belbraout.ht.1

أضواء حول مدينة تلمسان خلال العهد العثماني.

د. بن عتو بلبروات.

جامعة سيدي بلعباس

         مدينة تلمسان، هي إحدى المدن الرئيسية في بايليك الغرب الجزائري، كانت في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر ميلادي، عاصمة للمقاطعة، ومقرا لحكومة دولة بني عبد الوادي، كما أنها كانت مقرا رسميا لدولة عبد المؤمن الموحدي.

         وفي بداية العصر الحديث ومع تغلغل الاسبان في الغرب الجزائري باحتلال المرسى الكبير سنة 1505م ووهران 1509م فقدت تلمسان أهميتها، وما زاد تلمسان تقهقرا، انضوائها تحت لواء الحماية الاسبانية سنة 1512م، بقبول من ملوكها بني زيان المتخاذلين الذين رضوا بدفع الجزية السنوية للاسبان المتمركزين بوهران، ومن ثمة وقع الانفصام بين الحاكم الزياني والمجتمع التلمساني، مما أتاح الفرصة لعروج بالتدخل في تلمسان والعمل على السيطرة عليها بحجة تلبية نجدة التلمسانيين المسلمين من طغيان الزيانيين وأسيادهم الاسبان وبالتالي افتكاك قلعة من قلاع المسلمين من قبضة الاحتلال الاسباني.

ba


1-تلمسان في دوامة الصراع الاسباني –العثماني:

         في سنة 1517م استنجد أبو زيان بعروج ليعينه على عمه(أبو حمو الثالث) الذي يحكم تلمسان ويخدم السياسة الاسبانية، فقرر عروج السيطرة على المدينة. وحتى يحمي ظهره من أعوان الاسبان من العرب والبربر، تطلب منه الأمر أن يغزو إمارة تنس التي يتزعمها حميد العبد –حليف الاسبان- ويستولي على قلعة بني راشد، التي أمر عليها شقيقه اسحاق، ثم دخل مدينة تلمسان وخلع العم من منصبه وأقعد على كرسي العرش أبي زيان. وتروي الكتابات التاريخية أنه بعد مدة، انقلب على أبي زيان وأسرته الحاكمة مثلما انقلب على سالم التومي، أمير مدينة الجزائر بني مزغنة، ولعل لذلك أسبابه، فأمر بخنق الحاكم وأبنائه السبعة، ثم طلب من أتباعه أن يحملوا إليه جميع من بقي من عائلة بني زيان، فتم له ما أراد، ولم ينج منه غير زياني واحد، التجأ إلى الاسبان، وطلب إعانتهم فاستجابوا لطلبه.(1)  

         لقد توجت الإعانة الاسبانية للزيانيين بتلمسان بمقتل عروج سنة 1518م ، ومنذ هذا التاريخ صار بنو زيان عملاء لاسبانيا طورا، وللأتراك العثمانيين طورا آخر، إلى أن تولى صالح رايس، فأمر الكتيبة التركية التي كان حاكم تلمسان قد طلبها لحمايته، بطرد آخر بني زيان، مولاي حسن، الذي فر عندئذ إلى الاسبان في وهران، ومات فيها، وقد تنصر ابنه وتسمى باسم دون كارلوس Don Carlosوعاش في اسبانيا حياة غامضة.(2)

         وفي عام 1555م دخل حسن بن خير الدين مدينة تلمسان، وفي ذلك كتب الزياني في ترجمانته ما يأتي: " ...وملكها الترك من يد عبد الله الزياني، آخرهم عام 952هـ، دخلها حسن بن خير الدين باشا، قدم لها من الجزائر..."(3)

2-تقهقر مدينة تلمسان خلال العهد العثماني:

         كتب القنصل الأمريكي وليم شالرW.Shalerفي مذكراته التي تختصر تاريخ الجزائر العثمانية، عن المدن جازما أنها فقدت أهميتها السابقة ولم تعد لها أهمية في عهد الأتراك العثمانيين ماعدا مدينة الجزائر، وقد ينطبق هذا الرأي على مدينة تلمسان التي ذكرها الكاتب بالصيغة الآتية: " فمدينة تلمسان تقع في الغرب، غير بعيد عن الحدود...وتلمسان كانت عاصمة المملكة في الماضي، وهي مدينة معتبرة...على أنه منذ حلول الأتراك في هذا البلد، أصيبت تلمسان بإهمال، وذلك على الرغم من موقعها الجغرافي الممتاز..."(4)

         وقد اعتبر فارس محمد خير، مدينة تلمسان من بين المدن الضائعة أي فاقدة لازدهارها في الفترة العثمانية(5). وفي الاتجاه نفسه سار الدكتور أبو القاسم سعد الله حيث كتب أن تلمسان فقدت كثيرا من سمعتها ومكانتها العلمية خلال العهد العثماني، إلا أنه بين أن هذا التدهور سبق مجيء العثمانيين إلى الجزائر، إذ تزامن مع الاحتلال الاسباني للمرسى الكبير سنة 1505م ووهران سنة 1509م، وانعكاساته السلبية على مدينة تلمسان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وأوضح الكاتب أن تدهور تلمسان قد زاد في ظل الحكم العثماني بسبب النزاع العثماني الاسباني في البحر وحول وهران لمدة تقارب الثلاثة قرون.(6)

         أ-تراجع مكانتها السياسية والإدارية:

         تراجعت المكانة السياسية والإدارية لمدينة تلمسان قبيل وأثناء العهد العثماني، حيث انتقلت من مدينة عاصمية للمغرب الأوسط إلى مدينة عادية للجزائر العثمانية، فقد كتب الزياني :" هذه تلمسان قاعدة من قواعد المغرب الأوسط، قديمة أزلية البناء..."(7) وفي السياق نفسه كتب الأمير محمد صاحب تحفة الزائر:" ...تلمسان، وهي مدينة قديمة، اختطها ملوك بني يفرن، من زناتة، واتخذوها دار ملكهم، عندما عمروا المغرب الأوسط، واستولوا عليه. ثم جاء الإسلام وهي دار ملكهم، وهم الذين سموها تلمسان..."(8)

لقد وجد الإخوة بربروس بلاد المغرب الأوسط، عبارة عن فسيفساء من الإمارات والجمهوريات الصغيرة المتناثرة، أبرزها إمارة بني مزغنة، إمارة كوكو وإمارة تنس... وبالتالي من المنطقي أن تتقهقر مكانة تلمسان الإدارية والسياسية في هذا الجو المفعم بالانقسام السياسي، إلا أن الأتراك العثمانيين لم يخططوا لإنعاش المدينة وإعادتها إلى مكانتها المزدهرة السابقة، بل زادت تلمسان في عهدهم تقهقرا في هذا المجال حينما اتخذ العثمانيون من مدينة الجزائر، عاصمة مركزية لهم، واتخذوا بعض مدن وقلاع بايليك الغرب باستثناء تلمسان عواصم للإقليم في فترات معينة، ونقصد بذلك مدينة مازونة، قلعة بني راشد، معسكر، مستغانم ووهران. لهذا كانت تلمسان من الناحية الإدارية والسياسية سوى مقرا للقائد التركي بالقطاع الغربي لبايليك الغرب الجزائري، تناظرها بلدة زمورة في القطاع الشرقي لبايليك الغرب. كما ظلت طيلة العهد العثماني مدينة مهزومة فقدت زعامتها السياسية ولم تحظ أن تكون عاصمة لا للبلاد ولا لإقليمها الغربي رغم تنقل مقر الباي عبر عدة مدن لم تكن عواصم في السابق وبالتالي أضحت تلمسان تعاني التذمر الاجتماعي الذي تجلى فيما يأتي:

*هروب سكان تلمسان من جور حكام تلمسان من العساكر الأتراك العثمانيين، حيث سجل لنا محمد بن سليمان الجزولي مؤلف كعبة الطائفين في القرن السابع عشر عدة حوادث عن ظلم الأتراك العثمانيين في الجزائر وخاصة في تلمسان، وروى أنه كان ذات يوم مع شيخه، سيدي العبدلي، في داره، فشاهد بالدار خلقا كثيرا مسلمين وذميين، هاربين من جور الأتراك، وكان الشيخ العبدلي يطعم ويسقي هؤلاء الفارين إليه ويتشفع كل وقت فيهم فيقضي الله الحوائج على يديه.

 إذا هناك مظالم كان يرتكبها الأتراك العثمانيون بتلمسان تضطر الناس على الهروب إلى الصالحين والشفاعة بهم، وكان المؤلف صاحب كعبة الطائفين يقرأ بعض التعاويذ لتدمير الظالم وقطع الجبابرة والفساق.(9)

* مشادات 1627م بين الأتراك والعرب:

          نبه حمدان بن عثمان خوجة إلى الصراع بين الأتراك والعرب بمدينة تلمسان الذي ظهر في شكل اشتباكات ومشادات بوسط المدينة، بفعل سياسة التمييز المنتهجة من قبل السلطة التركية العثمانية حيث لم يسمح للعرب بالانخراط في صفوف المليشيا أو الفرق العسكرية الغير نظامية، هذا التمييز المكرس لاستمرار السلطة والثروة (المال والجاه حسب ابن خلدون) في قبضة الأتراك ولد حقدا بين التركي والعربي عايشه حمدان خوجة في أواخر الحكم العثماني.(10)

         وأبرز المكناسي سنة 1785 أن سكان تلمسان كانوا عرضة للظلم التركي الذين استولوا على مصادر رزقهم، مسجلا ما يلي: " ...أنه رأى أهل البلد يشترون الأشياء من العطارين وغيرهم بالزرع من قلة الدراهم بأيدي الناس، ومن قلة حياء حاكم البلد وكثرة حرصه [حرسه] وإذاية [إيذاء] العامة".(11)

         وكتب المؤرخون عن أحداث تلمسان سنة 1627م، التي ناهضت حكم حسين باشا في ولايته الثانية، فذكروا أن هذه الأحداث كان وراءها مرابطا، اتصل بأعيان تلمسان وأقنعهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام، قد تجلى له عدة مرات، وعبر له عن غضبه لكون تلمسان لا تزال خاضعة لطغيان حكام الجزائر، مع أن تلمسان كانت سابقا هي التي تضع القوانين للجزائر، وذلك عندما كانت عاصمة البلاد كلها في عهد مملكتها.

         ويظهر أن الخرافة وادعاء الكرامات قد وجدت سبيلها في هذه الأحداث، حيث أوضح هذا المرابط لأعيان تلمسان أنه تلقى من النبي سرا خاصا لقهر أعداء تلمسان، ويتمثل هذا السر في أن الذين سيحملون السلاح ويمضون إلى المعركة، لن يلحقهم أي ضرر، لأن بنادق أعدائهم ستصمت، وإن ظنوا أنها قد انطلقت، وأن سيوفهم لن تقطع، في حين أن سيوف أتباعه ستكون حادة بشكل غريب.

         ولما أقنعهم بذلك جمع جيشا كبيرا من العرب والحضر أي من سكان مدينة تلمسان وريفها، واستعد للاستيلاء على المدينة والقصر الذي تقيم فيه فرقة من الانكشارية.

         وما أن سمع الديوان بمدينة الجزائر، بهذه الأحداث حتى عرض الأمر على المجلس، وكون في الحين جيشا من الانكشارية وجنود البلاد المقيمين بالمدينة وأرسلهم إلى تلمسان لإعادة الثائرين إلى واجب الطاعة. ولما وصلوا إليهم وجدوا المرابط على رأسهم وسلاحه بيده، فدعاهم إلى محاربته، فاستجاب الجيش العثماني لطلبه.

         ورغم التفوق العددي لجيش المرابط الثائر إلا أن الجيش الانكشاري تمكن من تبديد شمل الثائرين، واللحاق بهم وأسر عدد كبير منهم، وكان من جملتهم المرابط القائد، واثنان وثلاثون من أعيان المدينة، فسلخوا جلودهم وهم أحياء وحشوها تبنا، وعادوا بهم إلى الجزائر العاصمة، وطافوا بطرقات المدينة يحملون جلود هؤلاء الثائرين.(12)

 *تمرد الحضر والكراغلة في تلمسان سنة 1747م: 

         ذكر المؤرخ التركي عزيز سامح إلترIlter  تمرد السكان التلمسانيين من الحضر والكراغلة ضد قائد تلمسان "يوسف بك" الذي تمكنوا من طرده من المدينة وتشكيل قيادة خاصة بهم، ولما علم الداي ابراهيم باشا الصغير (1745-1748) بنبأ تلمسان، قبل عقد الصلح مع تونس التي كان يحاصرها، وجه قوة عسكرية سحقت المتمردين التلمسانيين، وأنزل بهم عقوبات صارمة، إذ فرض على السكان العرب غرامة مالية كبيرة، وأصدر أمرا بإبادة الكراغلة بتلمسان والجزائر العاصمة، لكنه مات فجأة، قبل أن ينفذ خطته.(13)

وفي الموضوع نفسه، كتب مبارك بن محمد الميلي ما يأتي: " ...ولأن الداي كان من جهة أخرى في أشد الحاجة إلى قواته ليرسلها إلى وهران، ذلك أن الكراغلة ثاروا على ظلم الأتراك وأرادوا أن يبعثوا من جديد، لفائدتهم، مملكة تلمسان، التي ثار بها القائد "رجم البجاوي" الذي طرد الحامية العسكرية منها واستقل بها، وقد وجه الداي ضدهم قوة عسكرية انتصرت عليهم. وقد أثارت حركة الكراغلة في تلمسان مخاوف الداي وتيقن أنها على اتصال بحركة مماثلة كأن كراغلة الجزائر يستعدون للقيام بها وقلب نظام الحكم، فصمم على إبادة الكراغلة الموجودين بالعاصمة، لكن مات فجأة قبل أن ينفذ خطته في الثالث من فبراير 1747، (صفر 1162هـ) مسموما على ما يبدو..."(14)

*النزاع العربي-الكرغلي بمدينة تلمسان:

         كتب مسلم بن عبد القادر في مطلع القرن التاسع عشر عن الصراع العربي- الكرغلي بمدينة تلمسان عند حديثه عن الحركة الدرقاوية بالغرب الجزائري، قائلا:" ...والباي  [المقصود به الباي المقلش باي الغرب الجزائري ما بين 1805 - 1808] في قلبه شيء كثير مما هم فيه القرغلان أهل تلمسان من ضيق الحال وعدم القوت والمال، والعدو [يقصد الدرقاويين] لا يفارقهم بالغدو والآصال وجواسيسهم تتعاقب على الباي بأخبار النكال والوباء، وذلك أن الفتن واقعة بينهم وبين عرب البلد، وطالت واتصلت على الوالد والولد."(15)

وذكر المؤلف أنه لما ألحق الباي المقلش الهزيمة بالجيوش الدرقاوية في معركة أولاد الزائر، وفرار الدرقاوي ومن معه إلى مكان يسمى "اليعقوبية" بضواحي معسكر، توجه إلى مدينة تلمسان للوقوف على أحوالها وإخماد فتنتها، قائلا:" وفي صبيحة غد ارتحل الباي قاصدا تلمسان، إلى أن وصلها ونزل ساحتها، أتاه قائدها، وكبراء القرغلان وشكوا إليه جميع ما هم فيه مكايدة الأهوال ومقاساة الأحوال، والكل على باله، ومطرقا في مسمعه، فتكلم إليهم بكلام السياسة، وخطاب الرياسة...ثم بعث لكبراء جماعته عرب البلد بعدما أمنهم، أن يقدموا إليه، فأتاه منهم جماعة فجعل الخير بينهم وبين إخوانهم القرغلان، وأوصاهم على بعضهم بعضا، ودخل البلد، وأقام بها أياما ثم ارتحل، وكر راجعا إلى وهران..."(16)

ب-تقهقر مكانتها العلمية والثقافية:

         كانت مدينة تلمسان قبل دخولها في دوامة الصراع الاسباني العثماني مدينة مزدهرة ثقافيا وعلميا، وقد أفصح عن ذلك صاحب تحفة الزائر قائلا: " ونفقت فيها أسواق العلوم والبضائع، ونشأ بها العلماء العظام، واشتهر فيها الأفاضل الأعلام. وضاهت أمصار الدول الإسلامية والقواعد الملكية، ومدحها الشعراء وأفاضل العلماء..."(17) ومع بداية العصر الحديث وخصوصا عندما تأسست دولة الجزائر العثمانية سنة 1520م انقلب حال مدينة تلمسان في مجال الثقافة والحركة العلمية من الازدهار إلى الركود، ولعل مظاهر ذلك تتمثل فيما يأتي:

*هجرة عدد من العائلات الغنية والعلمية، مدينة تلمسان وتوجههم صوب مدن المغرب الأقصى فرارا من العثمانيين عند سيطرتهم على المدينة سنة 1555م، وبذلك فقدت عددا من سكانها ذوي النفوذ الاجتماعي والتأثير العلمي.(18)

 *تدهور مدارس تلمسان خلال الفترة العثمانية حيث أصابها ما أصاب المدارس التي تحدث عنها الورثيلاني في رحلته، من الاستيلاء على الأوقاف، وعدم مراعاة قواعد الشرع. وسجلت المصادر التاريخية أن الباي محمد الكبير 1779-1797 قد نجح في إنقاذ المدرستين القديمتين من هذا الوحل، فتتبع أحباسهما التي استولت عليها أيدي المنتهبين، فصيروها أملاكا خاصة بهم ولا أحد يشعر بحقيقة أمرها إما جهلا بالأحباس أو تغافلا عنها. وقد كانت التفاتة الباي محمد الكبير للمدرستين (مدرسة الجامع الكبير، ومدرسة أولاد الإمام) استجابة لنداء الشيخ محمد الزجاي المشهور بالنساخة والذي كان يملك خزانة كتب غنية استولى عليها الثائر الدرقاوي ابن الأحرش. وما يلاحظ أنه لم يعثر على بزوغ لنجم هاتين المدرستين في مجال التعليم ولعل ذلك يعود إلى هيمنة المساجد على حركة التعليم في تلمسان.(19)

*تدني مستوى الطلبة بمدينة تلمسان، وهو ما لاحظه أبو القاسم الزياني في ترجمانته الكبرى إثر نزوله بالمدينة سنة 1792م حيث كتب : " وهؤلاء الطلبة الذين بتلمسان ليس فيهم من يحسن منطقا ولا لغة ولا عربية لإصلاح اللسان، ولا يتعاطون الفروع الفقهية والأحاديث النبوية."(20)

*بيع المناصب العلمية، وهي ظاهرة تفشت في الجزائر في أواخر العهد العثماني، وقد نظم أبو القاسم الزياني الفار من المغرب الأقصى إلى تلمسان سنة 1792م قصيدة من واحد وثلاثين بيتا ردا على قاضي المواريث بمدينة تلمسان الذي صنفه الزياني أنه الرجل الغير مناسب في المكان المناسب في ظل شراء المناصب العلمية ، فقال فيه نثرا ما يلي: " فكنت أقصد الجامع لعلي أجتمع برئيس ...وكان يمر بي رجل بهي المنظر...ويميل عني كبرا، يطرق النادي ولا يسلم، ويبخل بالجواب عن المتكلم، يرى أنه من الطبقة العليا...أحسبه من جهابذة الأعلام، وممن له الصدارة بين شيوخ الإسلام...فدنوت منه شغفا بعادتي...لأغترف من بحره...فلم أجد في سفرته ثمرا منه ألتقط..."(21)

         أما شعرا فيمكن لنا أن نذكر هذه الأبيات التي تعكس عملية المسخ التي أصابت الحركة العلمية بمدينة تلمسان في أواخر العهد العثماني:

  كانت تلمسان بالأعلام صائلة   وبالجياد ولم تربـط بهـا الحمـر.

  أصابها المسخ إذ عادت تباع بها   مناصب العلم للأجلاف والخـور.

     وكيف لا وجنود الترك حولكم   تسوقكم بعسى الخسف ولا تذر.(22)

ج-تقهقر مكانتها العمرانية:

         بحكم احتلالها مركزا سياسيا وإداريا مرموقا في المغرب الأوسط، عرفت مدينة تلمسان ازدهارا عمرانيا في عهد الموحدين ومن بعدهم الزيانيين حيث كتب صاحب تحفة الزائر في شأن ذلك ما يأتي: " ولم تزل على ما كانت عليه  إلى أن نازلها، عبد المؤمن بن علي، أمير الموحدين سنة أربعين وستمائة، فخربها بعد أن قتل جيشه عامة أهلها. ثم ندب الناس إلى عمرانها، وإصلاح ما انثلم من أسوارها. ثم جعل ولايتها لأولاده، فصرفوا همتهم في إعمارها، واتخذوا الصروح والقصور بها، واحتفلوا في مقاصد الملك ولوازمه..."

         ثم انتقل إلى الدور الزياني في عمران المدينة فقال: " ولم يزل عمرانها يتزايد، وخطتها تتسع، إلى أن نزلها آل زيان، واتخذوها دارا لملكهم، فاختطوا بها الربوع البديعة، والقصور المشيدة الرفيعة، وغرسوا فيها الرياض المونقة، وأجروا خلالها الآبار المتدفقة. فأصبحت من أعظم أمصار المغرب الأوسط، ورحلت إليها الناس من القاصية."(23)

         أما خلال الحقبة العثمانية فقد عرفت تلمسان تقهقرا عمرانيا، سجله الكناسي في رحلته عندما زار تلمسان حيث قال: " ومدينة تلمسان، هذه مدينة كبيرة مشهورة، كثيرة المياه والبساتين والأجنة والزيتون والمستغلات، إلا أن الخراب استولى على كثير من أطرافها فلم يبق إلا رسومها."(24)

إذا لم يشيد الأتراك العثمانيون ما يخلد ذكرهم في تلمسان، فغاية ما بنوه بها هو مسجد سيدي اليدون وضريحين بقرية عين الحوت إجلالا للرجلين الصالحين سيدي عبد الله بن منصور وسيدي محمد بن علي. أضف إلى ذلك عمليات إصلاح وترميم مست بعض المساجد وأضرحة أولياء الله الصالحين مثلما حصل مع مسجد وضريح أبي مدين بالعباد بضاحية تلمسان، في عهد الباي محمد الكبير، وقد نقرأ في أعلى بوابة المسجد، ما يلي: " الحمد لله، أمر بتنميق هذه الروضة المباركة المشتملة على ضريح سيدي أبي مدين أدركنا الله برضاه، الأمير عبد الله السيد محمد باي أيده الله بنصره وجعل الجنة منزلته، عام ثمانية ومائتين وألف. أنظر إلى الدر الأنيق تراه في جيد شريق نظمه فتى عشيق. الهاشمي صرمشيق."(25)

         وعلى ضوء ما تقدم يجدر بنا القول أن تلمسان التي كانت عاصمة للدولة الزيانية أضحت مدينة عادية خلال العهد العثماني، بعدما تراجعت مكانتها الإدارية والسياسية والثقافية والعلمية والعمرانية إلا أن حيويتها وأهميتها التجارية والاقتصادية ظلت قائمة أيام العثمانيين، فقد ذكرت الدراسات التاريخية أن سوق تلمسان اليومي، كان أهم سوق في البايليك الغربي نتيجة وقوعه على المحاور التجارية الكبرى، حيث كانت تعرض فيه المنتوجات الفلاحية والمواد المصنعة سواء الأوربية أو المغربية، وهكذا استفادت المدينة من موقعها على ملتقى الطرق تلك التي تأتي من فاس باتجاه وهران، وتلك التي تأتي من الصحراء وتنتهي عند إحدى موانئ المنطقة مثل هنين، الغزوات، مستغانم، رشغون، المرسى الكبير وميناء وهران.

وكان يتحكم في سوق تلمسان تجار الجملة من الحضر والكراغلة والأتراك العثمانيين واليهود والفاسيين، واتصفت مدينة تلمسان بحركة يومية مكثفة للنشاط التجاري وكانت تتردد على سوق المدينة كل القبائل المجاورة وحتى البعيدة.

         وكانت منتوجات تلمسان تتجه نحو المدن الأخرى ببايليك الغرب بل وإلى مدينة الجزائر، وما يلفت الانتباه أن قابض ضريبة السوق بمدينة الجزائر، كان يأخذ على قافلة تلمسان دينارين لكل حمولة، ويأخذ مثلا ثمان وخمسين درهما على قافلة بني عباس، وربما كانت بضاعة تلمسان يدفع عليها الدينار بدل الدرهم لأهمية الحمولة وحجم الكمية. وفي المقابل كانت تقصد تلمسان قوافل تجارية قادمة من بلاد السودان مارة بسجلماسة، تافيلالت، وجدة وفاس، حاملة للمدينة العاج، الذهب والعبيد مقابل مواد مصنعة وكتب كانت رائجة بسوق تلمسان. كما لا نغفل أيضا أن تلمسان كانت منطلق القوافل التجارية باتجاه الصحراء مارة بتافيلالت وتومبوكتو.

وعندما كانت وهران في قبضة الاسبان كانت تلمسان ممرا رئيسيا في العملية التجارية الخارجية وذلك عبر ميناء هنين والغزوات ورشغون، حيث كان يتم التعامل مع الموانئ الاسبانية والفرنسية والايطالية والمغربية وكذا ميناء جبل طارق لكن لما تحررت وهران أصبح ميناء هذه الأخيرة هو المتنفس الرئيسي للتجارة التلمسانية مع أوربا. وأخيرا لا بد من التنويه بتجارة تلمسان مع المغرب الأقصى، فعلمنا الدور الذي لعبه التجار الفاسيين بسوق المدينة اليومي كتجار جملة، والقوافل التي كانت تنطلق من تلمسان نحو الصويرة، سلا، طنجة وتيطوان قاصدة تلمسان ومتجهة نحو الصحراء.(26) 

الهوامش:



(1) هاينريش فون مالتسان. ثلاث سنوات في شمال غربي افريقيا. ترجمة د. أبو العيد دودو، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976،ج2، ص 54.

(2)  المصدر نفسه. ص 57.

(3)   الزياني، أبو القاسم. الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا. حققه وعلق عليه، د.عبد الكريم الفيلالي، دار نشر المعرفة للنشر والتوزيع، الرباط، طبعة 1412هـ/1991م. ص 148.

(4)  شالر، وليم. مذكرات وليام شالر قنصل أمريكا في الجزائر 1816-1824. تعريب وتعليق وتقديم:د. اسماعيل العربي، الشركة الوطنية لنشر والتوزيع، الجزائر، 1982. ص 35. 

(5)  فارس، محمد خير. تاريخ الجزائر الحديث من الفتح العثماني إلى الاحتلال الفرنسي. دار الأديب، دمشق، 1969. ص100.

(6) أبو القاسم، سعد الله. تاريخ الجزائر الثقافي من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري (16-20). الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، الجزء الأول. ص 172. 

(7)  الزياني، أبو القاسم. المصدر السابق. ص 145.

(8)  ابن عبد القادر الجزائري، محمد. تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر. شرح وتعليق: د. ممدوح حقي، دار اليقظة العربية، مصر، الطبعة الثانية، 1384هـ/1964م، الجزء الأول، ص 17.

(9)  أبو القاسم، سعد الله. " كعبة الطائفين، مخطوط جزائري من القرن السابع عشر." المجلة التاريخية المغربية، العدد 7-8، 1977، تونس، ص 66. 

(10)  حمدان، ابن عثمان خوجة. المرآة . تقديم وتعريب وتحقيق: محمد العربي الزبيري، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982.ص 94.                                 

(11)  المكناسي، محمد بن عبد الوهاب. رحلة المكناسي ( إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب 1785). تحقيق وتقديم: محمد بوكبوط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ببيروت، دار السويدي للنشر والتوزيع، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2003. ص 331.

(12)   أبو العيد، دودو. " الجزائر من خلال تاريخ بيردان". مجلة كلية الآداب، العدد الثاني، جامعة الجزائر، 1970. ص ص 64-65.

(13)   عزيز، سامح إلتر. الأتراك العثمانيون في افريقيا الشمالية. ترجمة: محمود علي عامر، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ/ 1989م. ص 509.

(14)  مبارك، بن محمد الهلالي الميلي. تاريخ الجزائر في القديم والحديث. مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، 1964، الجزء الثالث. ص 222.

(15)   مسلم، بن عبد القادر. خاتمة أنيس الغريب والمسافر في طرائف الحكايات والنوادر. تحقيق: رابح بونار، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1394هـ/ 1974م. ص 87.

(16)  المصدر نفسه. ص 92.

(17) ابن عبد القادر الجزائري، محمد. المرجع السابق، ص 18.

(18)  أبو القاسم، سعد الله.تاريخ الجزائر الثقافي... المرجع السابق، ص 172.

(19) بلبروات، بن عتو. الباي محمد الكبير ومشروعه الحضاري 1779-1797. رسالة ماجستير، جامعة وهران، 2002. ص ص 222-223.

(20)  أبو القاسم، الزياني. المصدر السابق، ص144.

(21)  المصدر نفسه. ص 142.

(22) المصدر نفسه.  ص 144.

(23)  ابن عبد القادر الجزائري، محمد .المرجع السابق. ص 18.

(24)  المكناسي، محمد بن عبد الوهاب. المصدر السابق. ص 331.

(25) Brosselard ch . « les inscriptions Arabes de Tlemcen ». In R.A, 1859, p.87.                                                      

(26) الواليش، فتيحة. الحياة الحضرية في بايليك الغرب الجزائري خلال القرن الثامن عشر. رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1993-1994. ص ص 64-76، 81-82، 88.