fethi.ht.1

الموحدون والحركة الثقافية في المـغرب الإسلامي

د. فتحي محمد

جامعة سيدي بلعباس

  

قامت الدولة الموحدية إثر انهيار نظيرتها المرابطية" 1129 – 1268م"، بزعامة محمد بن تومرت سليل قبيلة مصمودة التي كانت ترى نفسها أحق من غريمتها لمتونة في زعامة الغرب الإسلامي، فاجتمعت إليه فآوته وناصرته بغية إقامة دولة إسلامية مترامية الأطراف، من أجل ذلك رحل ابن تومرت في طلب العلم ، قصد الأندلس وحل بقرطبة التي كانت تعد من أشهر المراكز الثقافية والعلمية ، ثم يمم وجهه إلى الشرق الإسلامي لأداء فريضة الحج، ثم توجه نحو بغداد حاضرة الخلافة العباسية، والتي كانت في طليعة المراكز الثقافة الإسلامية في المشرق الإسلامي وقتذاك .

ba


 تلقى ابن تومرت تعليمه في بغداد على كبار علمائها ، فتبحر في علم الكلام وعقائد الاعتزال ، وأخذ من كل علم ومذهب ما يخدم فكرته ، فاتسعت معارفه، وتمكن من الإطلاع على الجو السياسي السائد الذي كان يعج بالمؤامرات والانقلابات،فقارن هذه الصورة بما هو سائد في الغرب الإسلامي فاستوعب (عوامل الانهيار والتدهور التي تعانيها دول إمارات بلاد المغرب ، وكان ذلك من الأسباب القوية التي دفعته إلى الطموح في القضاء على أنظمة الحكم الموجودة في المغرب والتخطيط لإقامة دولة موحدية قوية لا في بلاد المغرب وحدها ، بل في العالم الإسلامي)(1) كله .

رجع  ابن تومرت (إلى المغرب بحراً متفجراً من العلم وشهاباً وارياً من الدين )(2) متمكناً من تأويل المتشابه من الآي والحديث متفقهاً في حبك الدسائس السياسية ، فأشهر على المرابطين لسانه وسيفه معتمداً على شجاعته الأدبية وقوة فصاحته في اللسان العربي والبربري ،مركزاً في خطبه على الإصلاح الديني المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس غريباً (أن الحركات المذهبية التي نشأت بالغرب الإسلامي تبتدئ دينية في أول أمرها، فما أن يكتب لها الثبات حتى تظهر على حقيقتها )(3) الدنيوية .

اعتمد ابن تومرت في بث مبادئه المتمثلة في عصمة الإمام المهدي على رجلين من المغرب الأوسط لهما من الشهامة والعلم ما يؤهلهما لذلك ، أولهما أبو محمد عبد الله بن المحسن الونشريسي الذي كان عالماً فصيحاً بالعربية والبربرية وعلى درجة كبيرة من الثقافة متضلعاً في العلوم اللغوية وآدابها ، فاتفق معه ابن تومرت ، (على أن يتستر على ما هو عليه من العلم والفصاحة عن عامة الناس ويظهر العجز والغباء والتعري من الفضائل مما يشتهر به على الناس ، على أن يداوم على أخذ العلم في السر، ثم يفصح عن ذلك دفعة واحدة عندما يطلب منه ابن تومرت ذلك، فيكون بمثابة المعجزة فيصدقه الناس ويزداد إيمانهم بدعوته)(4) وعصمته بأنه المهدي المنتظر ، لأنه يظهره متفوقاً في العلم دفعة واحدة.

أما ثانيهما عبد المؤمن بن علي(5) الذي لاحظ فيه ابن تومرت عند أول لقاء، الذكاء والفطنة ، خصوصاً فيما يتعلق بالخروج على السلطة المرابطية فأحبه وأفضى إليه بأسراره لما رأى فيه من صفات النبل والعبقرية وكان يمدحه(6) بهذين البيتين :

تَكَامَلَتْ فِيكَ أَوْصَافٌ خُصِصَّـت بِهَا               /        فَكُـلُنَّا بِكَ مَسـْرُورٌ وَمـُغْتَبِطٌ

السِّـنُ  ضَاحِكَةٌ وَالكَفُّ مـَانِحـَةٌ                 /        وَالنَّفْـسُ وَاسِعَةٌ وَالوَجْهُ مُنْبَسِطٌ

شعر أمير المسلمين علي بن يوسف المرابطي بخطورة خصمه محمد بن تومرت لما اشتداد أمره و عظم خطبه بمغبة دعوته وتعاليمه التي تحمل في ثناياها طموحاً سياسياً، فتتوقع خراب دولته على يديه ،وعلى الرغم من ذلك اكتفى الأمير بإخراجه من مراكش تبرئة لنفسه من دمه .خرج في جمع من أتباعه قاصداً قرية تينملل ، فاتخذها مقراً لنشر دعوته وبويع فيها سنة( 518 هـ الموافق 1124 م) على أنه الإمام المهدي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فوصف لمرابطين بالكفر والنفاق وأن (غزوهم ومقاومتهم أوجب من غزو النصارى والمجوس )(7) لفساد عقيدتهم في نظره.

 أعلن بذلك شرعية القتال لأتباعه بإزاحة دولة المرابطين ، غير أنه توفي قبل ذلك سنة (524 هـ الموافق 1129 م) فلم يشهد نهايتها ، فتولى المهمة خليفته عبد المؤمن بن علي بوصية منه، فكان المؤسس الفعلي للدولة الموحدية .

بدأ الخليفة الجديد عهده بمقاومة المرابطين بعد تهدئة الوضع الداخلي ، بشن سلسلة من الحروب المتوالية تكللت في معظمها بانتصارات الموحدين ، تمكنوا في إحداها من قتل (الأمير علي بن يوسف سنة537 هـ فكانت بداية لنهاية دولة المرابطين )(8) مكنتهم من دخول مدينة مراكش مقر الدولة البائدة ، فشرع عبد المؤمن في توطيد أركان دولته الجديدة .

عم سلطان الموحدين ( الشمال الإفريقي كله من البحر المحيط غرباً ، إلى شرق طرابلس وبرقة ومن جبال الشارات " البرانس " بأقصى شرق بلاد الأندلس إلى تخوم صحراء إفريقيا الكبرى فكان أكبر سلطان وأعظم مملكة شهدها الغرب الإسلامي )(9) في تاريخه .

يعود الفضل في تشييد هذا الصرح الموحدي إلى الحنكة السياسية التي كان يحظى بها محمد بن تومرت ، حيث وفق في اختيار أكفأ الرجال لمساعدته في وضع خطته بأناة وإحكام لإنزال المرابطين عن عروشهم ، وفي وضع أرضية صلبة لحكم قوي امتد في خليفته عبد المؤمن بن علي ، ومن جاء بعده من بنيه وحفدته الذين تمكنوا بفضل مرونتهم السياسية ومقدرتهم العلمية وحبهم للعلم وذويه أن يوطدوا دعائم دولتهم ويبسطوا سلطانها على الغرب الإسلامي.

النهضة التعليمية:

أولت الدولة الموحدية اهتماماً بالغاً بالعلم والتعليم باعتباره البذرة الأولى في مبعث كل نشاط ثقافي وفكري ، فأولته عنايتها الفائقة وعملت على نشره والترغيب فيه، لكونه منضوياً تحت شعار الدولة المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعلته ( إجبارياً مفروضاً على كل مكلف من الرجال والنساء في كل أقاليم المملكة)(10) فشياع التعليم بين الناشئة وتمتع الجميع به من التقاليد الراسخة الجذور في المجتمعات العربية ، إذ لا فرق بين ميسور ومعسور في طلب العلم لأنه فريضة على كل مسلم .

أجمع الملاحظون على عناية الدولة بشأن التعليم ، وإن كان منتشراً بكل مستوياته وفروعه في الغرب الإسلامي منذ الفتوحات الأولى ، لأن عقيدة المسلم تفرض عليه ذلك، لكون التعليم الأداة الفعالة في خلق مجتمع متماسك لغوياً ومتقارب فكرياً .

      في الوقت الذي كان أمراء الغرب الإسلامي يفرضون التعليم على الناشئة ذكراناً وإناثاً منذ القرن الخامس الهجري ، الحادي عشر ميلادي ، لم تكن( أوربا لتفكر في التعليم الإجباري إلا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر )(11) ، من خلال ذلك نلمس مدى السبق الحضاري الذي كانت عليه الأمة العربية في جناحها الغربي في شتى ضروب العلم والمعرفة .

      أعان على انتشار العلم وذيوعه في أوساط الناس ، شغف أمراء الدولة الموحدية وولاة أمرها بالعلم،جعلهم يقبلون على الإكثار من بناء المساجد  لتأثرهم بالحضارة الأندلسية إذ (تمكنت الأندلس من غزو المغرب فنياً وعلمياً في نفس الوقت الذي غزا المغرب في عصر الموحدين بلاد الأندلس عسكرياً وعصر الموحدين هو العصر الذي توثقت فيه العلاقات الفنية بين المغرب والأندلس)(12) وانتقلت تأثيراتها إلى بلاد الغرب الإسلامي وتجلت في مجال العمارة وخصوصاً في بناء الحصون والقلاع والمساجد والتي  لا زالت معالمها شاهدة عيان على العمارة الموحدية في كثير من المدن مثل مراكش وتلمسان وغيرها،فـأصبح (الموحدون أصحاب مدرسة في فن العمارة ووفي الزخرفة من أهم تعاليمها التبسيط من التكوينات الزخرفية وتجريد التوريقات من عناصرها الحية وطبعها بطابع من الورع الذي يعكس اتجاههم الإصلاحي )(13)

      كانت المساجد بمثابة مدارس تعليمية بمختلف مراحلها،لبث وشرح مبادئ الدولة وأهدافها،ومن مظاهر عناية الموحدين بالتعليم احتضان الأمير" أبو يعقوب يوسف" الطلبة والاهتمام بهم وفسح لهم المجال في الرجوع إليه دون حاجب إن حزّ بهم مكروه، فأثار ذلك حفيظة شيوخ الموحدين على مكانة الطلبة ودُنُوِهم من مجلس الأمير فخاطبهم: (يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته وهؤلاء ـ يعني طلبة العلم ـ لا قبيل لهم إلا أنا ، فمهما نابهم أمر فأنا ملجؤهم وإلي فزعهم وإلي ينتسبون)(14) فسح هذا الفضل المجال أوسع لانتشار التعليم وتعميمه في فئات المجتمع باعتباره الأداة الفعالة في بناء المجتمعات ، كما ينم عن بصيرة نيرة ووعي ثاقب من الأمير،لما جعل التعليم في كنف الدولة ومكفولا من سلطانها، فلا يقدر العلم إلا العالم ، وكان يهدف إلى اكتشاف المعارف والقدرات وتفجير الطاقات والمواهب في شتى ضروب العلم والمعرفة .

         يبدو أن انتشار التعليم وتعميمه في عهد الموحدين لا ينفي جهود من سبقهم فقد كان للإمارات المستقلة ، الرستمية والأغلبية والإدريسية، اليد الطولى في ذلك، بفضل الحواضر الثقافية التي كانت تعج بها هذه الإمارات المبثوثة في ساحتها التي كانت مركز إشعاع ثقافي وفكري في هذه الربوع يقصدها الأدباء والشعراء وأهل العلم والفكر من كل الأصقاع .

         ثار الموحدون على مظاهر الضعف والتأخر الذي ساد الحقبة المرابطية فأطلقوا العنان للفكر في مختلف العلوم والفنون محررين العقل من مظاهر التزمت الديني ، فتحرر الفكر وانتشرت العلوم الفلسفية وازدهرت دراستها التي كانت موضع مقت ونفور ، لا يستطيع صاحبها الجهار بها خوفاً من العامة أن ترميه بالزندقة أو الكفر ، وقد تُقيِّد عليه أنفاسه بالحنق أو الحرق، استجابة لفتاوى الفقهاء المحرمة دراسة العلوم العقلية ، المجرمة لدارسيها ومدرسيها على السواء ، لطغيان الحياة الدينية على الحياة الفكرية والعقلية والأدبية.

نهضت الدولة الموحدية بالعقل والفكر وحررته من مظاهر التخلف والقيود المثبطة لكل محاولة انطلاق أو تجديد ، برفع الحضر عن كتب الإمام الغزالي وغيرها التي حكم عليها فقهاء المرابطين بالحجر والتلف ، إذ أحرق كتابه إحياء علوم الدين جهاراً نهاراً في ساحات المساجد، وتكفير قارئيه وتغريم من وجدت عنده نسخة منه ، متجاهلين المودة التي كانت بين الإمام وأمير المرابطين  يوسف بن تاشفين ، إذ أثنى عليه الغزالي في إحدى المكاتبات التي جرت بينهما (حتى لقد هم بزيارته وقصد البحر ليركب إليه فبلغه موته فرجع)(15) فلم تثن هذه الصلات فقهاء المرابطية من إصدار فتوى الإحراق لأنه اعتبر أن ( أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز )(16) فمس مصالحهم الآنية ، لأن أيديهم لم تتعفف عن هذه الأموال غير الشرعية في نظر الغزالي .

كان هذا الفعل عاملا قوياً في تراجع هيبة الدولة وانهيار دعائمها ، إذ دب الخلاف بين منظري السلطة ، التي وقعت في حرج إزاء عملية الحرق ، لأنه سلوك مشين لا يدل على الحس الأدنى من الرقي الحضاري وهو من الأفعال التي لم يغفرها خصومهم الموحدون الذين كانوا يتربصون بهم .

         يبدو من ذلك أن العلوم العقلية كانت ممقوتة لا يستطيع صاحبها إظهار نفسه أو التعبير عن رأيه، فعرفت في العصر الموحدي نهضة كبيرة بالأخص في عهد الأمير يعقوب بن يوسف ( طمح به شرف نفسه وعلو همته على تعلم الفلسفة فجمع كثيراً من أجزائها [...] وأمر بجمع كتبها، فاجتمع له منها قريب ما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي)(17) فحذقها وأصبح أحد أعلامها البارزين، فتعلق بأقطابها وأحبهم ، فكان صديقه أبو بكر محمد بن طفيل يجلب إليه العلماء والفلاسفة من جميع الأقطار، يعرفه بهم فيبرهم تقديراً لعلمهم ومكانتهم الاجتماعية .

         من هؤلاء ابن رشد أحد جهابذة علم الكلام فرشحه لترجمة كتب أرسطو وشرحها شرحاً وافياً وتفسير مذهبه في الفلسفة وتقريبه على مفاهيم الناس (فإن كان فيك قوة لذلك فافعل ، وإني لأرجو أن تفي بما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة وما يمنعني من ذلك ، إلا ما تعلمه من كبر سني واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلا ما هو أعلم  عندي منه )(18) فوجد الحكيم الجو الملائم لمزاولة نشاطه في كنف الخليفة الموحدي ، لتبسيط مفاهيم المسائل الفلسفية وتقريبها من عقول الناس .

         ينبئ النص  عن سعة أفق الخليفة يوسف بن عبد المؤمن وتضلعه في مختلف الفنون والعلوم والآداب وأنه كان على درجة من الإطلاع بالعلوم الفلسفية وما يتعلق بها  لاعتقاده الراسخ أن لا تعارض  بين العقل والدين ، فلولا مشاغله بالحُكم ومشاكله لأقدم بنفسه على تبسيط كتاب أرسطو ، ولا غرابة في ذلك لأنه نشأ في بيت علم، فكان أبوه عبد المؤمن من أشهر علماء الدولة الموحدية فقد (جمع إلى جانب تضلعه في العلوم الشرعية معرفة واسعة في مختلف العلوم العقلية) (19)والأدبية التي خطت خطوات هامة في عهده نحو الإجادة والإبداع، ولا غرابة لأنه كان شاعراً وناقداً .

         وعلى الرغم من ذلك فإن الجو لم يصبح ملائماً ومفتوحاً في وجه العامة للإقبال على العلوم العقلية وخاصة الفلسفة لرسوخ المفاهيم الدينية التقليدية في الأوساط الشعبية، لأن الدول التي عرفتها المنطقة منذ الفتح الإسلامي قامت على فكرة الإصلاح الديني ، من أجل ذلك ظل العامل الديني مسيطراً على كل أنواع المعرفة حتى في العهد الموحدي، التي لم  يختلف شعارها عن سابقاتها إلا نسبياً ، لأن زعيمها الأول "ابن تومرت"كان نبراساً ساطعاً في الأدب وقول الشعر وسراجاً منيراً في سماء الفكر والعقل، فانطبعت الدولة بهذا الطابع ، فتعهده خلفاؤه من بعده بالرعاية والتشجيع ، فكان لهم الفضل في قيام حركة ثقافية وفكرية مستمرة التطور والازدهار .

   كما وجد الأدباء في كنف الموحدين من العناية والرعاية ما لم يجدوه في العهد المرابطي الذي طبع بطابع الجهاد والدفاع عن الثغور وسيطرة الفقهاء على مقاليد الأمور فحجروا على الفكر والعقل اللذان ( لم يبلغا أوج نموهما إلا في عهد الموحدين الذين كانوا يمثلون أفضل خلافة من حياة الإسلام في المغرب في الخلق والإبداع) (20) تتجلى مظاهر تقدير الموحدين للأدباء والشعراء في الندوات الشعرية، التي كانت تقام في قصورهم ، إضافة إلى الأموال والصلات التي كان يحظى بها الشعراء ، حيث أجرى الخليفة عبد المؤمن بن علي للشاعر  محمد بن أبي العباس السمعاني (21) ألف دينار على بيت واحد نال إعجابه .

                   ماَ هَزَّ عِطْفَيْهِ بَيْنَ البِيضِ وَالُأسَلِ   /        مِثْلُ الخلِيفـَةِ عَبْدُ المؤْمِنُ بْنُ عَلِيٍّ

بعد سماعه أشار الخليفة على الشاعر بعدم مواصلة إنشاد بقية القصيدة ،ولعل ما رفع البيت إلى هذا المستوى ، أن المادح كان على دراية بنفسية ممدوحه فذكره في الصورة التي يريدها ، فهز مشاعره حين دعاه بالخليفة وهي (الأمنية التي طالما تمناها ملوك الإسلام [...] فيعدوها الشرف الصميم والفخر العظيم والغاية التي لا قبلها ولا بعدها أن ينعتوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة وواضعي أيديهم على رقاب الملايين من البشر )(22) يتصرفون في  أمورهم كما شاءت أهواؤهم .

  بلغ الأدب العربي شأواً عظيماً في ظل هؤلاء الخلفاء فنشطت الحياة الأدبية والفكرية واشتد عودها في ظل الأمن والرخاء فتحررت العقول من عقالها، فأينعت المعارف وازدهرت الآداب وتنوعات المعارف الثقافية وتفتَّقت قرائح الشعراء التي وجدت المناخ الملائم للعمل الإبداعي، في ظل التفاعل والتلاقح بين مجتمع الغرب الإسلامي شماله وجنوبه،في مجالات الثقافة الفن والإبداع لامتزاج الشعوب وتفاعلها ثقافياً وفكرياً، فتمخض عن ذلك ميلاد حضارة عربية إسلامية كونت فصلا من ألمع فصول الفكر العربي ، زادها الاتحاد السياسي في عهدي المرابطين والموحدين انصهاراً واندماجاً ، فأينعت وأشرقت وتداخلت فصولها ( حتى أن كثيراً من العادات والمظاهر المقتبسة من الحضارتين ، لو أردت تباينها، لتعذر عليك ذلك واستحال رد كل منها إلى ينبوعه )(23) لاشتراكهما في كثير من العناصر والمبادئ والقيم ، ولتقاسمهما الجهد المبذول ، فالتجاور يقتضي التزاور والتحاور في عالم الفن وشتى مظاهر الإبداع الأدبي والثقافي، خاصة وأن الأندلس تعتبر امتداداً طبيعياً للمغرب أو أنها مغرب المغرب .

         ساهم هذا التقارب الوحدوي في صهر المجتمعين في طابع واحد منسجم ومتميز يتقاسمان فضائل ومميزات الحضارة العربية الإسلامية ، التي أغنوها بثمار جهودهم في كثير من دروب الثقافة والفنون والآداب، طيلة المد المرابطي الموحدي الذي كان عهد فضل ونعمة على شعوب المنطقة والعالم الإسلامي ، لما تميز به من تلاشي الخصوصية القطرية ، فتعززت عرى الاتصال بين العدوتين وتوثقت وشائج القربى بين الشعبين ، ومما عزز سبل الاتصال اللغة والدين باعتبارهما الوسيلة والأداة لتنظيم الجهود واستثمارها لحماية الأمة من التشرذم والتجزئة كما  شكل الموحدون أمام هذه الحال الجسر الذي ربط الغرب الإسلامي شماله بجنوبه لأنهم عملوا على تقوية الروابط وتوطيد الأواصر بين أبناء الأرومة الواحدة ،فكان لذلك أثره القوي في التواشج  الثقافي الفكري والأدبي الناجم عن تفاعل الثقافات والحضارات في الغرب الإسلامي .

الهوامش



(1)   محمد علي محمد الصلابي : دولة الموحدين ، سقوط الأندلس الإسلامية ومحاكم التفتيش البربرية ، مكتبة الصحابة الشارقة ، الإمارات ا العربية ط1، 2001، ص 17  .

(2)  ابن خلدون عبد الرحمن:  العبر وديوان المبتدأ والخبر،  المجلد السادس، بيروت ، 1983 ، ص 466.

(3)   علي محمد علي الصَّلابي : دولة الموحدين ،  ص 38 .

(4)  علي  محمد  محمد الصلابي : دولة الموحدين ، ص ، 26 .

(5) ولد عبد المومن بن علي : سنة 490 هـ  بقرية تاجرة ، بنواحي ندرومة ولاية تللمسان ، بعد وفاة ابن تومرت، تولى بعده خلافة الدولة الموحدية ، توفي 558 هـ .

(6)   عن علي محمد محمد الصلابي : دولة الموحدين  ، ص  84 .

(7)   الصنهاجي أبو بكر بن علي المكنى بالبيذق : أخبار المهدي بن تمورت ، تحقيق عبد الحميد حاجيات ، 1986 ، ص 9 .

(8)  حمدي عبد المنعم محمد حسين: تاريخ المغرب والأندلس في عهد المرابطين، مؤسسة شباب الجامعة 1986، ص 121.

(9)  عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام ، دار الثقافة بيروت ،2/ 1980 ، ص  7 .

(10)  محمد صالح الجون : أثر الأندلسيين في الأدب المغربي على عهد الموحدين ، أطروحة دكتوراه ،معهد اللغة والأدب العربي ، جامعة الجزائر  مخطوط ، 1987، ص 145.

(11)  عباس الجراري :  الأدب المغربي  من خلال ظواهره وقضاياه ، الرباط 1979 ، ص 25 .

(12)   السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير العصر الإسلامي، دراسة تاريخية وعمرانية دائرية ، بيروت 1981، ص 832  .

(13)  نفس المرجع ، ص 832 .

(14)  المراكشي عبد الواحد بن علي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ،بيروت ، ص 256 .

(15)  كنون عبد الله : النبوغ المغربي ، في الأدب العربي ، د ، ت ، ص ، 69 .

(16)  الغزالي أبو حامد  : إحياء علوم الدين، دار المعرفة ، بيروت ، 2 /1982 ، ص 136 .

(17)   المراكشي عبد الواحد بن علي : المعجب ، ص 167 ، 168 .

(18)   المراكشي عبد الواحد بن علي : المعجب ، ص  243 .

(19)  محمد صالح الجون : أثر الأندلسيين في الأدب المغربي ،  ص147.

(20)  حكمت علي الأوسي : الأدب الأندلسي، ص  38 .

(21)  عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، د، ت،  ص 117.

(22)  كنون عبد الله: النبوغ المغربي، ص 110.

(23)  محمد الصادق عفيفي، محمد بن تاويت : الأدب المغربي ، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د، ت، ص ص 54، 55.