metadjer.ht.1
فهرسة و تراجم علماء الأندلس لابن الفرضي
الأستاذة متاجر صورية
جامعة سيدي بلعباس
يعد كتاب "تاريخ علماء الأندلس" لأبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي، من ذخائر الأندلس الثقافية، فهو مصنف رائد في ميدان التاريخ والسير، ترجم فيه المؤلف لخلفاء الأندلس، وولاته، وعلمائه، ومن نبغ فيه من أهل الفقه، والحديث، والأدب، والرواية، منذ الفتح الإسلامي، وحتى أواخر القرن الرابع الهجري.
ba
اتسم نموذج الكتابة التاريخية لابن الفرضي، من خلال إعطاء هوية متصلة لفئات العلماء والفقهاء، فأراد كتابه تأليف تاريخي يسجل فيه الوقائع السياسية لعصره، لكنه تراجع عن هدفه الأول لأسباب لم يذكرها ليكتب تراجم تحت عنوان "تاريخ الفقهاء والقضاة ورواة العلم والأدب من أهل الأندلس"[1].
إن الإنتاج التاريخي للوسط العلمي والفقهي، تمثل أساسا في تدوين كتب الصلات و التراجم، وهي التآليف التي تحتوي على مادة بيوغرافية وببليوغرافية. وقد انتشرت هذه الكتب على الخصوص ببلاد الأندلس قبل أن تسود بلاد المغرب.
من هذا المنطلق حاولنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة تسليط الضوء على تراجم علماء الأندلس في القرون الأولى من خلال تصفح كتاب علماء الأندلس لابن الفرضي.
أولا: حياته:
هو أبو الوليد، عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي[2]، مؤرخ، حافظ، أديب، ولد بقرطبة سنة 351هـ/962م، ونشأ فيها يتلقى العلم عن كبار مشايخها وعلمائها. وتولى قضاء بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، ورحل من الأندلس إلى المشرق سنة 382هـ/993من فحج، وأخذ من العلماء، وسمع منهم، وكتب من أماليهم. ثم عاد إلى قرطبة، واستقر فيها، إلى أن قتله البربر يوم دخولها، في داره، في السادس من شوال سنة 403هـ/1013م.
وروي الحميدي، عن أبي محمد علي بن أحمد الحافظ، عن أبي الوليد بن الفرضي، أنه قال: "تعلّقت بأستار الكعبة، ساكت الله تعالى الشفاعة ثم انحرفت وفكرت في هول القتل، منذ مت وهممت أن أرجع فأستقيل الله ذلك، فاستحييت. قال أبو محمد: فأخبرني من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف وهو في آخر رمق: "لا يكلم وأحد في سبيل الله، أعلم بمن يكلم في سبيله. إلا جاء يوم القيامة وحرمه يثقب[3] دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك". كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى نحبه على إثر ذلك[4].
ويقال: إنه بقي بعد القتل ثلاثة أيام في داره، لا يجرؤ أحد على الدخول إليه حتى هدأت الفتنة، فدفن متغيرا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة"[5].
1. جهود ابن الفرضي في تحصيل العلم:
نشأ ابن الفرضي منذ نعومة أظافره محبا للعلم وللعلماء، مقبلا على الاستزادة من كافة فروع الثقافة، تلقى العلم بقرطبة عن علمائها وشيوخها مختلفة أنواع العلوم والآداب، حتى أماط بفنونها، فتلقى العلم بالأندلس وسمعه من أبي جعفر أحمد بن عون الله، والقاضي أبي عبد الله مفرج، وأبي محمد عبد الله قاسم بن سليمان الثغري، وخلف بن القاسم، وأبي محمد بن أسد، وأبي أيوب سليمان بن حسن بن الطويل وأبي بكر عباس بن أصبغ، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي زكرياء يحي بن مالك بن عائذ، وأبي محمد بن حرب[6].
في سنة 382هـ، رحل إلى المشرق طلبا للمزيد من العلوم والمعارف، فحج، وأخذ بمكة عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن الدخيل المكي، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن جهضم. وأخذ بمصر عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البنّا، وأبي بكر الخطيبي، وأبي محمد الحسن بن إسماعيل الغراب، وأخذ بالقيروان عن أبي محمد بن أبي زيد الفقيه، وأبي جعفر أحمد بن دحمون، وأحمد بن نصر الداودي[7].
ثم عاد إلى قرطبة وقد أحاط بعلوم واسعة مكنته من تصدر حلقات العلم والرواية والأدب، وشجعت العديد من علماء عصره للأخذ عنه، كأبي عمر بن عبد البر الحافظ، وأبي عبد الله الخولاني، وأبي بكر بن محمد بن إسحاق المهلبي[8].
2. ثقافته الموسوعية:
اهتم ابن الفرضي كثيرا بسماع ورواية وكتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة تراجم علمائه ورواته. ترك عددا من المؤلفات النفسية في التاريخ والأدب والحديث، ذكر الرواة منها: كتاب "تاريخ علماء الأندلس"[9]، وكتاب "المؤتلف والمختلف" في الحديث، وكتاب "المتشابه" في أسماء رواة الحديث وكناهم، وكتاب "أخبار شعراء الأندلس"[10].
ويذكر ابن خير الأشبيلي في فهرسته بأن تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، يتضمن أسماء الحفاظ للحديث المعتنين بالسنن ومن برع منهم في الأدب[11].
ولأبي الوليد بن الفرضي شعر متين، لطيف المعاني، تداوله الناس في منتدياتهم ومصنفاتهم، نذكر منه قوله وهو في طريقه إلى المشرق: وه من البحر الطويل:[12]
مضت لي شهور –منذ غبتم- ثلاثة وما خلتني أبقى –إذا غبتمُ – شهراً
وتا الله ما فارقتكم عن قلتي لكـم ولكنها الأقدار تجري كما تُجرى.
ويروى أنه كان جمَاعاً للكتب، وقلد قراءة الكتب في عهد الفترة العامرية، واستقضى ببلنسية، وكان حسن البلاغة والخط[13].
وفي مجال منزلته وأقول العلماء فيه:
عرف ابن الفرضي بغزارة العلم، وسعة الرواية، وجودة التأليف، وحسن الدراية بالحديث والأدب والشعر، قال أبو عمر بن عبد الله الحافظ: "كان فقيها عالماً في جميع فنون العلم في الحديث وعلم الرجال". كان حسن الصحبة والمعاشرة، حسن اللقاء"[14].
وقال عنه أبو عبد الله الخولاني: "كان من أهل العلم، جليلا، ومقدما في الآداب، نبيلاً مشهوراً بذلك"[15].وقال أبو مروان بن حيان: "لم يُر مثله بقرطبة في سعة الرواية، وحفظ الحديث، ومعرفة الرجال، والافتنان في العلوم، إلى الأدب البارع"[16].
وذكره أبو عبد الله الحميدي فقال: "كان حافظاً، متقناً، عالما، ذا حظ من الأدب وافر"[17]. وامتدحه ابن خلكان بقوله: "كان فقيها عالما في فنون العلم: الحديث وعلم الرجال، والأدب البارع"[18].
إن كتاب "تاريخ علماء الأندلس"، هو مصنف رائد في ميدان التاريخ والسير، ترجم فيه المؤلف لخلفاء الأندلس، وولاته، وعلمائه، ومن نبغ فيه من أهل الفقه، والحديث، والأدب، والرواية، منذ الفتح الإسلامي، وحتى أواخر القرن الرابع الهجري.
وبلغ من أهمية هذا الكتاب، أن العديد من مصنفي الأندلس قد اقتدوا به، ونهلوا منه، وحذوا حذوه في مؤلفاتهم، كأبي عبد الله الحميدي[19] في كتابه "جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس"، وأبي جعفر الضبي[20]، في كتابه "بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس"، وأبي القاسم بن بشكوال[21]، الذي صرح في مقدمة كتابه "العلة في تاريخ علماء الأندلس" باقتدائه باين الفرضي، وسيره على نهجة في الترجمة والترتيب والتبويب. بقوله:"أما بعد، فإن أصحابنا –وصل الله توفيقهم- ونهج إلى كل صالحة من أعمال طريقهم- سألوني أصلي لهم كتاب القاضي الناقد، أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي الحافظ، المعروف بابن الفرضي، في رجال علماء الأندلس،... فسارعت إلى ما سأكره، وشرعت في ابتدائه على ما أحبوا ورتبته على حروف المعجم ككتاب ابن الفرضي، وعلى رسمه وطريقته"[22].
وذكر ابن خلكان بأنه ابن بشكوال ذيل على كتاب تاريخ علماء الأندلس بكتابه الصلة[23].
ثانيا: دراسة كتاب تاريخ علماء الأندلس
1. المحتوى العلمي للكتاب:
- بدأ ابن الفرضي كتابه بمقدمة، فيها كلمة مختصرة من الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله والنبيين، ثم ذكر ما يتصل بكتابه: موضوعا، ومنهج ترتيب (على الحروف)، والعناصر التي يركز عليها في كل ترجمة، وموارده التي يستقي منها معلوماته، وسؤاله العلماء كما لا يعرف عن المترجمين، ثم وعد بالتقصي فبدأ مختصرة من حكام الأندلس من (عهد الداخل إلى هشام المؤيد)[24].
- بدأ ابن الفرضي، عقيب ذلك في تسجيل تراجم كتابه، مرتبا إياها على حروف الهجاء: الألف، الباء، التاء وهكذا في باب حرف الباي، مع ملاحظة خلو حرف الظاء، من التراجم، وتقديمه باب حرف الواو[25]، على باب حرف الهاء[26].
- قسم الأبواب الرئيسية إلى أبواب فرعية، فمثلاً: ضم حرف (الألف) عدة أبواب هي: باب (ابراهيم)، وباب (أبان)، وباب (أحمد)، وباب (إدريس)، وباب (إسماعيل)، وباب (إسحاق)، وباب (أمية)، وباب (أسد)[27]، وقد يوجد أشخاص غرباء قدموا من خارج بلده (الأندلس)، وأقاموا بها، فترجم لهم كل في باب تحت عنوان (الغرباء)[28]، وقد يترجم في نهاية الباب لمن عُرف بكنيته[29].
- من أبرز من ترجم لهم ابن الفرضي في كتابه: (أبان بن عيسى بن دينار، وأحمد بن زياد بن دينار، وأحمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي، وأحمد بن خالد، وأحمد بن بقي بن مخلد، وأحمد بن محمد بن عبد البر، وأحمد بن سعيد بن حزم الصدفي، وبقي بن مخلد، وإسماعيل بن إسحاق الحافظ المؤرخ، وعبد الملك بن حبيب ومحمد بن حارث الخشني، ومحمد بن وضاح القرطي)[30].
أ. الموارد:
تعد الموارد التي استمد منها ابن الفرضي مادة كتابه من التنوع والغزارة، بحيث انعكست على مدى موسوعيته وثقافته، وجهوده في تحصيل العلم.
ومن أشهر موارد كتابه تاريخ علماء الأندلس:
- خالد بن سعد[31]: وقد نقل ابن الفرضي من كتابه برواية إسماعيل بن إسحاق الحافظ[32]، 247 رواية[33].
- محمد بن أحمد بن يحي بن مقرج القاضي[34]: اقتبس الفرضي منه 120 رواية[35].
- أحمد بن محمد بن عبد البر[36]: استعان به ابن الفرضي في تراجم كتابه، برواية محمد بن رفاعة الشيخ الصالح[37]، وبلغت عدد الروايات المقتبسة منه 117 وروايته[38].
- إسماعيل بن إسحاق[39]: اقتبس منه ابن الفرضي 89 رواية[40].
ب. التراجم:
حرص ابن الفرضي عند ترجمته على مايلي:
- التزامه الإيجاز والاختصار في التعريف بأعلامه، حتى لا يخرج عن الخطة التي رسمها لنفسه في مقدمة كتابه: "هذا الكتاب جمعناه في فقهاء الأندلس وعلمائهم ورواتهم، وأهل العناية منهم، ملخصا على حروف المعجم، قصدنا فيه قصد الاختصار؛ إذ كانت نيتنا قديما أن نؤلف في ذلك كتابا موكبا على المدن يشتمل على الأخبار والحكايات... فجمعنا هذا الكتاب مختصراً"[41].
- حرص المؤلف على عدم تكرار أسانيده، أو إعادة تفصيل أسماء الذين أخذ عنهم من العلماء والشيوخ "وتركنا تكرار الأسانيد مخافة أن نقع فيما رغبنا عنه من الإطالة"[42].
- ذكر اسم الشخص المترجم له، ونسبه، وكنيته، وموطنه، وتاريخ وفاته، ومكانها.
- ذكره الشيوخ الذين تتلمذ عليهم المترجم له، والعلماء الذين سمع منهم أو روى عنهم، والعلماء الذين تتلمذوا عليه، أو رووا عنه.
- ذكره البلدان التي زارها، أو أقام فيها، في الأندلس وخارجها، وذكره العلماء الذين إلتقاهم، أو أخذ عنهم فيها.
- التركيز على الجانب العلمي لدى المترجم لهم (الفقه، الحديث، الرواية، السماع، الحفظ)، وإغفاله الجانب الأدبي لديهم، وإن كانوا من الشعراء، خلافا كما فعل الذين صنعوا في تاريخ علماء الأندلس من بعده كابن بشكوال والحميدي، والضبيّ.
- تجاوزه الجانب العلمي لدى بعض المترجمين لهم إلى الجانب الخلقي، حيث كان يسرد بعض طباع الرجل وخصاله، أو يذكر حرفته، كقوله في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن فروة: "وكان مغفلا يذهب في شرب النبيذ الصلب مذهب أهل العراق"[43]. وقوله في ترجمة إبراهيم الزاهد: "كان خياطا"[44].
- بالرغم من حرصه على تزويد الترجمة بتاريخ الوفاة ومكانها، فإن ابن الفرضي أغفل ذلك في كثير من تراجمه، ليعد عهده بأصحابها، أو لعدم معرفة شيوخه الذين روى عنهم بها.
2. منهج ابن الفرضي:
إن الغرض من تأليف الكتاب كما يقول ابن الفرضي: "وغرضنا فيه: ذكر أسماء الرجال، وكناهم، وأنسابهم، ومن كان يغلب عليه حفظ الرأي منهم، ومن كان الحديث والرواية أملك به، وأغلب عليه، ومن كانت له إلى المشرق رحلة، وعمّن روى، ومن أجل من لقي، ومن بلغ منهم مبلغ الأخذ، ومن كان يشاور في الأحكام ويستفتي، ومن ولي منهم خطة القضاء، ومن المولد والوفاة أمكنني"[45].
يمكننا تحديد منهج ابن الفرضي في كتابه على النحو التالي:
- تصديره الكتاب بمقدمة تشتمل على دوافع تأليفه، ومنهجه، ومصادره.
- تضمينه الكتاب تراجم لألف وستمائة وواحد وخمسين رجلاً من أعلام الأندلس وعلمائها المبرّزين (1651).
- تقسيمه أسماء الأعلام وفقا لحروف الهجاء، وترتيبه الأعلام في كل باب وفقا لتقادم وفياتهم.
- تخصيصه فصلا مستقلا في كل من أبواب الحروف للأسماء المفردة. وكذلك كان يفعل بأسماء الغرباء الوافدين على الأندلس من البلدان الأخرى
- استخدم صيغ محددة مصاحبة للمورد الذي اعتمد عليه مثل: قال[46]، وقال لي[47]، وذكره[48]، وحدثنا[49]، وقال لنا[50]، وأخبرنا[51]، وأخبرني[52]، وسمعته[53]، وذكر لي[54]، وحدثني[55]، وقال الرازي[56]، وسمع من بقي بن مخلد[57]، وروى عن[58]، وجدت بخط[59].
ثالثا: المظاهر الحضارية في كتاب ابن الفرضي:
لم يكتف ابن الفرضي بسرد المعلومات التقليدية المتصلة بالمتربصين (من نسب وكنية، وبلد، ومولد، ووفاة، وتلاميذ)، ساعدت طبيعة تراجم العلماء على إبراز الظواهر الحضارية –الثقافية والاجتماعية المترجمة لحياة هؤلاء المترجمين خاصة، وبلاد الأندلس عامة. ومن ذلك: (الترجمة للعلماء في شتى فروع المعرفة، فنجد النحاة والعروضيين[60]، والشعراء[61]، ومن لهم صلة بالحديث[62]، والأدب[63]، وأهل الحديث ومعرفة الرجال[64]، وعلماء اللغة[65]، والقراءات[66]، والطب[67].
كما نجد حشداً هائلاً من المؤلفات الكثيرة في مختلف العلوم اللغوية وأحكام القرآن[68]، وكتب التفسير[69]، والحديث[70]، والزهد[71]، وأحكام القرآن[72]، إلى جانب المؤلفات التاريخية، وطبقات الفقهاء والتابعين[73].
لقد حظي العلماء في الأندلس بمكانة اجتماعية مرموقة، وولوا مناصب عديدة، وكان لهم دورهم في حركة المجتمع الأندلسي، فكان بعضهم يستخدم من قريته إلى قرطبة، للقيام بالناس في رمضان[74]، والبعض يقرأ على الخليفة (هشام المؤيد) [75].
فقد كان الناس بالأندلس يعرفون للعلماء أقدارهم، وكانت جنازاتهم وهم ويدفنون إلى مثواهم الأخير خير شاهد على عظم مكانتهم في نفوس المجتمع، إذ كان الازدحام لتشيعيهم عظيماً[76].
لقي كتاب ابن الفرضي ترحيبا كبيرا في أوساط العلماء حيث درس في حلقات العلم في كافة أرجاء بلاد الأندلس. لم يكن ابن الفرضي يعلم أنه أسس فنا من فنون الكتابة التاريخية عرف باسم "الصلة"، الذي تميز بكتابة تراجم قصيرة، بنفس الكيفية، وبإقصاء النخب السياسية منه، إذ خصص ابن الفرضي كتابه لفئات العلماء فقط.
لقد نضجت مدرسة التراجم الأندلسية على يد ابن الفرضي في القرن الرابع الهجري، وحققت نهضة كبرى، سواء على مستوى الشمول والفخامة، وكثرة عدد العلماء الذين ترجم لهم، أم على مستوى التدقيق والتوثيق، والمنهج الذي وضعه، على مستوى الموارد التي استعان بها.
كان كتاب ابن الفرضي عمدة تراجم الأندلسيين بالنسبة للمصادر التي أتت بعده. وهذا ما جعله يحظى بعمليات تذليل وإيصاله بكتب أخرى على فترات متتالية، وكانت عملية التذليل الأولى من إنجاز أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال القرطبي (ت 578هـ/1183م) بعنوان "كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس"، وبعد ذلك أقام ابن الآبار القضاعي بتذليل صلة ابن بشكوال في مؤلفه "كتاب التهلكة لكتاب الصلة".
تواصل تذليل كتب الصلة في بلاد المغرب بعد لجوء الجماعات الأندلسية إليها. يرجع التغيير في كتابه الصلة إلى استقرار الجاليات الأندلسية ببلاد المغرب ومحاولتها بناء ذاكرة جماعية مشتركة بين وطنهم القديم (الأندلس) والجديد. ويعتبر الوزير لسان الدين بن الخطيب من آخر من اهتم بفن الصلة إذ أشار إلى ذلك في كتابه "كتاب عوائد الصلة" وهو كتاب صلة على صلة ابن بشكوال[77].
لقد كان تأثير ابن الفرضي في المؤرخين الذين جاؤوا من بعده ليس عند حد النقل عنه، بل في إتباع منهجه وطريقته في التنظيم، والتبويب، واختيار الموضوع.
ملحق[78]

[1] - نشر إبراهيم الأبياري، تاريخ علماء الأندلس: دار الكتاب المصري القاهرة، دار الكتاب اللبناني: بيروت، بدون تاريخ.
[2] - ترجمته في الكتب التالية:
- ابن بشكوال (أبي القاسم خلف بن عبد الملك)، الصلة في تاريخ علماء الأندلس (اعتناء: صلاح الدين الهواري)، ط1، صيدا: المكتبة العصرية، 1423هـ/2003م، ج1، ص ص 212-216.
- الحميدي (أبو عبد الله)، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، (تقديم وشرح وفهرسة: صلاح الدين الهواري)، صيدا: المكتبة العصرية، ط1، 1427هـ/2006م، ص 244-246.
- الضبي (أبي جعفر أحمد بن يحي بن عميرة)، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس (شرح وفهرسته: صلاح الدين الهواري)، ط1، صيدا: المكتبة العصرية، 1426هـ/2005م، ص ص 311-312.
- ابن فرحون (إبراهيم بن علي بن محمد)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، (تحقيق: علي عمر)، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، ط1، 1423هـ/2003، ج1، ص 398.
- ابن خلكان (أبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم)، وفيات العيان وأنباء أبناء الزمان (تحقيق: يوسف علي الطويل-مريم قاسم الطويل)، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1419هـ/1998، ج3، ص 86.
[3] - يثغب: يسيل.
[4] - الضبي، المصدر السابق، ص 312.
[5] - ابن خلكان، المصدر السابق، ص 87.
[6] - ابن بشكوال، المصدر السابق، ج1، ص 212.
[7] - نفسه، ص 213.
[8] - نفسه، ص ص 213-214.
[9] - ورد: تاريخ العلماء، والرواة للعلم بالأندلس بهذا العنوان في كتاب الجذوة، ج1، ص 397، والبغية، ص 312.
[10] - الحميدي، المصدر السابق، ص 246.
[11] -ابن خير الأشبيلي، المصدر السابق، ص ص 218-220.
[12] - بغية الملتمس: ص 312.
[13][13] - الصلة: ص 214.
[14] - نفسه، ص 213.
[15] - نفسه.
[16] - نفسه، ص 314.
[17] - جذوة المقتبس، ص 244.
[18] - ابن خلكان، المصدر السابق، ج3، ص 86.
[19] - هو أبو عبد الله، محمد بن فتوح الأزدري الميورقي الحميدي، مؤرخ، محدث، أخذ العلم عن ابن حزم، وأقام ببغداد، وتوفي فيها سنة 488هـ/1095م.
أنظر: ابن خلكان، ج4، ص 282.
[20] - أبو جعفر، أحمد بن عميرة الضبي: مؤرخ، من علماء الأندلس ولد في بلبش، وأقام في مرسية إلى أن توفي سنة 599هـ/1203م.
[21] - أبو القاسم، خلف بن عبد الملك، بن بشكوال: مؤرخ، من أهل قرطبة، توفي سنة 578هـ/1183م.
[22] - ابن بشكوال، المصدر السابق، ص 17.
[23] - ابن خلكان، ج3، ص 87.
[24] - ابن الفرضي (أبي الوليد عبد الله بن محمد الأزدي)، تاريخ علماء الأندلس (تحقيق: صلاح الدين الهواري)، ط1، صيدا: المكتبة العصرية، 1427هـ/2006"، ص ص 13-19.
[25] - يمتد هذا الباب من، ج2، ص ص 142-148.
[26] - يمتد من ص ص، ج2، ص ص 149-155.
[27] - راجع، ص 81.
[28] -راجع مثلا، الغرباء في باب (الواو)، ج2، ص 148.
باب (الزاي)، ج1، ص 150.
[29] - راجع مثلا، - زمعة بن عثمان بن هشام، ج1ن ص 152.
- وجيه بن وهبون الكلابي، ج2، ص 147.
[30] - معظم هؤلاء الرجال، إما علماء، رجال حديث، فقهاء، أدباء، شعراء...
[31] - توفي عام 354هـ/964م، أي بعد مولد ابن الفرضي بعام واحد، يعني أنه لم يلتقي به، وإنما نقل من كتبه عن طريق رواية إسماعيل بن إسحاق الحافظ.
أنظر: عبد الفتاح فتحي، عبد الفتاح، التاريخ والمؤرخون في مصر والأندلس في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ/2004، ج21، ص 512.
[32] - ذكره ابن الفرضي في ج1، ص 130 (خالد بن سعد القرطي، الإمام الحافظ، المحدث، (المتوفي سنة 384هـ/995م)).
[33] - ابن الفرضي، ج1، ص 67.
[34] - ورد في مقدمة ابن الفرضي (ج1، ص 15)، أن لمحمد بن أحمد مختصراً جمعه للإمام المستنصر بالله (رحمه الله).
[35] - ابن الفرضي، ج2/85.
[36] - من أهل قرطبة، كان بصيرا بالحديث، فقيها بالسجن سنة 338هـ، لتآمره على الخليفة الناصر، استعان به ابن الفرضي بكتابه الفقهاء بقرطبة، ابن الفرضي، ج1، /49.
[37] - قال ابن الفرضي في مقدمة كتابه 1/14: فما كان في كتابنا هذا عن أحمد، فهو أحمد بن محمد بن عبد البر، أخبرنا به عنه (محمد بن رفاعة الشيخ الصالح).
[38] - ابن الفرضي، ج1، /49.
[39] - ترجم له ابن الفرضي 1/75، وقال: إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم، يعرف بابن الطحان، عالم بالآثار والسنن، حافظ لأسماء الرجال، وأخبار المحدثين، ولد سنة 305هـ/ وتوفي سنة 384هـ.
[40] -ابن الفرضي، 1/24.
[41] - نفسه، ج1، ص 1.
[42] - نفسه، ص2.
[43] - نفسه، ج1 / 26
[44] - نفسه، ج1/14.
[45] - نفسه، ج1/2.
[46] - نفسه، 1/82
[47] - نفسه، 1/33 – 1/127.
[48] - نفسه، 1/284.
[49] - نفسه، 1/196
[50] - نفسه، 1/97.
[51] - نفسه، 1/106 – 1/126.
[52] - نفسه، 1/76 – 1/133.
[53] - نفسه، 1/31.
[54] - نفسه، 1/17.
[55] - نفسه، 1/59 – 1/298.
[56] - نفسه، 1/45.
[57] - نفسه، 1/47 – 1/111.
[58] - نفسه، 1/31.
[59] - نفسه، 1/38.
[60] - ج1 / 46.
[61] - ج1 / 48.
[62] - ج1 / 49.
[63] - ج1 / 52.
[64] - ج1 /53.
[65] - ج1 / 114
[66] - ج1 / 81.
[67] - ج1 / 80.
[68] - ج1 / 77.
[69] - ج1 / 109.
[70] - ج1 / 123.
[71] - ج1 / 123.
[72] - ج1 / 47.
[73] - ج1 / 313.
[74] - ج1 / 139.
[75] - ج1 / 58
[76] - مثل جنازة مسلمة بن محمد بن مسلمة القرطبي المتوفي 391هـ، دفن بعد صلاة العصر، وما انصرف الخلق إلا بليل، ج2/130.
[77] - يعتبر هذا الكتاب في قائمة الكتب المفقودة، وقد أشار إليه، ابن الخطيب 17 مرة في كتابه الموسوم بـ: "الإحاطة في أخبار غرناطة" (نشر محمد عبد الله عنان)، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1973.
[78] - للمزيد حول هذا الموضوع يرجى العودة:
Allaoua, Amara, Pouvoir, économie et société dans le Maghreb Hammadide (395-1007-547/1052), thèse de Doctorat, Université Paris I, 2002.
