانكس باسبانيا، راجع:
المدني، أحمد توفيق، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر واسبانيا 1492-1792، الطبعة الثانية، منقحة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1972، ص 175.
(5) Haedo. « Histoire des rois d’Alger ».R.AF,1880, p.238.
(6) Fisher, Sir Godfrey, Légende Barbaresque : Guerre, Commerce et piraterie en Afrique du nord de 1415 à 1830 (Traduit et Annoté par Hellal Farida). O.P.U, Alger, 1991, p.101.
(7) نحصر هذه الامتيازات في الأجرة التي كانت تدفع للجندي كل شهرين قمريين، والمكافآت خلال المناسبات، وحصوله على أربع خبزات يوميا مجانا، ونصيب من اللحم مع السماح له بشراء كمية من اللحم بثلث سعره المعروض في السوق، لمزيد من التوضيح أنظر:
بوشنافي، محمد، الجيش الانكشاري خلال العهد العثماني في الجزائر (1700-1830)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة وهران، جوان 2002، ص ص 87-95.
(8) خوجة، حمدان بن عثمان، المـرآة (تقديم وتعريب وتحقيق الزبيري العربي)، الطبعة االثانية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982، ص 149.
(9) Cannard (M). « Une Description de la cote Barbaresque au XVIII siècle par un officier de la marine Russe ». R.AF, Tome 92, 1951, p.177.
(10) Sir Godfrey, op.cit, p.96.
(11)Haedo (Fray Diego De). « Topographie et Histoire d’Alger ». Traduit de l’espagnol par Monnereau et Berbrugger. R.AF, n°15, 1870, pp.318-319.
(12) Shaw. Voyage dans la régence d’Alger. Traduit de l’Anglais par J.Mac Carthy, 2ème édition, Editions Bouslama, Tunis, 1980, pp.149-152.
(13) الداي، كلمة عثمانية تعني الخال.
(14) يقع قصر الجنينة في أسفل مدينة الجزائر، وكان المقر الرسمي لباشوات الجزائر إلى غاية عام 1817، لما قام الداي علي خوجة (1817-1818)، بنقل مقر الحكم إلى حصن القصبة في أعالي مدينة الجزائر لأسباب أمنية واستراتيجية.
(15) سبنسر، وليم، الجزائر في عهد رياس البحر (تعريب وتعليق زبادية عبد القادر)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980، ص 74.
(16) Shaw. Op.cit, p.153. et Tassy. Op.cit, p.129.
(17) Shaw. Op.cit, p.153.
(18) خط هومايون، 22556/6/1231هـ المركز الوطني للأرشيف بالجزائر.
(19) Venture De Paradis (Jean-Michel). Tunis et Alger au XIII siècle, mémoires et observations rassemblés et présentés par Joseph Cuoq. Editions Sindbad, paris, p.205.
(20) يعتبر الداي محمد بن عثمان باشا من أبرز الدايات الذين حكموا الجزائر، فدام حكمه خمسة وعشرين سنة، وتميز عهده بالاستقرار وكثرة الإصلاحات مع وجود بايات أقوياء في الأقاليم، كالباي صالح باقليم قسنطينة (1771-1792)، والباي محمد الكبير (1779-1797) ببايليك الغرب.
(21) أنظر: Renaudot (M). Tableau du Royaume d’Alger et de ses environs, état de son commerce, de ses forces de terre et de mer, 2ème édition, librairie universelle de p.Mongie Ainé , paris, 1830, p.90.
(22) Tassy, op.cit, p.130.
(23) حول هذه الحادثة راجع: Ibid, p.134. وكذلك:
Emirit, Marcel. « Un Astronome Français à Alger en 1729 ». R.AF, T81, 1940, p.228.
(24) Tassy, op.cit, p.130.
(25) جون، ب، وولف، الجزائر وأوربا 1500-1830 (ترجمة وتعليق سعد الله أبو القاسم)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 433.
(26) Tassy, Op.cit, p.135
(27) Boyer, pièrre. La vie quotidienne à Alger à la veille de l’intervention française, Librairie Hachette, paris, 1963, p.94.
(28) Fau (Le R.P, de la Mercy). « Description de la ville d’Alger avec l’observation d’une éclipse de lune qui arrive le 13 Février 1729 ». R.AF, T85, 1940, p.252.
(29) Emerit, Marcel. « Le voyage de la codamine à Alger 1731. ». R.AF, 1954, p.292.
(30) Grammont (H.D). Histoire d’Alger sous la domination Turque (1515-1830). Ernest Leroux éditeur, paris, 1887, p.231.
(31) Ibid, p.266.
(32) Renaudot (M). Op, cit, p.86.
