sahraoui.ht.1
"الأسواق في مدينة الجزائر العثمانية و أنظمة التعامل التجاري
من خلال مخطوط قانون الأسواق"
د. عبد القادر صحراوي
جامعة سيدي بلعباس
تشكل الأسواق هيئات اقتصادية ذات ميزة مشتركة تتمثل في تخصص مهني دقيق مصحوب بتمركز جغرافي واضح في مدينة الجزائر خلال العهد العثماني. وتحتل كلّ تجارة شارعا معينا، ويظهر اسم كلّ مهنة ثلاث حقائق، تشمل تمركز الحرفيين والتجار لمنتوج واحد، ثم النقابة المهنية التي تجمعهم، والمكان الذي يحمل إسمهم، والذي أصبح مستقلا عن المعنى التقني. ولعلّ أسواق الجزائر العثمانية وتنظيماتها المهنية والحرفية هي التي تكشف عن دّقة الاهتمام بالحركة التجارية للمدنية، وتجمعاتها الاقتصادية عامّة والصناعية على وجه الخصوص.
ba
أولا: الأسواق.
يمكن أن يصبح التخصص التجاري التقني عرقيا إذا تفرغ أعضاء طائفة واحدة لنشاط محدد([1]) فيما يتعلق بمدينة الجزائر، وهناك مثالين يبرزان هذه الحالة الخاصة، يشمل الأول أعمال الطائفة الميزابية التي تجمعت في سنة 1153 هـ الموافق لـ 1740-
هذه المنطقة التي تمّ تدميرها من أجل إقامة ساحة مختلف الأسلحة خلال عهد الاحتلال الفرنسي، آوت خمسة عشر شارعا تجاريا على الأقل وأكثر من أربعمائة مسكنا في مدينة الجزائر العثمانية. وقد قضي هذا التدخل الفرنسي المعماري الأول بتحطيم المنطقة التجارية التي تعتبر نقطة اتصال وربط بين محور شرق-غرب لباب الجزيرة (شارع البحرية في عهد الاحتلال الفرنسي)، ومحور شمال-جنوب، باب الواد/ باب عزون، والذي يشكل النواة المركزية للمدينة، كما أحدثت تغيرات كبيرة بالمنطقة المنخفضة للمدينة فيما بين 1861 و1866، برفع مستواها إلى أكثر من 17 مترا لتشييد شارع الجمهورية، وأدّت هذه الأشغال إلى اختفاء نصف الجامع الجديد([5]).
وإنّ مواجهة معطيات كثيرة تضمنتها مختلف وثائق الأرشيف والدراسات الطوبوغرافية لمدينة الجزائر، التي تمثل المصادر الوصفية والمخططات المنجزة في بداية الاحتلال الفرنسي، والتي تسمح لنا باقتراح مقاربة حقيقية لإعادة تخيل شوارع المنطقة المركزية المذكورة، وحتى يكون الوصف ملائما، فإنّنا نبدأ بالشوارع الموجهة من الغرب إلى الشرق والموالية لنظيراتها من الجنوب إلى الشمال، وذلك ابتداء من الحد الشمالي لورشة السفن البحرية، التي لم يقم بالمنطقة التي تعلوها أي طريق. وهكذا تنزل انطلاقا من باب عزون على مستوى قصر الداي المعروف بدار الإمارة ثلاثة طرق متوازية باتجاه الشرق ناحية باب الجزيرة، ويبدأ الأول المعروف بطريق الصباغين بباب حي مقابل للطريق المسماة يوبا خلال عهد الاحتلال الفرنسي، والتي عرفت بأربعة أسماء: السوق الجديد، وسوق اللوح (الخشب)، وزنقة الخندق، وجامع سوق اللوح، وتنتهي أي الطريق عند مستوى جامع الجديد تحت اسم المقايسية أي صانعي قلادات القرن([6])، ثم سوق الصباغين الذي هو عبارة عن مصنع حقيقي، تردد عليه العرب والبدو بالخصوص من أجل صبغ قماشهم، حيث كانت تستعمل كميات كبيرة من القرمزة والنيلة والفوة ومكوّنات صبغية أخرى([7]).
أمّا بالنسبة لسوق المقايسية، فقد مثل إحدى الصناعات الرئيسية لمدينة الجزائر، وقد صدرت أغلب المصنوعات نحو تونس، وليبيا، ومصر، وتم شراء قرن الجاموس الذي يعتبر المادة الأولية في شكل حمولات، يقوم المحافظون المعنيون من قبل الصناع بشرائه([8]) بعملية التوزيع عليهم، وذلك تبعا لأهمية كلّ مصنع([9]). ويمكن مشاهدة الساحل وسطح ورشة صناعة السفن انطلاقا من الدكاكين الموجودة على اليمين، ونزولا عبر الشارعين اللذين يعتبر أحدهما امتدادا للآخر باتجاه الميناء، هذا الساحل ومعه السطح تحولا إلى موقع للتفريغ أثناء فترة الاستعمار الفرنسي([10]).
وبنقسهم الطريق الثاني إلى جزئين، ويبدأ من مكان مقابل لسبات الديوان، غير أنّ هذا الإسم لا يعني مجلس حاكم إيالة الجزائر. ويشير دي فولكس "Devoulx" إلى وجود ساحة بين قصر الدايات ودكاكين شارع باب عزون يسميها السكان الديوان حيث تباع الفواكه والخضر([11]). ويقرأ تموضع وشكل هذه الساحة جيدا في المجزأ الظاهر في أسفل المخطط المعد في سنة 1840([12])، لتنفيذ مشروع ساحة الأسقفية المقامة قبالة مسجد كسر أوفة الذي حوّل إلى كنيسة. وفي نهاية هذا الطريق، دمرت بعض المساكن، واستثني قصران، يعرف الأول بدار حسان باشا المحاذي للجهة الشمالية للجامع، والذي أدخلت عليه تغييرات لتوسيعه وتهيئته لوظيفته الجديدة كمقر للحاكم العام الفرنسي، أمّا الثاني فهو قصر دار عزيزة بنت الداي المقابل لجامع كسي أوفة والملتصق بقصر الدايات، الذي أدخلت عليه تغيرات طفيفة تحوّل بعد ذلك إلى قصر أسقفي للديانة الكاثوليكية، كما استعملت أعمدته الرخامية التي تتحمل قبة قطرها اثنا عشر مترا خلال الأشغال لتهيئة جناح الكنيسة. وأغلق الجزء الأول للطريق الثاني المسمى القيصرية بباب عند كلّ طرف، واستعمل المكان لبيع الكتب وإيواء النساخ، وكتاب الضبط وصناع البرانيس([13]).
أمّا الجزء الثاني الذي قبب أحد أطرافه، فيمثل طريق الصياغين أو الصاغة، ويصل إلى غابة باب الجزيرة، هذا الأخير الذي حلّ محل الجزء الأول المعروف بالقيصرية، وسمي الطريق كلّه بزنقة الصياغين، ويفتح الجزء الثالث على طريق باب عزون بواسطة باب بجانب جامع السيدة وينتهي عند أحد أبواب الباديستان([14]) الذي يحتمل أن يكون الباب الشمالي الغربي، ففي هذا المكان يتركز صناع الخفاف المعروفين باسم البشماقجية. ويجدر بنا قبل وصف هذا الطريق، التوقف قليلا عند مسألة موقعة مسجد السيدة الذي سنتخذه سندا لإعادة تحديد بقية الطرق.
ففي مخططه البياني يخطئ أوديل "Eudel" في موقع المسجد المذكور بالنظر إلى المعلومات المتوفرة، ويكرر ايمريت "Emerit" الخطأ نفسه في رسمه([15]). في حين تسمح لنا ثلاثة مخططات([16]) بتحديد مكان مسجد السيدة الذي دمر في شهر أفريل من سنة 1831، هذه المخططات التي أنجزت قبل وبعد تهديمه، والتي تشدد على تموقعه في الجزء المقابل لقصر الداي. أمّا وصف لودوايي "Lodoyer"([17]) فيدمج هذا المبنى الديني في مجموعة كبيرة من المنازل المتداخلة التي تحتوي على باب أحادي مصنوع من الخشب موجود بالواجهة الغربية، قبالة المدخل الرئيسي للصحن الكبير للقصر. وهذا ما يؤكد أنّ الطريق الوحيد الذي يفصل قصر الداي عن مسجد السيدة هو طريق باب عزون عند التقائه بطريق باب الواد.
وبالنظر إلى الخصوصيات المعمارية التي ذكرها لودوايي، يعتقد بأنّ نوعية هذا المبنى المربع المحاط بأقواس قوطية المدشن بمسجد علي بيتشنين في 1622، قد اعتمد خلال إعادة بناء جامع السيدة في النصف الثاني من القرن 18م، هو المبنى الذي شيد في عهد محمد باشا (1766-1790)، ويؤكد قرار لسنة 1198/1784م وجود متجر ملتصق بالمسجد مواجه لدار السكة، حوّل إلى باب يفضي إلى مسجد السيدة([18]). لكنّ نقيشة غير مؤرخة([19]) تذكر أنّ الهدف من إعادة بناء ها المسجد هو تصحيح اتجاه قبلتها، هذا وغطت الأشغال المنجزة كلّ المتاجر القريبة منه بما في ذلك الحوانيت المبعثرة حولها([20]).
أمّا فيما يتعلق بأبعاد هذه البناية الدينية، فإنّ دي صال "De Salles" يشبهها بمثيلاتها في مسجد قصر أوفة في تقريره لسنة 1844([21]). وتدعم هذه المعطيات التوسعة الجزئية التي تضمنها مخطط فليبار "Philibert"، والذي يموقعها قبالة القصر،لكن هذا المجزأ محدود من الجهة الغربية ،على عكس المخططات الثلاثة الانفة الذكر. وبالعودة إلى إعادة رسم النواة المركزية للمنطقة التجارية، نشير إلى وجود ساحة صغيرة بها عين مركزية مواجهة لمدخل قصر الدايات أو دار الإمارة. ويبرز مخطط أوديل "Eudel" وجود جامع الشواش أي مسجد ضباط الشرطة العسكرية بإحدى جهات هذه الساحة([22])، بينما يرسمها فليبار "Philibert" قبالتها، على امتداد واجهة قصر الدايات، وهو ما يتطابق مع وصف دي فولكس "Devoulx"([23]). ودائما حسب أوديل "Eudel"، فإنّ محل البلوك باشي يوجد بشارع باب عزون، ويكون ملتصقا بقصر الدايات([24])، غير أنّه لا يحدد في أي جزء من الشارع، ولا يقدم قرائن مرجعية لذلك.
في حين يضع ريموند "Raymond" هذا المحل في مواجهة الساحة الصغيرة([25])، في مكان المسجد الذي أشرنا إليه. إلاّ أنّنا نعتقد استنادا إلى المعطيات المذكورة أنّ محلا واحدا بأبعاد صغيرة، قد يوجد على خط امتداد القصر، فيكون بذلك محاذيا لمسجد الشواش، وتواجه هذا المحل مجموعة من المكاتب منها الكحية التي تأوي حاكم الجيش، والباشا أغا قائد الأغوات، والباش جراح رئيس جراحى الانكشارية([26]).هذه المكاتب التي يموقعها دي فولكس خارج أسوار قصر الدايات([27]).
وينطلق من هذه الساحة الصغيرة طريق على خط مستقيم يصل إلى الباديستان عرف بإسمين، واحد ببائعي الخضر يخص جزأه الأول، والرصاصية في الجزء الثاني([28])، غير أنّ ريموند ينسب الجزء الأخير إلى الباديستان([29]). أمّا آخر طريق يذكرها أوديل باتجاه الشمال، فهي التي عرفت خلال العهد العثماني بثلاثة أسماء هي طريق عنقني المحصورة بين شوارع باب الواد والشماعين، المعروفة بطريق كيلوباترا خلال عهد الاحتلال الفرنسي، في الوقت الذي عرف فيه الجزء الثاني من الطريق بزنقة سيدي الجودي، وهو اسم زاوية بها مقبرة واسعة الأبعاد توجد على مقربة من المكان([30])، أمّا الجزء الثالث، فيحمل اسم البكورة([31]) أي بستان البقول والفواكه.
وقد وصل عدد الأحياء التجارية التي تحتوي على العديد من الشوارع ذات النشاطات المربحة إلى حوالي ستة عشر، ويتم التعرف على ما يقارب الاثنين وأربعين سوقا من بين الخمسة والأربعن. غير أنّ المخطوط المتعلق بالأحكام القضائية المطبقة على الأسواق، يكشف عن تقسيم إداري للمنطقة التجارية إلى حوالي تسعة قطاعات رئيسة. ويشير إلى تعيين أشخاص مختلفين في نهاية القرن
ويتكون السوق في شكله العام من تجمع المتاجر المبنية على طول الشارع، أو عند تقاطع الطرق أو حول ساحة عامّة. وفيما يتعلق بالمتاجر التي تتكون منها أسواق مدينة الجزائر، فإنّ معلوماتنا حولها قليلة. إلاّ أنّ هايدو "Haedo" ذكر أنّ عددها قارب الألفي متجر في نهاية القرن
وانتشرت البقالات كثيرا تجاوز عددها الستة في كلّ شارع من شوارع مدينة الجزائر والأماكن العمومية، حتى نعتت بالسوق أو ساحة المتاجر. كما تجاوز عدد متاجر الشمع الثمانين، وبائعي التبغ المائة، ناهيك عن قيام السكان الأصليين والمسيحيين ببيع التبغ في رزم صغيرة في مختلف أركان الشوارع وعلى طولها([34]).
ثانيا: التجارة والمهن وبنية التنظيمات الحرفية.
اهتم ابن خلدون في تحليله للمجتمع بفئتين من الحضر هما الحرفيين والتجار، وينتمي أفراد الفئة الأولى إلى طبقة خاضعة وضعيفة رغم أهمية عددها وانتمائها لمجتمع تقليدي، لا يتعدى مستوى معيشتها مرحلةالبقاء، بينما تعتمد فئة التجار على رجال الحكم. ولايمكنها التحرر من هذا الخضوع وإقامة سلطتها السياسية الخاصة، باعتبار أنّ ممارسة التجارة تستلزم عند بلوغها حجما معينا حماية المالكين لنفس هذه السلطة. ويشير ابن خلدون أيضا إلى وجود فئتين من التجار، فئة تنتمي إلى الطبقات الدنيا وغالبا ما تكون على علاقة قارة بسيئي المعاملة، الذين يكذبون ويغشون ويحلفون زورا، ويعترفون وينكرون التزاماتهم وأسعارهم، والوسطاء قليلي العدد الذين يحضون بقيمة عالية، ويتفادون اللجوء إلى الصفقات الخاصة، وسرعان ما يجد هؤلاء الناس أنفسهم على رأس ثروة كبيرة أو ميراث، ويسمح لهم الغنى بالتقرب من السادة والحصول على شهرة بين عامة الناس، ويتصف هؤلاء أيضا بعزّة النفس، مما يمنعهم عن الاهتمام بتفاصيل العملية التجارية تاركين ذلك لممثليهم وخدمهم([35]).
وفيما يتعلق بالنشاطات الحرفية، يميز العلامة ابن خلدون بين الحرف البسيطة اليدوية، فهي مهن عادية وضرورية، وتضم النجارين، والحدادين والخياطين والجزارين والنساجين، وقد وجد هؤلاء بسبب حاجة الناس إليهم، فهم مقيدون ووظيفيون. ثم تشهد هذه المهن الأساسية بعد تلبية حاجات المجتمع الحضري عملية تطور وتحسين الإنتاج، في الوقت الذي تظهر فيه مهن تتطلبها الظروف الاجتماعية، مثل مهن الإسكافي والدباغين، ووسطاء الحرير وصاغة الذهب، مما يؤدي إلى ظهور المواد الكمالية. ويفسر ابن خلدون هذا الظرف بالبحث عن الفنون المنقاة والمتطورة لحضارة هي في أوج ازدهارها، ويساعد هذا الازدهار الحضاري في بلوغ هذه الحرف نقاء كبيرا، مما يسمح للحرفيين في المدن الكبيرة بتأمين معيشتهم، وممارسة مهن جد مربحة، وفي هذا السياق يمكننا ذكر العطارين، والنحاسين، والحمامين، والطباخين والحلوانيين، ولكن هناك أيضا النساخين، والمجلدين والمصححين، الذين يبحث عنهم أصحاب الذوق، إضافة إلى الحضري الباحث في المسائل الفكرية([36]).
ويعلمنا هايدو "Haedo" عن مختلف المهن التي تميز بها سكان مدينة الجزائر وجيرانها في نهاية القرن 16 م، والتي يمارسها السكان الأصليون والعثمانيون واليهود. ويمثل السكان الأصليون الأغلبية، ويقسم العمل بين الحضر أو البلديين والبرانية أي الأجانب عن المدينة. ويمارس القسم الأول مختلف الأنشطة التجارية، ويملكون متاجر لبيع مختلف الأشياء، وخاصة مواد الغذاء، في حين يعيش أغلبهم من فلاحة الأرض، أو في المنازل الريفية أين يقومون بطهي الخبز، وفلاحة الشعير وغرس البقول، وتربية الأبقار والماشية. أمّا الأندلسيون الذين يشبهون بالحضر فيمارسون مهنا كثيرة ومختلفة، نظرا لمعرفتهم الفنية، ومن ثمّ نجد منهم من يصنع البنادق، والبارود وملحه، إلى جانب الخياطين والإسكافيين والخزافين، وخدمات وفنون مشابهة. كما يقوم البعض منهم بصناعة الحرير، ويشرف البعض الآخر على متاجر يبيعون فيها مختلف أنواع البزازة.
أمّا القسم الثاني أي البرانية الذين يأتون من المناطق الجبلية للعيش في داخل مدينة الجزائر، فإنّهم يكسبون عيشهم بخدمة العثمانيين والأغنياء من السكان الأصليين، وهناك منهم من ينزع أعشاب الحدائق والكروم، ومنهم من يشتغل جذافا في السفن الشراعية للحصول على الأجور. كما يبيعون الأعشاب الطبية، والفواكه، والفحم والزيت والزبدة والبيض وأشياء أخرى مماثلة. وبالنسبة للعثمانيين فهم قادة عسكريون ورجال سياسة وحكم، وتجار وأرباب عمل وضباط ميكانيكيون من مختلف الجهات.
أمّا الجالية اليهودية، فهي تتاجر في مختلف الأشياء لكنّها تشكل أغلبية الصاغة في مدينة الجزائر، وتتميز بضرب العملة الذهبية، والفضية والبرونزية، كما أشرفت على دار العملة([37]). وإنّ مسألة ضرب العملة، وتحويل المعادن النفيسة وعمليتي الصرف والقرض بفوائد([38])، التي أوكلت إلى اليهود هي ميزة عمّت كلّ المدن العربية خلال العهد العثماني. هذا وتميزت مدينة الجزائر في نهاية القرن
وشهد الربع الثاني من القرن
وقد لوحظ نمو المهن المختلفة التي كمّلت الضروريات التقنية للمدينة، ورفعت من نسق المواد الكمالية. إنّ هذا التوسع في المهن الذي يواكب النمو الاقتصادي لمدينة الجزائر في هذه المرحلة التاريخية، هو الذي يواتي النمو الاجتماعي الحضري الذي توصل إليه ابن خلدون كما ذكرنا آنفا، ويمكننا من خلال عدد التنظيمات المهنية وتطورها خلال ثلاثة قرون من العهد العثماني بالجزائر إلى استخلاص مجموعة من الاستنتاجات تتعلق بالنمو الاقتصادي وتحولاته العامّة، اعتمادا على المعطيات المجمعة، وتبيان علاقتها بالتنظيم والإدارة الاقتصادية للمدنية.
في البداية تجدر الإشارة إلى أنّ تجارة بعض المواد كانت من اختصاص حكومة إيالة الجزائر منذ إدخالها في الهيئة الاقتصادية. وتعلمنا شهادة هايدو "Haedo" أنّ التجار ليس بإمكانهم التفرغ لتجارة واسعة مثل الجلود وشمع العسل، باستثناء الذين يعقدون اتفاقا مع الحاكم العثماني لشراء هذين المنتوجين من السكان الأصليين، ثم بيعها للمسيحيين([42]). ويذكر أنّ للقاضي هيمنة مطلقة على شمع العسل وكلّ أنواع الجلود، حتى لا يستطيع أي إنسان شراءها من السكان أو بيعها للمسيحيين، ونفس الأمر بالنسبة للحبوب والمواشي([43]).
غير أنّ الإدارة العثمانية لها السلطة على بعض المواد التي توصف بأنّها إستراتيجية كالتي ترتبط بتموين الجيوش مثل الرصاص، والحديد، وملح البارود، ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لتموين قصور الدايات وقيادة الجيش داخل المدينة وخارجها بمواد مثل اللحوم، والقمح، وزيت الزيتون والملح والجلود والصوف وما إلى ذلك. وتسهيلا لهذه الحركة التجارية والمهنية تم إصدار مجموعة من القوانين سمحت بإنتاج أو تحويل هذه المواد([44]). ويعتقد ريموند "Raymond" أنّ مدينة الجزائر كان بها ثلاثة وثلاثون تنظيما مهنيا، ويعيد ذلك إلى تراجع أهمية المدنية، وضعف حركتها الحرفية([45])، بينما يشير هواري تواتي إلى سبعة وخمسين مهنة في القرن 17 م، وحدوث تراجع من ثلاثة وثلاثين إلى ثمانية وعشرين مهنة([46]) ما بين القرنين 18 و19م.
إلاّ أنّ مخطوط الأسواق الذي كتب ما بين القرنين 17 و18م يسمح بإحصاء 51 مهنة من دون 5 تنظيمات مهنية عرقية، و8 تنظيمات أخرى تشمل تسيير الأسواق والمستودعات التي يقوم بها الفونداقجي، والوزان والمقرضين أو الفكايين، والوزاعين، والممون أو الميّار، والمستلزم والتاجر وبائع الجملة أو الوسيط المعروف بالسركجي، وإضافة إلى ما ذكره دي فولكس في مجموعة ملاحظاته حول وجود 34 رئيسا للتنظيمات المهنية، يمكن إضافة 9 مهن فيصل العدد إلى 60 مهنة، منها 5 مهن على أساس عرقي هي أمين بني ميزاب، والأغواط، والقبائل، والبسكرين، والجيجليين، ثم يشير دي فولكس إلي الحقوق والضرائب، فيبرز مستحقات الخزينة العامة بالنسبة لكلّ رئيس تنظيم مهني وعرقي في شهر محرم من سنة 1103هـ/1691م حسب القوانين القديمة التي عززت بنصوص جديدة([47])، وفي نفس السياق تم ذكر المبالغ الخاصة برئيس الجالية اليهودية، وآغا زواوة، وأمين أهل جربة، وهي مجموعات عرقية إضافية. ونضيف إلى هذه التنظيمات الثمانية، تلك التي سيرها قائد الوصفان أي رئيس طائفة السود والتي كشفها عقد أبرم بين أمين الجيجلية والمحتسب في 1110هـ/1699-1698م([48])،
ويتعلق بسعر الخبز والحبوب والكعك. وتنتمي هذه التنظيمات التسعة إلى فئة البرانية، الذين مارسوا مهنا تتطلب الجهد العضلي، وهي المهن التي تخضع موادها الأولية لسلطة الإدارة العثمانية.
وإلى جانب هذه المهن التي يمارسها بنو ميزاب واليهود والتي ذكرناها آنفا، يقوم البسكريون بالخدمات البحرية والحمالة، ونقل الماء([49])، والحجابة، والحراسة الليلية، وتنظيف المداخن، والمناداة العمومية([50]). ويمارس الأغواطيون تجارة الزيت([51])بصفة استثنائية، وليس من المستبعد قيامهم بوظائف وزن الزيت والنقل، أمّا السود فهم عمال يوميون وغسالون([52]).
واختص الجيجليون في الطحن، فهم بالتالي خبازون([53]) يحضرون الخبز والحلوى للجنود والأسرى([54]) باستخدام أفران البايليك، في حين يوصف البربر بأنّهم حرفيون متواضعون([55]) أو مشرفون على الأفران، ويمتهن زواوة البناء([56])، وتسيير الدوريات الليلية([57]). وتضمن مخطوط الشويحات مصطلح جماعة للدلالة على التنظيمات الحرفية مثل جماعة الفكايين وجماعة الكواش([58]) أي المشرفين على الأفران. وفي سنة 1108هـ/1696-1697م، اجتمع شيوخ البلد والجموع بجامع السيدة لتصفية حسابات التنظيمات الحرفية التي كان عليها ضرائب([59]) اتجاه السلطة العثمانية. ويبرز هذا الأمر قيام شيخ البلد أي رئيس الإدارة المحلية بمراقبة التنظيمات المهنية، وتحصيل أتعابه، وجمع الضرائب ثم إعادة الأموال إلى الخزينة كلّ شهرين، ويساعده في ذلك أمين يعرف بالخوجة الذي يقيد الحسابات في سجل خاص([60]). إلاّ أنّ مسألة جمع الضرائب قد عرفت تطورات مختلفة، فقد قبل الجموع في عهد الداي بابا أحمد بتعيين أمين عن كلّ سوق لدفع الضرائب أو الغرامة لخزينة الدولة إتقاء لحدوث اضطرابات في المدينة([61]). هذا وحمل مصطلح صناعة عدّة معاني منها المهن، والفنون والحرف والصناعات بينما قصد به في المخطوط السالف ذكره الإسكافيين، وفي السياق ذاته طلب الداي من أمين الحدادين وأمين الصناعة التدخل لتحديد أسعار ثلاثة أنواع من الأحذية([62])، إتقاء لأي اختلاف في المستقبل([63]).
ونخلص إلى القول بأنّ تنظيم الأسواق عن طريق التنظيمات الحرفية يسهل تحقيق هدفين أساسيين هما مراقبة هذه التنظيمات، ومنع المنافسة غير الشريفة ضمن كلّ تنظيم حرفي بفضل اليقظة المتبادلة بين الحرفيين والتجار. كما توثق التضامن فيما بينهم، وهو ما يزيد المجتمع قوة وتنظيما، والأمر نفسه يمكننا ذكره بالنسبة للتوزيع الجغرافي للنشاطات الحرفية والمهنية، وربط ذلك بالقرب أو البعد عن المساجد لما شكلته هذه المؤسسات الدينية الإسلامية من أهمية عظيمة في حياة سكان مدينة الجزائر.
الهوامش :
[1]. Raymond (A), Grandes villes arabes à l’époque ottomane, Paris, 1985, p.242.
[2] . عبد الله محمد بن الحاج يوسف الشويحات، كتاب قانون بالجزائر،الأسواق وتغيرهم،مخطوط رقم 670/1378، ورقة 59، المكتبة الوطنية، الجزائر.
[3]. Devoulx (A), Tachrifat. Receuil de notes historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger, Alger, 1852, p.23.
[4]. Ibid, pp. 20-21 ; Touati (H), « Les corporations de métiers à Alger à l’époque ottomane », Revue d’histoire Maghrébine, 45-48, 1987, p.268.
[5]. Guiauchin (E), Alger, Alger, 1905, p.43.
[6]. Eudel (P), L’orfèvrerie Algérienne et tunisienne, Alger, 1902, pp. 78-79.
[7]. Khodja (K), Le miroir, aperçu historique et statistique sur la régence d’Alger, Paris, 1985, p.238.
[8]. Eudel (P), Petits métiers algérois, Alger, 1901, p.33.
[9]. Khodja (K), op.cit., p.238.
[10]. Eudel (P), L’orfévrerie…., op.cit., pp.78-79.
[11]. Devoulx (A), « Les noms des rues d’Alger », la revue Algérienne, 1877, p.107.
[12]. Ministère de
[13]. Eudel (P), op.cit., p.79 ; Khodja (K), op.cit., p.237.
[14]. Eudel (P), op.cit., p.79.
[15]. Emerit (M), « Les quartiers commerçants d’Alger à l’époque turque», Algeria, nouvelle série, 25 , 1952, p.8.
[16]. Raymond (A), « Le centre d’Alger en 1830 », Revue de l’occident musulman et de
[17]. Devoulx (A), Les édifices religieux de l’ancien Alger, Alger, 1870, p.154.
[18]. Ibid, p.153.
[19]. Colin (G), Corpus des inscriptions arabes et turques de l’Algérie, Paris, 1901, pp. 129-130.
[20]. Devoulx(A), op.cit. pp. 152-153.
[21]. Archives d’outre-mer, Aix-en-Provence, E80-1675.
[22]. Eudel (P), op.cit., pp. 76-77.
[23]. Devoulx (A), op.cit., pp. 157-159.
[24]. Eudel (P), op.cit., p.80.
[25]. Raymond (A), op.cit., p.84.
[26]. Eudel (P), op.cit., p.80.
[27]. Devoulx(A), Tachrifat..., op.cit. p. 25.
[28]. Eudel (P), op.cit., p.79.
[29]. Raymond (A), op.cit., p.84.
[30]. Devoulx (A), Les édifices..., op.cit. p. 129.
[31]. Eudel (P), op.cit., pp.79-80
[32] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 111.
[33]. Haedo (D), Topographia e historia général de Argel, T.I., Madrid, 1927-1929, p.97.
[34]. Bibliothèque nationale de Madrid, section Manuscrits, MS. N° 3227, Chap.36, lignes 3295-3306.
[35]. Ibn Khaldoun, Discours sur l’histoire universelle (Al-Mukaddima). trad. Monteil, T. II, Beyrouth, 1981, p.815.
[36]. Ibid., pp.817-818.
[37]. Haedo (D), op.cit., pp.47-48, 51-52, 111-115.
[38]. Raymond (A), Grandes villes…, op.cit., pp.111-115.
[39]. BN. De Madrid, MS. N° 3227, chap.32, lignes 3220 -3230.
[40]. Ibid., chap.35lignes 3250,3255,3260.
[41]. Delphin (G), « Histoire des Pachas d’Alger de 1515 à 1745. Extrait d’une chronique indigène. Trad. Et annoté par… », J.A., Avril - Juin 1922, p. 210.
[42]. Haedo (D), op.cit., p. 93 et suivant.
[43]. Ibid, p.56.
[44]. Devoulx (A), Tachrifat…, op.cit., p.21 ; de Paradis (V), Tunis et Alger au XVIII siècle, Paris, 1983, pp.123 -132 ; Hoëxter (M), « Taxation des corporations professionnelles d’Alger à l’époque turque », Revue de l’occident musulman et de Méditérranée., 1983., pp.26-29.
[45]. Raymond (A), op.cit., p.93.
[46]. Devoulx (A), op.cit., pp. 23-24, 43 - 45, 48 et 65.
[47]. Ibid., 23.-24, 43- 45.
[48]. عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 31.
[49]. Touati (H), op.cit., p.268.
[50]. Hoëxter (A), op.cit., p.22.
[51]. Devoulx (A), op.cit., p.23; Hoëxter (M), op.cit., p.27.
[52]. Touati (H), op.cit., p.268.
[53] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 25، 31.
[54]. De Paradis (V), op.cit., p.119 ; Hoëxter (M), op.cit., p.26.
[55]. Raymond (A), op.cit., p.97.
[56]. Touati (H), op.cit., p.278.
[57]. De Paradis (V), op.cit., p.118.
[58] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 24.
[59]. نفسه، ورقة رقم 82.
[60]. Devoulx (A), op.cit., p.23
[61] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 111.
[62] . نفسه، ورقة رقم 50.
[63]. Touati (H), op.cit., p.281.
"الأسواق في مدينة الجزائر العثمانية و أنظمة التعامل التجاري
من خلال مخطوط قانون الأسواق"
د. عبد القادر صحراوي
جامعة سيدي بلعباس
تشكل الأسواق هيئات اقتصادية ذات ميزة مشتركة تتمثل في تخصص مهني دقيق مصحوب بتمركز جغرافي واضح في مدينة الجزائر خلال العهد العثماني. وتحتل كلّ تجارة شارعا معينا، ويظهر اسم كلّ مهنة ثلاث حقائق، تشمل تمركز الحرفيين والتجار لمنتوج واحد، ثم النقابة المهنية التي تجمعهم، والمكان الذي يحمل إسمهم، والذي أصبح مستقلا عن المعنى التقني. ولعلّ أسواق الجزائر العثمانية وتنظيماتها المهنية والحرفية هي التي تكشف عن دّقة الاهتمام بالحركة التجارية للمدنية، وتجمعاتها الاقتصادية عامّة والصناعية على وجه الخصوص.
ba
أولا: الأسواق.
يمكن أن يصبح التخصص التجاري التقني عرقيا إذا تفرغ أعضاء طائفة واحدة لنشاط محدد([i]) فيما يتعلق بمدينة الجزائر، وهناك مثالين يبرزان هذه الحالة الخاصة، يشمل الأول أعمال الطائفة الميزابية التي تجمعت في سنة 1153 هـ الموافق لـ 1740-
هذه المنطقة التي تمّ تدميرها من أجل إقامة ساحة مختلف الأسلحة خلال عهد الاحتلال الفرنسي، آوت خمسة عشر شارعا تجاريا على الأقل وأكثر من أربعمائة مسكنا في مدينة الجزائر العثمانية. وقد قضي هذا التدخل الفرنسي المعماري الأول بتحطيم المنطقة التجارية التي تعتبر نقطة اتصال وربط بين محور شرق-غرب لباب الجزيرة (شارع البحرية في عهد الاحتلال الفرنسي)، ومحور شمال-جنوب، باب الواد/ باب عزون، والذي يشكل النواة المركزية للمدينة، كما أحدثت تغيرات كبيرة بالمنطقة المنخفضة للمدينة فيما بين 1861 و1866، برفع مستواها إلى أكثر من 17 مترا لتشييد شارع الجمهورية، وأدّت هذه الأشغال إلى اختفاء نصف الجامع الجديد([v]).
وإنّ مواجهة معطيات كثيرة تضمنتها مختلف وثائق الأرشيف والدراسات الطوبوغرافية لمدينة الجزائر، التي تمثل المصادر الوصفية والمخططات المنجزة في بداية الاحتلال الفرنسي، والتي تسمح لنا باقتراح مقاربة حقيقية لإعادة تخيل شوارع المنطقة المركزية المذكورة، وحتى يكون الوصف ملائما، فإنّنا نبدأ بالشوارع الموجهة من الغرب إلى الشرق والموالية لنظيراتها من الجنوب إلى الشمال، وذلك ابتداء من الحد الشمالي لورشة السفن البحرية، التي لم يقم بالمنطقة التي تعلوها أي طريق. وهكذا تنزل انطلاقا من باب عزون على مستوى قصر الداي المعروف بدار الإمارة ثلاثة طرق متوازية باتجاه الشرق ناحية باب الجزيرة، ويبدأ الأول المعروف بطريق الصباغين بباب حي مقابل للطريق المسماة يوبا خلال عهد الاحتلال الفرنسي، والتي عرفت بأربعة أسماء: السوق الجديد، وسوق اللوح (الخشب)، وزنقة الخندق، وجامع سوق اللوح، وتنتهي أي الطريق عند مستوى جامع الجديد تحت اسم المقايسية أي صانعي قلادات القرن([vi])، ثم سوق الصباغين الذي هو عبارة عن مصنع حقيقي، تردد عليه العرب والبدو بالخصوص من أجل صبغ قماشهم، حيث كانت تستعمل كميات كبيرة من القرمزة والنيلة والفوة ومكوّنات صبغية أخرى([vii]).
أمّا بالنسبة لسوق المقايسية، فقد مثل إحدى الصناعات الرئيسية لمدينة الجزائر، وقد صدرت أغلب المصنوعات نحو تونس، وليبيا، ومصر، وتم شراء قرن الجاموس الذي يعتبر المادة الأولية في شكل حمولات، يقوم المحافظون المعنيون من قبل الصناع بشرائه([viii]) بعملية التوزيع عليهم، وذلك تبعا لأهمية كلّ مصنع([ix]). ويمكن مشاهدة الساحل وسطح ورشة صناعة السفن انطلاقا من الدكاكين الموجودة على اليمين، ونزولا عبر الشارعين اللذين يعتبر أحدهما امتدادا للآخر باتجاه الميناء، هذا الساحل ومعه السطح تحولا إلى موقع للتفريغ أثناء فترة الاستعمار الفرنسي([x]).
وبنقسهم الطريق الثاني إلى جزئين، ويبدأ من مكان مقابل لسبات الديوان، غير أنّ هذا الإسم لا يعني مجلس حاكم إيالة الجزائر. ويشير دي فولكس "Devoulx" إلى وجود ساحة بين قصر الدايات ودكاكين شارع باب عزون يسميها السكان الديوان حيث تباع الفواكه والخضر([xi]). ويقرأ تموضع وشكل هذه الساحة جيدا في المجزأ الظاهر في أسفل المخطط المعد في سنة 1840([xii])، لتنفيذ مشروع ساحة الأسقفية المقامة قبالة مسجد كسر أوفة الذي حوّل إلى كنيسة. وفي نهاية هذا الطريق، دمرت بعض المساكن، واستثني قصران، يعرف الأول بدار حسان باشا المحاذي للجهة الشمالية للجامع، والذي أدخلت عليه تغييرات لتوسيعه وتهيئته لوظيفته الجديدة كمقر للحاكم العام الفرنسي، أمّا الثاني فهو قصر دار عزيزة بنت الداي المقابل لجامع كسي أوفة والملتصق بقصر الدايات، الذي أدخلت عليه تغيرات طفيفة تحوّل بعد ذلك إلى قصر أسقفي للديانة الكاثوليكية، كما استعملت أعمدته الرخامية التي تتحمل قبة قطرها اثنا عشر مترا خلال الأشغال لتهيئة جناح الكنيسة. وأغلق الجزء الأول للطريق الثاني المسمى القيصرية بباب عند كلّ طرف، واستعمل المكان لبيع الكتب وإيواء النساخ، وكتاب الضبط وصناع البرانيس([xiii]).
أمّا الجزء الثاني الذي قبب أحد أطرافه، فيمثل طريق الصياغين أو الصاغة، ويصل إلى غابة باب الجزيرة، هذا الأخير الذي حلّ محل الجزء الأول المعروف بالقيصرية، وسمي الطريق كلّه بزنقة الصياغين، ويفتح الجزء الثالث على طريق باب عزون بواسطة باب بجانب جامع السيدة وينتهي عند أحد أبواب الباديستان([xiv]) الذي يحتمل أن يكون الباب الشمالي الغربي، ففي هذا المكان يتركز صناع الخفاف المعروفين باسم البشماقجية. ويجدر بنا قبل وصف هذا الطريق، التوقف قليلا عند مسألة موقعة مسجد السيدة الذي سنتخذه سندا لإعادة تحديد بقية الطرق.
ففي مخططه البياني يخطئ أوديل "Eudel" في موقع المسجد المذكور بالنظر إلى المعلومات المتوفرة، ويكرر ايمريت "Emerit" الخطأ نفسه في رسمه([xv]). في حين تسمح لنا ثلاثة مخططات([xvi]) بتحديد مكان مسجد السيدة الذي دمر في شهر أفريل من سنة 1831، هذه المخططات التي أنجزت قبل وبعد تهديمه، والتي تشدد على تموقعه في الجزء المقابل لقصر الداي. أمّا وصف لودوايي "Lodoyer"([xvii]) فيدمج هذا المبنى الديني في مجموعة كبيرة من المنازل المتداخلة التي تحتوي على باب أحادي مصنوع من الخشب موجود بالواجهة الغربية، قبالة المدخل الرئيسي للصحن الكبير للقصر. وهذا ما يؤكد أنّ الطريق الوحيد الذي يفصل قصر الداي عن مسجد السيدة هو طريق باب عزون عند التقائه بطريق باب الواد.
وبالنظر إلى الخصوصيات المعمارية التي ذكرها لودوايي، يعتقد بأنّ نوعية هذا المبنى المربع المحاط بأقواس قوطية المدشن بمسجد علي بيتشنين في 1622، قد اعتمد خلال إعادة بناء جامع السيدة في النصف الثاني من القرن 18م، هو المبنى الذي شيد في عهد محمد باشا (1766-1790)، ويؤكد قرار لسنة 1198/1784م وجود متجر ملتصق بالمسجد مواجه لدار السكة، حوّل إلى باب يفضي إلى مسجد السيدة([xviii]). لكنّ نقيشة غير مؤرخة([xix]) تذكر أنّ الهدف من إعادة بناء ها المسجد هو تصحيح اتجاه قبلتها، هذا وغطت الأشغال المنجزة كلّ المتاجر القريبة منه بما في ذلك الحوانيت المبعثرة حولها([xx]).
أمّا فيما يتعلق بأبعاد هذه البناية الدينية، فإنّ دي صال "De Salles" يشبهها بمثيلاتها في مسجد قصر أوفة في تقريره لسنة 1844([xxi]). وتدعم هذه المعطيات التوسعة الجزئية التي تضمنها مخطط فليبار "Philibert"، والذي يموقعها قبالة القصر،لكن هذا المجزأ محدود من الجهة الغربية ،على عكس المخططات الثلاثة الانفة الذكر. وبالعودة إلى إعادة رسم النواة المركزية للمنطقة التجارية، نشير إلى وجود ساحة صغيرة بها عين مركزية مواجهة لمدخل قصر الدايات أو دار الإمارة. ويبرز مخطط أوديل "Eudel" وجود جامع الشواش أي مسجد ضباط الشرطة العسكرية بإحدى جهات هذه الساحة([xxii])، بينما يرسمها فليبار "Philibert" قبالتها، على امتداد واجهة قصر الدايات، وهو ما يتطابق مع وصف دي فولكس "Devoulx"([xxiii]). ودائما حسب أوديل "Eudel"، فإنّ محل البلوك باشي يوجد بشارع باب عزون، ويكون ملتصقا بقصر الدايات([xxiv])، غير أنّه لا يحدد في أي جزء من الشارع، ولا يقدم قرائن مرجعية لذلك.
في حين يضع ريموند "Raymond" هذا المحل في مواجهة الساحة الصغيرة([xxv])، في مكان المسجد الذي أشرنا إليه. إلاّ أنّنا نعتقد استنادا إلى المعطيات المذكورة أنّ محلا واحدا بأبعاد صغيرة، قد يوجد على خط امتداد القصر، فيكون بذلك محاذيا لمسجد الشواش، وتواجه هذا المحل مجموعة من المكاتب منها الكحية التي تأوي حاكم الجيش، والباشا أغا قائد الأغوات، والباش جراح رئيس جراحى الانكشارية([xxvi]).هذه المكاتب التي يموقعها دي فولكس خارج أسوار قصر الدايات([xxvii]).
وينطلق من هذه الساحة الصغيرة طريق على خط مستقيم يصل إلى الباديستان عرف بإسمين، واحد ببائعي الخضر يخص جزأه الأول، والرصاصية في الجزء الثاني([xxviii])، غير أنّ ريموند ينسب الجزء الأخير إلى الباديستان([xxix]). أمّا آخر طريق يذكرها أوديل باتجاه الشمال، فهي التي عرفت خلال العهد العثماني بثلاثة أسماء هي طريق عنقني المحصورة بين شوارع باب الواد والشماعين، المعروفة بطريق كيلوباترا خلال عهد الاحتلال الفرنسي، في الوقت الذي عرف فيه الجزء الثاني من الطريق بزنقة سيدي الجودي، وهو اسم زاوية بها مقبرة واسعة الأبعاد توجد على مقربة من المكان([xxx])، أمّا الجزء الثالث، فيحمل اسم البكورة([xxxi]) أي بستان البقول والفواكه.
وقد وصل عدد الأحياء التجارية التي تحتوي على العديد من الشوارع ذات النشاطات المربحة إلى حوالي ستة عشر، ويتم التعرف على ما يقارب الاثنين وأربعين سوقا من بين الخمسة والأربعن. غير أنّ المخطوط المتعلق بالأحكام القضائية المطبقة على الأسواق، يكشف عن تقسيم إداري للمنطقة التجارية إلى حوالي تسعة قطاعات رئيسة. ويشير إلى تعيين أشخاص مختلفين في نهاية القرن
ويتكون السوق في شكله العام من تجمع المتاجر المبنية على طول الشارع، أو عند تقاطع الطرق أو حول ساحة عامّة. وفيما يتعلق بالمتاجر التي تتكون منها أسواق مدينة الجزائر، فإنّ معلوماتنا حولها قليلة. إلاّ أنّ هايدو "Haedo" ذكر أنّ عددها قارب الألفي متجر في نهاية القرن
وانتشرت البقالات كثيرا تجاوز عددها الستة في كلّ شارع من شوارع مدينة الجزائر والأماكن العمومية، حتى نعتت بالسوق أو ساحة المتاجر. كما تجاوز عدد متاجر الشمع الثمانين، وبائعي التبغ المائة، ناهيك عن قيام السكان الأصليين والمسيحيين ببيع التبغ في رزم صغيرة في مختلف أركان الشوارع وعلى طولها([xxxiv]).
ثانيا: التجارة والمهن وبنية التنظيمات الحرفية.
اهتم ابن خلدون في تحليله للمجتمع بفئتين من الحضر هما الحرفيين والتجار، وينتمي أفراد الفئة الأولى إلى طبقة خاضعة وضعيفة رغم أهمية عددها وانتمائها لمجتمع تقليدي، لا يتعدى مستوى معيشتها مرحلةالبقاء، بينما تعتمد فئة التجار على رجال الحكم. ولايمكنها التحرر من هذا الخضوع وإقامة سلطتها السياسية الخاصة، باعتبار أنّ ممارسة التجارة تستلزم عند بلوغها حجما معينا حماية المالكين لنفس هذه السلطة. ويشير ابن خلدون أيضا إلى وجود فئتين من التجار، فئة تنتمي إلى الطبقات الدنيا وغالبا ما تكون على علاقة قارة بسيئي المعاملة، الذين يكذبون ويغشون ويحلفون زورا، ويعترفون وينكرون التزاماتهم وأسعارهم، والوسطاء قليلي العدد الذين يحضون بقيمة عالية، ويتفادون اللجوء إلى الصفقات الخاصة، وسرعان ما يجد هؤلاء الناس أنفسهم على رأس ثروة كبيرة أو ميراث، ويسمح لهم الغنى بالتقرب من السادة والحصول على شهرة بين عامة الناس، ويتصف هؤلاء أيضا بعزّة النفس، مما يمنعهم عن الاهتمام بتفاصيل العملية التجارية تاركين ذلك لممثليهم وخدمهم([xxxv]).
وفيما يتعلق بالنشاطات الحرفية، يميز العلامة ابن خلدون بين الحرف البسيطة اليدوية، فهي مهن عادية وضرورية، وتضم النجارين، والحدادين والخياطين والجزارين والنساجين، وقد وجد هؤلاء بسبب حاجة الناس إليهم، فهم مقيدون ووظيفيون. ثم تشهد هذه المهن الأساسية بعد تلبية حاجات المجتمع الحضري عملية تطور وتحسين الإنتاج، في الوقت الذي تظهر فيه مهن تتطلبها الظروف الاجتماعية، مثل مهن الإسكافي والدباغين، ووسطاء الحرير وصاغة الذهب، مما يؤدي إلى ظهور المواد الكمالية. ويفسر ابن خلدون هذا الظرف بالبحث عن الفنون المنقاة والمتطورة لحضارة هي في أوج ازدهارها، ويساعد هذا الازدهار الحضاري في بلوغ هذه الحرف نقاء كبيرا، مما يسمح للحرفيين في المدن الكبيرة بتأمين معيشتهم، وممارسة مهن جد مربحة، وفي هذا السياق يمكننا ذكر العطارين، والنحاسين، والحمامين، والطباخين والحلوانيين، ولكن هناك أيضا النساخين، والمجلدين والمصححين، الذين يبحث عنهم أصحاب الذوق، إضافة إلى الحضري الباحث في المسائل الفكرية([xxxvi]).
ويعلمنا هايدو "Haedo" عن مختلف المهن التي تميز بها سكان مدينة الجزائر وجيرانها في نهاية القرن 16 م، والتي يمارسها السكان الأصليون والعثمانيون واليهود. ويمثل السكان الأصليون الأغلبية، ويقسم العمل بين الحضر أو البلديين والبرانية أي الأجانب عن المدينة. ويمارس القسم الأول مختلف الأنشطة التجارية، ويملكون متاجر لبيع مختلف الأشياء، وخاصة مواد الغذاء، في حين يعيش أغلبهم من فلاحة الأرض، أو في المنازل الريفية أين يقومون بطهي الخبز، وفلاحة الشعير وغرس البقول، وتربية الأبقار والماشية. أمّا الأندلسيون الذين يشبهون بالحضر فيمارسون مهنا كثيرة ومختلفة، نظرا لمعرفتهم الفنية، ومن ثمّ نجد منهم من يصنع البنادق، والبارود وملحه، إلى جانب الخياطين والإسكافيين والخزافين، وخدمات وفنون مشابهة. كما يقوم البعض منهم بصناعة الحرير، ويشرف البعض الآخر على متاجر يبيعون فيها مختلف أنواع البزازة.
أمّا القسم الثاني أي البرانية الذين يأتون من المناطق الجبلية للعيش في داخل مدينة الجزائر، فإنّهم يكسبون عيشهم بخدمة العثمانيين والأغنياء من السكان الأصليين، وهناك منهم من ينزع أعشاب الحدائق والكروم، ومنهم من يشتغل جذافا في السفن الشراعية للحصول على الأجور. كما يبيعون الأعشاب الطبية، والفواكه، والفحم والزيت والزبدة والبيض وأشياء أخرى مماثلة. وبالنسبة للعثمانيين فهم قادة عسكريون ورجال سياسة وحكم، وتجار وأرباب عمل وضباط ميكانيكيون من مختلف الجهات.
أمّا الجالية اليهودية، فهي تتاجر في مختلف الأشياء لكنّها تشكل أغلبية الصاغة في مدينة الجزائر، وتتميز بضرب العملة الذهبية، والفضية والبرونزية، كما أشرفت على دار العملة([xxxvii]). وإنّ مسألة ضرب العملة، وتحويل المعادن النفيسة وعمليتي الصرف والقرض بفوائد([xxxviii])، التي أوكلت إلى اليهود هي ميزة عمّت كلّ المدن العربية خلال العهد العثماني. هذا وتميزت مدينة الجزائر في نهاية القرن
وشهد الربع الثاني من القرن
وقد لوحظ نمو المهن المختلفة التي كمّلت الضروريات التقنية للمدينة، ورفعت من نسق المواد الكمالية. إنّ هذا التوسع في المهن الذي يواكب النمو الاقتصادي لمدينة الجزائر في هذه المرحلة التاريخية، هو الذي يواتي النمو الاجتماعي الحضري الذي توصل إليه ابن خلدون كما ذكرنا آنفا، ويمكننا من خلال عدد التنظيمات المهنية وتطورها خلال ثلاثة قرون من العهد العثماني بالجزائر إلى استخلاص مجموعة من الاستنتاجات تتعلق بالنمو الاقتصادي وتحولاته العامّة، اعتمادا على المعطيات المجمعة، وتبيان علاقتها بالتنظيم والإدارة الاقتصادية للمدنية.
في البداية تجدر الإشارة إلى أنّ تجارة بعض المواد كانت من اختصاص حكومة إيالة الجزائر منذ إدخالها في الهيئة الاقتصادية. وتعلمنا شهادة هايدو "Haedo" أنّ التجار ليس بإمكانهم التفرغ لتجارة واسعة مثل الجلود وشمع العسل، باستثناء الذين يعقدون اتفاقا مع الحاكم العثماني لشراء هذين المنتوجين من السكان الأصليين، ثم بيعها للمسيحيين([xlii]). ويذكر أنّ للقاضي هيمنة مطلقة على شمع العسل وكلّ أنواع الجلود، حتى لا يستطيع أي إنسان شراءها من السكان أو بيعها للمسيحيين، ونفس الأمر بالنسبة للحبوب والمواشي([xliii]).
غير أنّ الإدارة العثمانية لها السلطة على بعض المواد التي توصف بأنّها إستراتيجية كالتي ترتبط بتموين الجيوش مثل الرصاص، والحديد، وملح البارود، ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لتموين قصور الدايات وقيادة الجيش داخل المدينة وخارجها بمواد مثل اللحوم، والقمح، وزيت الزيتون والملح والجلود والصوف وما إلى ذلك. وتسهيلا لهذه الحركة التجارية والمهنية تم إصدار مجموعة من القوانين سمحت بإنتاج أو تحويل هذه المواد([xliv]). ويعتقد ريموند "Raymond" أنّ مدينة الجزائر كان بها ثلاثة وثلاثون تنظيما مهنيا، ويعيد ذلك إلى تراجع أهمية المدنية، وضعف حركتها الحرفية([xlv])، بينما يشير هواري تواتي إلى سبعة وخمسين مهنة في القرن 17 م، وحدوث تراجع من ثلاثة وثلاثين إلى ثمانية وعشرين مهنة([xlvi]) ما بين القرنين 18 و19م.
إلاّ أنّ مخطوط الأسواق الذي كتب ما بين القرنين 17 و18م يسمح بإحصاء 51 مهنة من دون 5 تنظيمات مهنية عرقية، و8 تنظيمات أخرى تشمل تسيير الأسواق والمستودعات التي يقوم بها الفونداقجي، والوزان والمقرضين أو الفكايين، والوزاعين، والممون أو الميّار، والمستلزم والتاجر وبائع الجملة أو الوسيط المعروف بالسركجي، وإضافة إلى ما ذكره دي فولكس في مجموعة ملاحظاته حول وجود 34 رئيسا للتنظيمات المهنية، يمكن إضافة 9 مهن فيصل العدد إلى 60 مهنة، منها 5 مهن على أساس عرقي هي أمين بني ميزاب، والأغواط، والقبائل، والبسكرين، والجيجليين، ثم يشير دي فولكس إلي الحقوق والضرائب، فيبرز مستحقات الخزينة العامة بالنسبة لكلّ رئيس تنظيم مهني وعرقي في شهر محرم من سنة 1103هـ/1691م حسب القوانين القديمة التي عززت بنصوص جديدة([xlvii])، وفي نفس السياق تم ذكر المبالغ الخاصة برئيس الجالية اليهودية، وآغا زواوة، وأمين أهل جربة، وهي مجموعات عرقية إضافية. ونضيف إلى هذه التنظيمات الثمانية، تلك التي سيرها قائد الوصفان أي رئيس طائفة السود والتي كشفها عقد أبرم بين أمين الجيجلية والمحتسب في 1110هـ/1699-1698م([xlviii])،
ويتعلق بسعر الخبز والحبوب والكعك. وتنتمي هذه التنظيمات التسعة إلى فئة البرانية، الذين مارسوا مهنا تتطلب الجهد العضلي، وهي المهن التي تخضع موادها الأولية لسلطة الإدارة العثمانية.
وإلى جانب هذه المهن التي يمارسها بنو ميزاب واليهود والتي ذكرناها آنفا، يقوم البسكريون بالخدمات البحرية والحمالة، ونقل الماء([xlix])، والحجابة، والحراسة الليلية، وتنظيف المداخن، والمناداة العمومية([l]). ويمارس الأغواطيون تجارة الزيت([li])بصفة استثنائية، وليس من المستبعد قيامهم بوظائف وزن الزيت والنقل، أمّا السود فهم عمال يوميون وغسالون([lii]).
واختص الجيجليون في الطحن، فهم بالتالي خبازون([liii]) يحضرون الخبز والحلوى للجنود والأسرى([liv]) باستخدام أفران البايليك، في حين يوصف البربر بأنّهم حرفيون متواضعون([lv]) أو مشرفون على الأفران، ويمتهن زواوة البناء([lvi])، وتسيير الدوريات الليلية([lvii]). وتضمن مخطوط الشويحات مصطلح جماعة للدلالة على التنظيمات الحرفية مثل جماعة الفكايين وجماعة الكواش([lviii]) أي المشرفين على الأفران. وفي سنة 1108هـ/1696-1697م، اجتمع شيوخ البلد والجموع بجامع السيدة لتصفية حسابات التنظيمات الحرفية التي كان عليها ضرائب([lix]) اتجاه السلطة العثمانية. ويبرز هذا الأمر قيام شيخ البلد أي رئيس الإدارة المحلية بمراقبة التنظيمات المهنية، وتحصيل أتعابه، وجمع الضرائب ثم إعادة الأموال إلى الخزينة كلّ شهرين، ويساعده في ذلك أمين يعرف بالخوجة الذي يقيد الحسابات في سجل خاص([lx]). إلاّ أنّ مسألة جمع الضرائب قد عرفت تطورات مختلفة، فقد قبل الجموع في عهد الداي بابا أحمد بتعيين أمين عن كلّ سوق لدفع الضرائب أو الغرامة لخزينة الدولة إتقاء لحدوث اضطرابات في المدينة([lxi]). هذا وحمل مصطلح صناعة عدّة معاني منها المهن، والفنون والحرف والصناعات بينما قصد به في المخطوط السالف ذكره الإسكافيين، وفي السياق ذاته طلب الداي من أمين الحدادين وأمين الصناعة التدخل لتحديد أسعار ثلاثة أنواع من الأحذية([lxii])، إتقاء لأي اختلاف في المستقبل([lxiii]).
ونخلص إلى القول بأنّ تنظيم الأسواق عن طريق التنظيمات الحرفية يسهل تحقيق هدفين أساسيين هما مراقبة هذه التنظيمات، ومنع المنافسة غير الشريفة ضمن كلّ تنظيم حرفي بفضل اليقظة المتبادلة بين الحرفيين والتجار. كما توثق التضامن فيما بينهم، وهو ما يزيد المجتمع قوة وتنظيما، والأمر نفسه يمكننا ذكره بالنسبة للتوزيع الجغرافي للنشاطات الحرفية والمهنية، وربط ذلك بالقرب أو البعد عن المساجد لما شكلته هذه المؤسسات الدينية الإسلامية من أهمية عظيمة في حياة سكان مدينة الجزائر.
الهوامش
[i]. Raymond (A), Grandes villes arabes à l’époque ottomane, Paris, 1985, p.242.
[ii] . عبد الله محمد بن الحاج يوسف الشويحات، كتاب قانون بالجزائر،الأسواق وتغيرهم،مخطوط رقم 670/1378، ورقة 59، المكتبة الوطنية، الجزائر.
[iii]. Devoulx (A), Tachrifat. Receuil de notes historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger, Alger, 1852, p.23.
[iv]. Ibid, pp. 20-21 ; Touati (H), « Les corporations de métiers à Alger à l’époque ottomane », Revue d’histoire Maghrébine, 45-48, 1987, p.268.
[v]. Guiauchin (E), Alger, Alger, 1905, p.43.
[vi]. Eudel (P), L’orfèvrerie Algérienne et tunisienne, Alger, 1902, pp. 78-79.
[vii]. Khodja (K), Le miroir, aperçu historique et statistique sur la régence d’Alger, Paris, 1985, p.238.
[viii]. Eudel (P), Petits métiers algérois, Alger, 1901, p.33.
[ix]. Khodja (K), op.cit., p.238.
[x]. Eudel (P), L’orfévrerie…., op.cit., pp.78-79.
[xi]. Devoulx (A), « Les noms des rues d’Alger », la revue Algérienne, 1877, p.107.
[xii]. Ministère de
[xiii]. Eudel (P), op.cit., p.79 ; Khodja (K), op.cit., p.237.
[xiv]. Eudel (P), op.cit., p.79.
[xv]. Emerit (M), « Les quartiers commerçants d’Alger à l’époque turque», Algeria, nouvelle série, 25 , 1952, p.8.
[xvi]. Raymond (A), « Le centre d’Alger en 1830 », Revue de l’occident musulman et de
[xvii]. Devoulx (A), Les édifices religieux de l’ancien Alger, Alger, 1870, p.154.
[xviii]. Ibid, p.153.
[xix]. Colin (G), Corpus des inscriptions arabes et turques de l’Algérie, Paris, 1901, pp. 129-130.
[xx]. Devoulx(A), op.cit. pp. 152-153.
[xxi]. Archives d’outre-mer, Aix-en-Provence, E80-1675.
[xxii]. Eudel (P), op.cit., pp. 76-77.
[xxiii]. Devoulx (A), op.cit., pp. 157-159.
[xxiv]. Eudel (P), op.cit., p.80.
[xxv]. Raymond (A), op.cit., p.84.
[xxvi]. Eudel (P), op.cit., p.80.
[xxvii]. Devoulx(A), Tachrifat..., op.cit. p. 25.
[xxviii]. Eudel (P), op.cit., p.79.
[xxix]. Raymond (A), op.cit., p.84.
[xxx]. Devoulx (A), Les édifices..., op.cit. p. 129.
[xxxi]. Eudel (P), op.cit., pp.79-80
[xxxii] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 111.
[xxxiii]. Haedo (D), Topographia e historia général de Argel, T.I., Madrid, 1927-1929, p.97.
[xxxiv]. Bibliothèque nationale de Madrid, section Manuscrits, MS. N° 3227, Chap.36, lignes 3295-3306.
[xxxv]. Ibn Khaldoun, Discours sur l’histoire universelle (Al-Mukaddima). trad. Monteil, T. II, Beyrouth, 1981, p.815.
[xxxvi]. Ibid., pp.817-818.
[xxxvii]. Haedo (D), op.cit., pp.47-48, 51-52, 111-115.
[xxxviii]. Raymond (A), Grandes villes…, op.cit., pp.111-115.
[xxxix]. BN. De Madrid, MS. N° 3227, chap.32, lignes 3220 -3230.
[xl]. Ibid., chap.35lignes 3250,3255,3260.
[xli]. Delphin (G), « Histoire des Pachas d’Alger de 1515 à 1745. Extrait d’une chronique indigène. Trad. Et annoté par… », J.A., Avril - Juin 1922, p. 210.
[xlii]. Haedo (D), op.cit., p. 93 et suivant.
[xliii]. Ibid, p.56.
[xliv]. Devoulx (A), Tachrifat…, op.cit., p.21 ; de Paradis (V), Tunis et Alger au XVIII siècle, Paris, 1983, pp.123 -132 ; Hoëxter (M), « Taxation des corporations professionnelles d’Alger à l’époque turque », Revue de l’occident musulman et de Méditérranée., 1983., pp.26-29.
[xlv]. Raymond (A), op.cit., p.93.
[xlvi]. Devoulx (A), op.cit., pp. 23-24, 43 - 45, 48 et 65.
[xlvii]. Ibid., 23.-24, 43- 45.
[xlviii]. عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 31.
[xlix]. Touati (H), op.cit., p.268.
[l]. Hoëxter (A), op.cit., p.22.
[li]. Devoulx (A), op.cit., p.23; Hoëxter (M), op.cit., p.27.
[lii]. Touati (H), op.cit., p.268.
[liii] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 25، 31.
[liv]. De Paradis (V), op.cit., p.119 ; Hoëxter (M), op.cit., p.26.
[lv]. Raymond (A), op.cit., p.97.
[lvi]. Touati (H), op.cit., p.278.
[lvii]. De Paradis (V), op.cit., p.118.
[lviii] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 24.
[lix]. نفسه، ورقة رقم 82.
[lx]. Devoulx (A), op.cit., p.23
[lxi] . عبد الله بن الحاج يوسف الشويحات، المرجع السابق، ورقة رقم 111.
[lxii] . نفسه، ورقة رقم 50.
[lxiii]. Touati (H), op.cit., p.281.
