tachma.ht.1
التنظيم السياسي و الإداري في الجزائر منذ الاحتلال إلى غاية
إرساء أسس الدولة الوطنية 1962
د. بومدين طاشمة
جامعة تلمسان
هناك مجموعة من الملاحظات والضرورات المنهجية تحكم دراسة الأصول التاريخية للعمل التنموي السياسي- الإداري قبل وأثناء الثورة التحريرية الجزائرية، هذه الملاحظات والضرورات المنهجية يمكن تحديدها في مجموعة من العناصر:
(1 ــ أن بيروقراطية الإدارة ومسار تطور العمل السياسي في الجزائر منذ الاحتلال إلى غاية الاستقلال لم يعرف مراحل تاريخية متميزة ومحددة على الأقل من الناحية السياسية- الإدارية، على الرغم من أن الكثير من الدارسين حاولوا أن يميزوا بين مرحلة وأخرى، أو بين فترة حكم مدني وحكم عسكري. مع العلم أنه مهما اختلفت النعوتات والتسميات فلم يتغير شيئا من جوهر الموضوع وهو احتلال الجزائر، وتوظيف البيروقراطية الإدارية كأداة - مكملة للوسائل الأخرى- لإستغلال الانسان والأرض، ومسخ الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية.
2) ــ أن تخصيص دراسة تطور العمل التنموي السياسي-الإداري منذ فترة إندلاع الثورة إلى غاية إرساء أسس الدولة الوطنية 1962، لا يعني أن بذور بيروقراطية الإدارة الجزائرية انبثقت خلال هذه المرحلة. وإنما امتدت جذورها إلى العهد التركي، حيث كانت الإدارة آنذاك أقرب للإدارة العسكرية منها إلى الإدارة المدنية، وذلك لغطرستها وتعاليها على الشعب الجزائري والاهتمام بخدمة مصالحها. ونظرا لكون هذه الملاحظة أساسية من وجهة نظري، فهي تحتاج بدورها إلى دراسات تاريخية متخصصة ومعمقة، ولذا اكتفيت أن أدرس بداية من ثورة التحرير إلى غاية الاستقلال (1962-1954) تاركا المراحل التاريخية في عهد الحكم التركي وعهد الاحتلال الفرنسي (1954-1830) لأهل الإختصاص والتي تحتاج إلى دراسات معمقة ومستقلة.
3) ــ النقطة المنهجية المهمة التي تحكم هذه الدراسة، والتي يمكن الإشارة إليها أيضا، هو أن عند دراسة مسار التنظيم السياسي والبيروقراطي منذ الإحتلال إلى غاية تشكيل الدولة الوطنية في الجزائر يجب أن نؤكد أنه كانت هناك إلى جانب الإدارة الفرنسية في عهد الإحتلال إدارة وطنية منافسة وموازية لها وفق إمكانياتها المتواضعـة بقصد إزالة الاغتراب الإداري الذي عان منه الشعب الجزائري ، لذا لا يمكن أن ندرس التنظيم السياسي- الإداري الذي انتهجته الإدارة الفرنسية دون التطرق للإدارة الوطنية أثناء حرب التحرير الوطني ، لأن تلك الإجراءات واللجان التي انبثقت عن قيادة جبهة التحرير الوطني، لأن تلك الإجراءات رغم بساطتها في مجال تنظيم العمل السياسي والإداري للبلاد كان لها انعكاس كبير على مجرى الأمور خاصة في المرحلة الأولى من الإستقلال السياسي للجزائر.
ba
إنطلاقا من هذه الملاحظـات المنهجيــة أطرح السؤال الجوهري الآتي : ما طبيعـة التنظيم السياسي و البيروقراطي الذي انتهجته الإدارة الاستعمارية للتحكم في الجزائريين ولإبقائهم تحت السيطرة الإستيطانية ؟ وما هي الوسائل والإجراءات والترتيبات السياسية والإدارية التي اتخذتها الحركة الثورية لخدمة المواطن من جهة، ولتحقيق الإستقلال وإنهاء الغبن عن الشعب الجزائري من جهة ثانية ؟.
-1 طبيعة الجهاز البيروقراطي الاستعماري: الإصلاحات السياسية-الإدارية كآلية للتحكم:
لقد جاءت ثورة أول نوفمبر 1954 بمثابة صدمة بالنسبة للسلطات الفرنسية (1) . هذه الصدمة جعلت الإدارة الاستعمارية تتعلق بالجزائر أكثر إلى حد التخلي عن المغرب وتونس. لكن الشيء الذي حدث بعد الثورة، عوض أن تقر بمنطلق التطور التاريخي عملت على منع وقوعه لكن ليس على أساس استراتيجية قامة على آفاق طويلة المدى وإنما على إجراءات ظرفية. ويمكن القول أن الفترة الممتدة منذ صدور قانون 1947 (2) إلى غاية سنة 1954 قد اتسمت بوصول النظام البيروقراطي الاستعماري إلى مأزق فيما يتصل بالتنظيم في العلاقة بين الجزائر وفرنسا، ولا سيما بعد إدراك إدارة الاحتلال فشلها في تطبيق ما نص عليه قانون الجزائر، فقد كان من المفروض أن تؤدي اندلاع الثورة الجزائرية إلى إتاحة الفرصة أمام الإدارة الفرنسية للتخلص - إلى حد ما- من عرقلة المعمرين لإصلاحاتها السياسية والإدارية مقابل ضمان
الأمن لهم ولممتلكاتهم، إلا أن ذلك لم يحدث إذ سرعان ما عاد المعمرون إلى فرض وجهة نظرهم من جديـد، ولا سيما بعد ظهور بوادر رغبة الإدارة الفرنسية في إجراء نوع من الاتصال بالمقاومة من أجل إيجاد حل سلمي . وتأسيسا على ذلك، عندما أدرك المسؤولون الفرنسيون أن سياسة القمع غير مجدية وأن السكان يتعاونون مع الثوار، قرروا انتهاج سياسة جديدة تتمثل في العمل على جبهتين أساسيتين :
أولا : اتخاذ كل الوسائل لوضع حد لما كانت تسمية الإدارة الفرنسية بالتمرد، من خلال القيـام بتوجيه ضربات قوية للثوار أينما كانوا، وهذا بقصد ترضية العسكريين الذين كانوا يعتقدون أن استعمال القوة ضد المناضلين بدون قيود، هو الأسلوب الفعال لسحق الثائرين.
ثانيا: اعتماد سياسة إصلاحية جديدة تتمثل في إدخال إصلاحات سياسية وإدارية في الجزائر. حيث قام وزير الداخلية الفرنسي " فرانسوا متيران" « François Mitterrand » بتقديم مشروع إصلاحات سياسية وإدارية إلى مجلس الوزراء الفرنسي بتاريخ 05 يناير1955 يتمثل في إنشاء المدرسة الوطنية للإدارة في الجزائر بقصد تكوين فئة من الإطارات الإدارية الجزائرية وتعيينهم في مناصـب عليا في جهاز الوظيف العمومـي . و اتبع هذا الفعل بتعيين " جاك سوستال"" Jacques soustelle " حاكما عاما للجزائر في 25 يناير 1955 ، حيث وضع هذا الأخير برنامجا إصلاحيا تضمن :
- رفع عدد الجزائريين في الوظائف العامة .
- إصلاح الجهاز الإداري في الولاية .
- تعيين خمس نواب جزائريين بولاية عنابة الجديدة (3) .
كما اقترح إلغاء البلديات المختلطة(4)، وذلك بقصد توحيد النظام وتطبيق قانون واحد على الجميع، مثلما هو الحال في فرنسا. غير أن تدهور الوضع الأمني بسبب تكثف العمل المسلح قد اضطر بالإستعمار الفرنسي أن يعلن حالة الطوارئ في الجزائر بموجب القانون الصـادر في 03 أبريل 1955، الذي أصبح يجمع الذي هو في واقع الأمر، نقـل السلطة من الجهات القضائية الإدارية إلى المؤسسة العسكرية التي أصبحـت هي السلطة الفعلية في البلاد (5) . وهذا ما جعل الجزائر تعيش وضعا قانونيا خاصا ترتب عنه وقف العمل بقانون 1947، وحل الجمعية الجزائرية. كما تغير منصب الحاكم العام بمنصب "الوزير المقيم" بين صلاحيات كل من الحاكم العام والجمعية الجزائرية، ويساعده وزيران للدولة يختص أحدهما بالشؤون المدنية والآخر بالشؤون العسكرية.
وبالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء في نفس السنة ما يسمى بالفروع الإدارية المتخصصة (S.A.S) على يد الجنرال "بارلونج" الذي استوحاها من تجربة المكاتب العربية المعروفة في النصف الثاني من القرن 19، والذي رأى فيها "قلب فرنسا النابض في كل دوار". حيث كانت مهمة هذه الفروع في الظاهر التكفل بشؤون الأهالي في منطقة معينة من صحة وتعليم وخدمات، بحيث يرأس هذه الفروع ضابط عسكري متخصص في شؤون الأهالي ويخضع نظريا للسلطة العليا في الإقليم. أما الهدف الحقيقي من إنشاء هذه الفروع هو حرمان المقاومة من قواعدها، ومن التغلغل في وسط السكان، والحيلولة دون انتشار ما كانت تسميه إدارة الإحتلال بالتنظيم السياسي-الإداري السري لجبهة التحرير الوطني.
وهكذا تمت العودة من جديد إلى الحكم العسكري إلى درجة أن أصبح الشغل الشاغل للإدارة الاستعمارية يتمثل في المجال الأمني(6) على حساب الاصلاحات السياسية والإدارية. وكان لابد أن يؤدي ذلك إلى تدهور الوضع الأمني عوض تحسينه.
إن هذه المرحلة من تاريخ الاحتلال الفرنسي، كانت مرحلة جد حاسمة ومتغيرة، انعكست آثارها على التنظيم السياسي-الإداري المنطبق في الجزائر. فعلى مستوى التنظيم اللامركزي، قامت إدارة الاحتلال منذ اندلاع الثورة بإلغاء البلديات المختلطة وترقية المراكز البلدية إلى بلديات تامة الصلاحيات، كما تمثلت هذه الاصلاحات على المستوى الجهوي بالزيادة في عدد الولايات والدوائر، وذلك ابتداء من 28 جوان 1956 إلى غاية إصدار المرسومين رقم 1282-56، و1284-56، الصادران في 1956/11/17، اللذان تضمنا ارتفاع عدد الولايات من 06 إلى 15 ولاية. وقد كان هذا التقسيم على أساس ثلاثة مناطق :
- المنطقة الشمالية، وتضم ولاية تلمسان، وهران، مستغانم، الشلف، الجزائر، التيطري، سطيف، قسنطينة، وولاية عنابة.
- منطقة الهضاب العليا، وهي تضم ولاية سعيدة، تيارت، المدية، باتنة.
- وأخيرا منطقة الجنوب، التي تضم ولايتي الواحات، والصاورة (7). حتى وإن بقيت منطقة الصحراء خاضعة لنظام خاص عرف بالنظام المشترك أو التنظيم المشترك لمناطق الجنوب.
وبذلك يصبح عدد المناطق الكبرى ثلاثة مناطق تضم 15 ولاية. للإشارة أن التنظيم الإداري لولاية الجزائر الكبرى قد حددها مرسوم رقم 321-59 المؤرخ في 24 فبراير 1959 الذي ألحق الضواحي بالمدينة، وقسمت مدينة الجزائر وضواحيها بموجب هذا المرسوم إلى عشرة دوائر تنتخب كل منها عددا من مستشاريها البلدين الذين لهم الإختيار في ترشيح رئيس دائرتهم الذي هو واقعيا يعين ولا ينتخب. وبالإضافة إلى ذلك فإن المرسوم السابق ذكره أكد على إلحاق 11 بلدية بمدينة الجزائر الكبرى، ويكون تسيير المدينة بمتصرف عام معين بمرسوم إلى جانب المجلس البلدي المنتخب والبالغ عدد أعضائه 75 عضوا ثم جاء مرسوم رقم 163-60 المؤرخ في 07 فبراير1960 الذي غير المرسوم السابق، واعتبر رؤساء البلديات والدوائر معينين من الجهات الوصية (8) .
أما حول التنظيم الإداري والقانوني للدائرة، فاعتبرها المشروع الفرنسي مجرد كيان اقليمي يلجأ إليه في التقسيم التقليدي للولايات، ولا تتمتع الدائرة بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي حسب ما جاء في المرسوم رقم 641-56 الصادر في 28 ماي 1956، وقد كانت النتيجة لهذا التنظيم الجديد للدائرة، أن جعل الكثير يطالبون بإلغائها، من هذا تم تقليص أعدادها بالرغم من المرسوم الصادر في 20 يناير 1961 الذي حث وطالب بتكوين مجلس للدائرة يضم شيوخ البلديات والمستشارين العامين التابعين لرئيس الدائرة، مع توسيع السلطات القانونية لرئيس الدائرة كتمثيل الدولة وحق الوصاية عن البلديات، وتنشيط الحياة الاقتصادية في ظل مخطط قسنطينة. حيث وصل عدد الدوائر في عام 1961 إلى 91 دائرة.
أما بالنسبة للتنظيم البلدي، فنلاحظ بأنه وقع إصلاح إداري بالنسبة للبلديات، ويرمي في الأساس إلى المشاركة الشكلية للمسلمين في عملية الانتخابات التي امتدت من 19 إلى 25 أبريل 1959، حيث تهدف إلى إصلاحين هما، الإصلاح البلدي عن طريق قرار 28 جوان 1956 الذي ألغى بدوره 78 بلدية مختلطة و 158 مركز بلدي، وفي ظرف شهــور تم تعويض ذلك بـ 1107 بلدية تخضع للقانون البلدي الفرنسي، ثم ارتفع العدد ليصبح 1484 بلدية موزعة على منطقة الجزائر بـ 425 بلدية، ومنطقة وهران بـ 424 بلدية، ومنطقة قسنطينة بـ 635 بلدية. أما الإصلاح الثاني فيتعلق بتشريع موحد لجماعة الناخبين رجالا ونساءا، وذلك بقرارين صادرين في 28 جوان 1958، و 03 جويلية 1958، والهدف منهما هو تقريب الإدارة من المواطنين (9).
وفي إطار سعي الإدارة الاستعمارية لإنجاح سياسة الاستيعاب والتحكم التي انتهجتها من خلال المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي أطلق عليه اسم مشروع قسنطينة المدعم بالتصريح السياسي الصادر بتاريخ 16سبتمبر 1959، تكونت لجان عمل للإصلاح الإداري في في الجزائر، فكانت أولها لجنة «Des Marets» بقرار صادر في 19 فبراير 1960، ثم لحقتها لجنة« Des Champs » المتكونة في 10 ماي 1960. وكلها ترمي إلى إيجاد إدارة مركزية و لامركزية في آن واحـد تخدم مشـروع قسنـطينة بتوجيه من اللجنة العامة للشؤون الجزائرية (10) .
ومهما يكن، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن التنظيم العام للهيكل البيروقراطي كان تنظيما مركزيا وبيروقراطيا مغلقا في خدمة جهاز الإدارة الفرنسية، وبعيدا عن خدمة المواطنين الأصليين، إذ أنه لم تعمل بيروقراطية الإدارة الاستعمارية على مبدأ تقريب الإدارة من المواطن، وإنما كان الهدف من تنظيمها المركزي التحكم في الجزائريين وإبقائهم تحت السيطرة الاستعمارية .
ولهذا كان من الضروري على الثورة الجزائرية توحيد الصفوف والعمل على إيجاد تنظيم سياسي وإداري للثورة يخدم قضايا الشعب الجزائري، ويقوض بيروقراطية الإدارة الفرنسية على كل المستويات، والعمل على الحلول محلها كلما أمكن وذلك لضمان القطيعة بين الجزائر وإدارة الإحتلال. في هذا الإطار ما هي الاستراتيجية السياسية والإدارية البديلة التي اتخذتها الثورة لتحقيق الإستقلال الوطني ؟ وما هي الظروف السياسية والإدارية التي أملتهـــا مرحلــة الثــورة (1962-1954) ؟ وما هي الانعكاسات التي أفرزها العمل السياسي- الإداري على إرساء أسس الدولة الوطنية ؟.
-2 التنظيم السياسي والإداري للثورة :
لقد نتج عن الفشل السياسي للحركة الوطنية بمختلف تياراتها وإيديولوجياتها في تحقيق الاستقلال السياسي من خلال إتباع الوسائل السليمة والطرق القانونية، إلى فتح المجال أمام الوطنيين الثوريين ليستثمروا هذا الفشل السياسـي، و يؤكدوا طرحهم من خلال ما اشتهر على تسميته بالقيادة التاسعة (11) التي أعلنت عن إنشاء جبهة التحرير الوطني (12)، وجناحها العسكري جيش التحرير الوطني، وبداية إندلاع الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954، والتي دامت أكثر من سبع سنوات ونصف.
وما يجدر الإشارة إليه، فإن هناك عدة عوامل قد دفعت بالمناضلين الجزائريين إلى التفكير في ضرورة مقاومة الضغوط الفرنسية والمحاولات الرامية لمسخ الشخصية الجزائرية. ويأتي في مقدمة هذه العوامل إستياء الشعب الجزائري من القوانين والإجراءات المجحفة التي ضرت به، والتي تتمثل في :
(1 - فرض الخدمة العسكرية بدون الحصول على الحقوق الأساسية.
2) - استيلاء المعمرين الأوربيين على الأموال والأراضي التابعة للحبس، وحل الملكيات الجماعية المتمثلة في أراضي العرش والأوقاف والبايليك باعتبارها متناقضة مع الشكل الخاص للملكية، وتهدد نموه .كما يؤكد ذلك التشريع الفرنسي المعروف بالسيناتوس كونسولتsénatus consulte والمطبق في أبريل 1863. وفرض نظام الملكية الخاصة كشكل وحيد للملكية المعترف بها رسميا من طرف الإدارة الفرنسية طبقا لنصوص قانون " فارنيي" المعروف والصادر بتاريخ 26 جويلية 1873. وتوزيع الأراضي الزراعية المصادرة والأكثر خصوبة مجانا على الأشخاص المستقدمين أفواجا من أوربا ليشكلوا فيما بعد بهذه الملكيات الخاصة قطاع المعمرين الزراعي، وطرد المالكين الجزائريين في إطار الملكيات الجماعية والخاصة المصادرتين، من الأراضي الخصبة في السهول وقرب المدن إلى الأراضي الهامشية في الجبال أو الهضاب العليا، الأمر الذي أدى بعدد كبير من الفلاحين الجزائريين أصحاب الأرض أن يتحولوا إلى عمال مجردين من ملكياتهم يعملون في قطاع المعمرين الزراعي (13).
(3 - خلق عقبات في وجه الجمعيات الثقافية التي أنشئت بقصد المحافظة على الثقافة الإسلامية العربية بالجزائر خاصة وأنه لم يعد للمدارس الحرة مصدر لتمويلها.
4) - إجبار الأبناء الأصليين على تسجيل أراضيهم وإلقاء القبض على الأفراد الذين احتجوا على هذا الإجراء.
5) - إقامة المحاكم الإستثنائية لفرض العقوبات الصارمة.
6)- فرض ضرائب تصاعدية على أبناء البلد الأصليين تعرف باسم الضرائب العربية.
7) - انعدام أي تمثيل سياسي عادل.
8) - انتشار الأمية بين الجزائريين وصعوبة الحصول على وظائف إدارية.
9) - الإحجام عن تضيع الجزائر حتى تبقى هذه الأخيرة تابعة للاقتصاد الفرنسي.
10) - تضاءل فرص العمل وتشبع القطاع الزراعي الذي لم يعد قادرا على استيعاب الطاقات البشرية المتوفرة بكثرة.
11) - عدم استفادة الجزائريين من القروض والإعانات المالية المخصصة للتنمية الزراعية.
12) - تطبيق قوانين استثنائية على الجزائريين وعدم تطبيق معظم القوانين الفرنسية على أبناء البلد الأصليين إلا بعد موافقة الحاكم العام بالجزائر.
13) - القضاء على نشاط المنظمات التي كانت سائدة في المجتمع الجزائري (14) .
إلى جانب هذه العوامل التي دفعت بالجزائريين إلى التحمس للعمل الثوري أذكر عامل انتفاضة 08 ماي 1945 التي كان لها دور كبير في تنشيط الحركة الوطنية، وخاصة قانون 20 سبتمبر1947 الذي جسد فكرة التفرقة العنصرية وعدم المساواة بين المسلمين الجزائريين والمستوطنين الأوربيين.
فعلى الرغم من أن قانون 20 سبتمبر1947 قد منح المسلمين الجزائريين لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، الحق في اختيار ممثلين لهم في المجلس الجزائري، ومجلس الحكومة العامة بالجزائر، والجمعية الوطنية الفرنسية. لكن إقدام الجهاز الإداري البيروقراطي الفرنسي على تزوير الإنتخابات التشريعية والبلدية التي عرفتها الجزائر لأول مرة، وتعيين عملائها والموالين لها في المجالس المنتخبة من طرف المسلمين الجزائريين قد أقنع هؤلاء بأن المساواة بينهم وبين المستوطنين الأوربيين لا يمكن تجسيدها في ميدان الواقع، وأن المشاركة في الانتخابات ما هي في الحقيقة إلا لعبة في يد الأوربيين، كما أن سياسة التزييف والمغالطة تظل قائمة ومعمولا بها في جميع الانتخابات وعلى جميع المستويـات. وبذلك يكون الشعب الجزائـري وقادة التشكيلات السياسيــة قد تفطنوا للمخادعة الفرنسية من خلال الإصلاحات السياسية ــ الإدارية في إطار قانون 20 سبتمبر1947 (15) . وتأكدوا أن فكرة المساواة بينهم وبين المستوطنين الأوربيين في التمثيل السياسي تعد ضربا من الخيال. لذلك قرر الشعب الجزائري توحيد صفه واقتناعه أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لتحرير الإنسان والأرض من سيطرة الإدارة الفرنسية، ومن مظالم الجالية الأوربية المهيمنة على كل شيء بالجزائر.
والجدير بالملاحظة أن مؤسسوا جبهة التحرير الوطني واجهوا إشكالية صعبة منذ بدايــة الثورة تتمثــل في كيفية تحقيق الوحـدة الشعبية مع وجود تركيبـة اجتماعية متباينة، وأحزاب سياسية مختلفة الطرح السياسي، والاجتماعي، والاختيار الإيديولوجي.
أمام هذا الوضع،لم يكن للجبهة سوى تجاهلها للمسألة الاجتماعية والخيار الإيديولوجي طالبة "... كل المواطنين الجزائرييـــن ومن جميع الفئات الإجتماعية ومن جميع الأحزاب والحركات أن يندمجوا في الكفاح التحريري، دون أي اعتبار آخر، وبدون أية حساسية "(16).
ومن أسباب تجاهل الجبهة وعدم طرحها للمسألة الاجتماعية والخيار الإيديولوجي، يمكن تلخيصها في الأسباب التالية :
1) - رغبة الشعب الجزائري في الاستقلال كمطلب أساسي لاسترجاع مقومات وجوده كشعب حر ومستقل.
2) - كان التحاق أعضاء مختلف التنظيمات السياسية الجزائرية للجبهة، لا يسمح بتوحيد الموقف الإيديولوجي للثورة وبقيادة الجبهة. فكل المحاولات التي تمت داخل المجلس الوطني للثورة كانت تؤدي إلى تعدد الطروحات الإيديولوجية والسياسية المتباينة.
3) - أدركت جبهة التحرير الوطني عند انطلاق الثورة أن طرح المسألة الإيديولوجية، سيؤدي إلى تمسك التنظيمات السياسية بوجودها التنظيمي.
4) - خشية الجبهة من محاولة الاستعمار تزييف خلفيات الثورة وإبعادها، وبالتالي تأليب الرأي العام الغربي عامة، والرأي العام العربي خاصة، الذي لم يكن يومئذ مهيئا لفهم الثورة الجزائرية لو أعلنت الجبهة، أنها تهدف إلى تحرير الجزائر لتبني الاشتراكية، التي كانت تعني عند قطاع واسع من الشعب العربي سوى الشيوعية، وهو سبب كاف لقطع الدعم الديبلوماسي والمساعدات المالية للثورة (17).
ونظرا لظروف مرحلة الثورة، التي تتطلب وحدة الرأي ووحدة الصف، فإن الجبهة لم تعلن نفسها اتحادا للأحزاب السياسية السابقة، بل كانت عبارة عن تجمع لكل القوى الوطنية، نادت كل الجزائريين من مختلف الاتجاهات السياسية والشرائح الاجتماعية للمشاركة في الثورة التحريرية (18) . وذلك لتحقيق الاستقلال الوطني الذي سيسمح " باسترجاع سيادة الدولة الجزائرية الاجتماعية والديمقراطية ضمن إطار المبادئ الاسلامية واحترام كل الحقوق الأساسية للفرد دون تمييز ديني أو عرقي "(19).
وانطلاقا من هذا كله نتساءل: كيف تنظر أدبيات الثورة لمبادئ العمل التنموي السياسي، خاصة مبدأ " الديمقراطية "، ومبدأ " الحريات الأساسية "، ومبدأ " الإسلام " الذي يمثل أهم مقوم حضاري وثقافي للشعب الجزائري؟. وما هو التنظيم الإداري الذي اتخذ من قبل الثورة لإزالة الإغتراب الإداري البيروقراطي الذي عان منه الشعب الجزائري طيلة قرن وربع القرن؟
فبخصوص مبدأ "الديمقراطية"، قد ورد مرة واحدة في صياغة البيان، وقد اقترن بالصبغة الاجتماعية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تأثر محرري البيان بالإيديولوجيــة والفكر الاشتراكي، وسبب ذلك يرجع إلى أن في تلك الحقبة كان التيار الاشتراكي ينمو في العالم عامة، وفي أوساط الشعوب المستعمرة خاصة ، نظرا لطابعه الثوري التغييري الجذري يحمله هذا الفكر.
أما بخصوص مبدأ "الحريات الأساسية"، فقد أكدت جبهة التحرير الوطني على احترامه دون النظر إلى الجانب العرقي أو الجانب الديني. علما بأن ديننا الإسلامي يؤكد على مبدأ الحرية والعدل.
ونظرا لأهمية الإسلام، نجد جبهة التحرير الوطني وظفته في تجنيد الجماهير الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي من جهة، وعزل الأحزاب السياسية التي رفضت الإلتحاق بالثورة عن الجماهير من جهة ثانية.
وبعد بيان أول نوفمبر1954، جاء مؤتمر الصومام(20) لسنة 1956، من أجل إعادة تنظيم قيادة الثورة وتقييم تجربتها خلال العشرين شهرا السابقة . وقد حددت جبهة التحريـر الوطني من جديد أهدافها السياسية وشروط وقف إطلاق النار والمفاوضات (21).
وقد جاء في تصريح الوفود عقب انتهاء أشغال المؤتمر أن الثورة "... هي كفاح يهدف إلى تحطيم النظام الاستعماري، وهي ليست حرب دينية، بل هي كفاح من أجل إقامة الدولة الجزائرية ذات المحتوى الاجتماعي والديمقراطي"(22). أي تأكيد طبيعة لا دينية الثورة الجزائرية "جمهورية ديمقراطية واجتماعية"، وهذا يرجع إلى العوامل الأساسية التالية :
أولا : رغبة زعماء الثورة في الحد من الدعاية الفرنسية التي روجت بأن الثورة الجزائرية، ثورة دينية تهدف الإساءة للحضارة الغربية والكنيسة المسيحية.
ثانيا : بروز إتجاهان داخل الجبهة إتجاه عروبي- إسلامي، واتجاه علماني، مما انعكس فيما بعد أثناء الاستقلال.
ثالثا : يرجع للوضع الدولي الملائم لطرح القضية الجزارية مع الحرص على كسب تأييد ومساندة القوى الداعمة للتحرر، وحتى تطرح القضية الجزائرية طرحا صحيحا أمام الهيئات والمنظمات الدولية.
كما أضاف مؤتمر الصومام شيئا جديدا-عما جاء في بيان أول نوفمبر- يتمثل في تجسيد هذه الديمقراطية الاجتماعية على أرض الواقع " من خلال إنشاء مجالس شعبية تتشكل عن طريق انتخابات عامــة من طرف سكان القرى والدواوير والمداشر، وكل مجلس يتكون من خمسة أعضاء، وحددت لها جملة من الأهداف يصب كلها في دعم الثورة والوصول بها إلى تحقيق الإستقلال " (23). كما أقرب مؤتمر الصومام الهيئات التنظيمية للجبهة وهما :
ــ المجلس الوطني للثورة الجزائرية :
يمثل أعلى جهاز للثورة يوجه سياسة جبهة التحرير، وهو الهيئة الوحيدة المخولة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل الثورة والبلاد(24). حيث كان المجلس أول مؤسسة تشريعية متكونة من 34 عضوا، نصفهم أعضاء دائمون والباقي أعضاء مستخلفون، ثم ارتفع العدد عام 1957 إلى54 عضوا. ويعتبر هذا المجلس هو السلطة العليا حيث يتولى رسم وتنفيذ السياسات العامة للبلاد، وذلك بمشاركة الهيئة التنفيذية للمجلس. ويستدعي هذا المجلس للإنعقاد من طرف لجنة التنسيق والتنفيذ إن اقتضت الضرورة، أو بطلب نصف أعضائه زائد واحد، ولا يتخذ قرار منه دون حضور نصف أعضاء دائمين أو مستخلفين. ذلك أن العمل الجماعي سمة من سمات الثورة الجزائرية، فلا حق لأحد أن يدعي الزعامة إلا في إطار جماعي منسجم ومتناسق .
ــ لجنة التنسيق والتنفيذ :
تعد الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني للثورة الجزائرية، وكانت في المرحلة الأولى تتكون من 05 أعضاء وفي 19 أوت 1957 ارتفع عددهم إلى 14 عضوا يختارون من بين أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية، حيث كان لها كامل السلطة على جميع الهيئات والمنظمات السياسية والعسكرية للثورة، ويمكن ذكر أهم اختصاصاتها :
- إصدار تعليمات وأوامر لتنشيط وتنسيق العمليات الحزبية .
- تنظيم وتوزيع وحدات جيش التحرير على التراب الوطني .
- تمارس مهمة ربط وتنسيق النشاط العسكري الداخلي بالنشاط السياسي الخارجي (25).
وعقدت لجنة التنسيق والتنفيذ عدة اجتماعات كان آخرها اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية بتاريخ 19 أوت 1958 أين تقرر تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي حلت محل لجنة التنسيق والتنفيذ.
أما إذا انتقلنا إلى التنظيم الإداري المركزي، فبعد تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي حلت محل لجنة التنسيق والتنفيذ في 19 سبتمبر1958 بتونس والتي كانت تتكون من 12 وزارة بالإضافة إلى رئيس ونائبين للرئيس. ثم تلتها الحكومة المؤقتة الثانية المتكونة من رئيس الحكومة، وثلاثة نواب للرئيس، وخمسة وزراء دولة، وزارة الشؤون الخارجية، ووزارة التسليح والاتصالات، ووزارة الأخبار. وكان أعضاء الحكومة مسؤولين بصفة جماعية أمام المجلس الوطني، وفرديا أمام رئيس مجلس الوزراء وهم جميعا أعضاء في المجلس الوطني للثورة الجزائرية (26)، الذي فوض السلطات الواسعة للحكومة في إطار الخطة التي يرسمها. وكانت الحكومة المؤقتة ومنذ بدايتها تضم كل الأحزاب والتيارات السياسية التي انصهرت في جبهة التحرير الوطني شأنها في ذلك شأن المجلس الوطني للثورة.
ثم ظهرت إدارة إقليمية قائمة على ستة ولايات وبدورها الولاية تقسم إلى مناطق، والمناطق إلى نواح، والنواحي إلى قسمات (27). وهي الولاية الأولى تتمثل في الأوراس، والولاية الثانية هي الشمال القسنطيني، والولاية الثالثة هي القبائل، والولاية الرابعة هي الوسط الجزائري، والولاية الخامسة وهران، والولاية السادسة هي الصحراء. وتتجسد السلطة في كل ولاية في مجلس يرأسه عقيد وأربعة ضباط برتبة رائد، وكل واحد منهم مسؤول عن قطاع معين.
في هذا السياق، ما يمكن الإشارة إليه أن السمات الأساسية التي ميزت التنظيم السياسي-الإداري خلال هذه المرحلة التي استغرقتها حرب التحرير تتجلى في تداخل الطابـع العسكري والطابع السياسي، مع سيادة الجانب العسكري بسبب الهدف المنشود في تحقيق الاستقلال عن طريق الكفاح المسلح، فكل المؤسسات التي أنشأتها جبهة التحرير خلال الثورة سواء في الداخل أو الخارج بما في ذلك التراب الفرنسي ذاته ، كان الغرض منهــا أولا وقبـل كل شيء القضاء على الإحتلال عن طريق الكفاح المسلح. هذا التداخل يبرز ويتجلى على سبيل المثال من خلال بعض التسميات كجبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، إلى جانب تميز مؤسسات الثورة بالطابع المؤقت، والقامة على مبدأ التعيين، والعمل بمبدأ القيادة الجماعية، إضافة إلى وقوع المؤسسات المركزية خارج التراب الوطني.
كذلك ما يمكن استنتاجه مما سبق، أن السنتين الأوليتين من الثورة اقتصر العمل التنظيمي على المستوى الجهوي والمحلي دون المستوى الإداري المركزي، وذلك بتقسيم التراب الوطني لضرورة الثورة إلى ولايات ذات استقلال شبه تام، إذ كل ولاية مقسمة إلى مناطق ثم نواحي فأقسام. والسبب في هذا الاهتمام بالتنظيم السياسي-الإداري الجهوي والمحلي، كان من أجل الشروع مباشرة في العمل المسلح حتى تنشأ ديناميكية للثورة تسمح بوضع ما لزم من مؤسسات حسب الظروف الميدانية.
أما فيما يخص التنظيم المدني الذي كان يشكل الخلية الأساسية لتنظيم جبهة التحرير الوطني، كان عبارة عن إدارة محلية مشكلة من لجان، تتكون كل لجنة من ثلاثة أعضاء: رئيس، ومساعد سياسي، ومساعد إداري. الهدف منه تقويض بيروقراطية الإدارة الفرنسية على كل المستويات، والعمل على الحلول محلها كلما أمكن، وذلك لضمان القطيعة بين الجزائر وإدارة الاحتلال، مع القيام بمهام أخرى كالتجنيد، والتعليم، والقضاء، والتكليف بالمهام. والملاحظ أن هذا التنظيم كان أكثر فعالية في المناطق الريفية والنائية منه في المناطق ذات وجود أوربي مكثف.
بالإضافة إلى هذا التنظيم، قامت جبهة التحرير الوطني بإنشاء نقابات واتحادات، ولاسيما الإتحاد العام للعمال الجزائريين في فبراير 1956، وذلك بغرض التعبئة المالية والسياسية الشاملة.
وعليه، فإن من زاوية دراسة العمل التنموي السياسي . وما نصت عليه أدبيات الثورة التحريرية نجد أن بعد مؤتمر الصومام، عقد مؤتمر آخر للثورة الجزائرية سمي بمؤتمر طرابلس، حاولت فيه الجبهة وضع مشروع اجتماعي لتحقيق " الثورة الديمقراطية الشعبية" في جزائر ما بعد الاستقلال . وما يلاحظه المختصين في تحليلهم لبرنامج طرابلس، أن هذا الأخير كان له تأثير كبير على مستقبل التنمية السياسية في جزائر ما بعد الثورة. وهذا نظرا لعمله على تعميق الخلافات الإيديولوجية من جهة، والاخفاق الذي منيت به الجبهة في حل تناقضاتها الداخلية، وفي بلورة مبادئ إيديولوجية متماسكة من جهة ثانية.
لقد وضع برنامج طرابلس حدا للتعددية الحزبية ، وذلك عندما أقر تحويل جبهة التحرير الوطني إلى حزب سياسي وحيد على الساحة السياسية، وإلغاء غيرها من التنظيمات السياسية، وذلك بحجة أن " لضمان السير إلى الأمام وتحقيق أهداف الثورة الديمقراطية الشعبية، لا بد من حزب سياسي قوي وواع " (28). كما أوضح أن مفهوم بناء الدولة لا يكون إلا "على أسس ديمقراطية مناهضة للاستعمار والإقطاعية... وهذا لا يكون ممكنا إلا بفضل المبادرة والحزم والرقابة التي يمارسها الشعب مباشرة "(29). وهذا لا يكون أيضا، إلا من خلال "... مشاركة المناضلين في انتخاب المسؤولين على كل المستويات، وطرح الخلافات الكبرى أمام القاعدة لتفصل فيها، والتعبير الحر عن الاراء، وممارسة النقد داخل الحزب، وضرورة مراقبة الشعب لأجهزة الدولة... " (30).
وما يمكن أن نستنتجه في هذا العرض، أن الهدف التنموي السياسي لم يكن ينصب عند قادة الثورة لحل مسألة الخيار الإيديولوجي، بقدر ما كان اهتمامهم ينصب حول توحيد الصف وتجنيد الجماهير لتحقيق الهدف التنموي السياسي الأسمى المتمثل في الحصول على الاستقلال السياسي. غير أن الطابع المميز للتنظيمات التي أنشأت في مرحلة الثورة، كانت تنظيمات مؤقتة، الأمر الذي جعلها عرضة للصراعات والنزاعات. ومن الأسباب التي أدت إلى تراكم التناقضات، وحدة الصراعات بين مختلف تنظيمات جبهة التحرير، ويعود إلى ذلك التشتت وضعف الإتصال الذي فرضته الحرب على قيادة الثورة، مما نتج عنه ما يعرف في تاريخ الثورة الجزائرية بجماعة الداخل، وجيش الداخل، وجماعة الخارج، وجيش الخارج(31)، كما نتج خلاف آخر حول أحقيه قيادة الثورة بين ما يسمى بالمدنيين والعسكريين.
بالإضافة إلى هذه الصراعات السياسية داخل قيادة الثورة، هناك أيضا صراع على السلطة بين قيادة جيش التحرير الوطني، والقادة السياسيين في الحكومة المؤقتة. وقد برز هذا الخلاف وبشكل حاد مع اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية خلال دورة ديسمبر1959- يناير1960، والذي جاء انعقاده بعد مناقشات واسعة بين العقداء العشرة (32). وقد أسفر هذا الإجتماع عن إقالة قيادة الجيش الثلاثية (بوصوف، وبن طوبال، وكريم بلقاسم)، وانشاء هيئة الأركان العامة للجيش تحت قيادة جديدة تتكون من : هوراي بومدين، وقائد أحمد، وعلي بومنجل.
وعليه ، فإن المتتبع لمسيرة الثورة التحريرية الجزائرية، يستخلص من خلال نتائج دورة (ديسمبر1959- يناير1960)، أنها تعتبر تحولا في العلاقات بين أجهزة الثورة، احتلت فيها البيروقراطية العسكرية مركز الزعامة في تسيير دواليب الثورة والتأثير فيها. وقد اشتد الصراع بين قيادة الجيش والحكومة المؤقتة في صائفة 1961، وذلك عندما أقدمت هيئة الأركان العامة للجيش على تقديم استقالتها للحكومة المؤقتة في 15 جويليه 1961، محتجة على موقف الحكومة المؤقتة التي رأت فيه قيادة الجيش إهانة لها أمام السياسة التونسية (33)، وقد أدت هذه الأزمة إلى إيجاد " فرحات عباس" من منصب رئاسة الحكومة المؤقتة التي تولاها "يوسف بن خدة"، غير أن هذا القرار لم يؤد إلى حل أزمة الخلافات الناشبة بين قيادة الجيش والحكومة المؤقتة.
بعد إجراء الاستفتاء والاعلان الرسمي عن استقلال الجزائر، كانت الأزمة بين الحكومة المؤقتة وقيادة الجيش المتحالفة مع " بن بلة" قد عرفت تطورات خطيرة أصبحت تنذر بحرب أهلية، خاصة بعد دخول جيش الحدود إلى الجزائر، وإعلان " بن بلة" في 22 جويليه 1962 عن إنشاء مكتب سياسي يتكفل بتسيير البلاد بدلا من الحكومة المؤقتة.
وقد تمكن المكتب السياسي بذلك من الدخول إلى العاصمة في 02 أوت 1962، في حين استسلمت الحكومة المؤقتة في 03 أوت من نفس السنة، وأصبحت بذلك السلطة في يد المكتب السياســي لجبهـة التحريـر الوطني . وفي تاريخ 20 سبتمبر1962 أجريت انتخابــات المجلس التأسيسي، وتشكلت بعدها أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال، تولى فيها السيد "أحمد بن بلة" رئاسة الوزراء بأغلبية 139 صوتا ضد 23 صوتا، وعين "هواري بومدين" وزيرا للدفاع (34).
إن هذه المعطيات المتعلقة خاصة بالممارسة السياسية خلال مرحلة الثورة، إضافة إلى الأثر الذي تركه إخفاق مؤتمر طرابلس في تحديد وتعيين القيادة التي تتولى تنفيذ البرنامج المسطر، الأمر الذي كان سببا في فتح باب الصراع على السلطة (35)، هي كلها من أهم خلفيات وأسباب ما اصطلح على تسميته بأزمة صائفة 1962 التي كانت منعطفا حاسما في تاريخ الجزائر. أكد فيها الجيش دوره الريادي المؤثر في مسيرة البلاد، وانعكست على مضمون ومفهوم العمل التنموي السياسي بعد الإستقلال . هذا ، بالإضافة إلى عدم قدرة جبهة التحرير الوطني و إخفاقها في تجاوز التناقض الإيديولوجي الذي كان موجودا داخل قيادتها ، الأمر الذي جعل هذا التناقض يستمر إلى فترة ما بعد الإستقلال (36) .
الهوامش
(1) - ذلك أن ثورة التحرير الجزائرية 1954 تم الإعداد لها في سرية كبيرة، والدليل على ذلك أن الشرطة الفرنسية قد قامت في الأسبوع الأول من نوفمبر بإلقاء القبض على المناضلين في حزب "مصالي الحاج" أمثال " مولاي مرباح " ، والمناضلين في حركة أنصار الحريات الديمقراطية أمثال " بن يوسف بن خدة "، و" كيوان " واعتبرتهم بمثابة قادة للحركة الثورية في أول نوفمبر 1954، في حين تبين فيما بعد ، من خلال محاكماتهم فـي عام 1955 أن اللجنة المركزية لم يكــن لها ضلع في إعلان الكفاح المسلح . أنظر :
ـ عمار بوحوش، التاريخ السياسي للجزائر منذ البداية ولغاية 1962 ، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1977، ص 404 .
(2) ـ يتمثل في قانون رقم 47-1852 المؤرخ في 1947/06/20 ، والمتضمن النظام الأساسي لإعادة تنظيم الجزائر سياسيا وإداريا. وكان الهدف من هذا القانون امتصاص غضب الجماهير الثائرة وتمييع قضيتها السياسية، وذلك عن طرق المشاركة الشكلية للجزائريين في: المسؤوليات الإدارية فقط . فكانت الجمعية التأسيسية التي يتقاسمها الفرنسيون و الجزائريون بالتساوي التي تأسست بموجب قانون 30 / 09 / 1947 ، ووجود مثل هذه الجمعية بقي شكلي ، و منفذ لنخبة الإندماجيين للمطالبة بالمساواة و تولية المناصب القيادية ، غير أن هذا لم يحقق أي نتيجة للأغلبية السكانية من الجزائريين . مع العلم أن قانون 1947 ينص على التفريق بين الأوربيين والمسلمين وكل فئة تنتخب وهي منفصلة عن الأخرى، والأوربيون الذين لا يتجاوز عددهم 1.000.000 نسمة عندهم نفس العدد من الممثلين للمسلمين الذين يتجاوز عددهم 8.000.000 نسمة في سنة 1954. أنظر :
_ Ahmed mahiou , Cours d’instalations administrations administratives , Alger : OPU , 1979 , p 85 .
(3) ــ ضيف الله عقيلة ، " التنظيم السياسي و الإداري في الجزائر ( 1954 ــ 1962 ) " ، جامعة الجزائر : معهد العلوم السياسية و العلاقات الدولية ، أطروحة دكتوراه ، غير منشورة ، 1996 ، ص 160 ـ 162 .
(4) ـ هي بلديات يتواجد بها نسبة كبيرة من الجزائريين والأوربيين، وتدار من طرف موظف معين من جانب إدارة الإحتلال، يطلق عليه اسم متصرف مكلف بالمصالح المدنية، وله أعوان ولجنة بلدية مختلطة إلى جانب القيادة المكلفين بمهام الدوار وممثلي الجماعة. إذ كان عدد البلديات المختلطة حسب إحصاء سنة 1902 بـ 78 بلدية يقطنها 3,5 مليون نسمة. وبقي العدد على ما هو عليه حتى عام 1952، أما عدد المراكز البلدية فكان يبلغ 164 مركزا. أنظر في هذا الشأن :
ـ Chaâbane Benakezouh, « La Déconcentration en Algérie », Thèse de doctorat en droit , Université d’Alger, Institut de Droit, 1978, p 78.
(5)- Yves Courriere, La Guerre d’Algérie : La guerre des Colonelles
, tome3, Paris : éd. Société Générale d’édition et diffusion, 2000, p132.
(6) ــ حيث تم تعزيز قوات الجيش الفرنسي في الجزائر خاصة بعد هجومات 20 أوت 1955 إلى درجة أن جيش الاحتلال قد ارتفع عدده خلال سنة 1955 إلى 1990 ألف جندي وضابط بعد أن كان العدد في بداية سنة 1955 لا يتجاوز 8 آلاف جندي وضابط . أنظر:
ـ عمار بوحوش، المرجع السابق الذكر، ص414 .
(7) ــChaâbane Benakezouh, op.cit . , p. 107.
(8) ــ بورنان عمر ، " مبدأ إختيار الإطارات العليا و تعيينها في الإدارات الجزائرية " ، (جامعة الجزائر : كلية العلوم الإنسانية، قسم العلوم السياسية، رسالة ماجستيـر ، فرع التنظيم السياسي و الإداري، 1999)، ص 18.
(9) – Paul delouvrier , Rapport sur l’activité de l’administration en Algérie au cours de l’année 1959 , Alger : Imprimerie Baconnier , Avril 1960 , p 93 .
(10) ــ Ibid . , p 73 .
(11) - مصطفى بن بولعيــد، ومحمد بوضـياف، وكريم بلقاسم، وديدوش مراد، ومحمد العربي بن مهيـدي، ورابح بيطــاط (داخليا)، وأحمد بن بلة، ومحمد خضير، وآيت أحمد الحسين.
(12) ــ التي هي امتداد للحركــة الراديكاليــة ، إلا أنها كانت عبارة عن منظمة ثورية جديدة تهدف إلى القطيعة مع الوضع السياسي، والتحول مباشرة إلى الثورة.
(13) ـ حسن بهلول، الغزو الرأسمالي الزراعي للجزار ومبادئ إعـادة تنظيم الاقتصاد الوطني بعد الاستقـــــلال، الجزائر: المؤسسة الجزائرية للطباعة، 1984، ص 76.
(14) ـ أنظر :
ــ أبو القاسم سعد الله، أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر، الطبعة الثانية ، الجزائر: الشركة الجزائرية للنشر و التوزيع، 1981، ص 46 ـ 47.
ــ عمار بوحوش ، المرجع السابق الذكر ، ص 559 .
(15) ـ لقد رأت الإدارة الحكومية الفرنسية، والمستوطنون الأوربيون أصحاب الإمتيازات في الجزائر أن الخطر يهددهم إذا ما هم تركوا المسلمين الجزائريين ينتخبون انتخابا حرا ونزيها لنوابهم، لأن أولك النواب لن يكونوا إلا من رجال الحزبين الوطنيين "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، و"حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري"، فاستقر رأيهم على الوقوف في وجه الأمة واختيار مجموعة من النواب العملاء لترشيحهم وضمان الفوز لهم كممثلين لمسلمين الجزائريين في مختلف المجالس المنتخبة. للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع .انظر:
ـ محمد الطيب العلوي، مظاهر المقاومة الجزائرية: 1954-1830، قسنطينة : دار البعث 1985 ، 262 صفحة .
ـ الأخضر جودي بوالطمين، لمحات من ثورة الجزائر ، الجزائر : المؤسسة الوطنية للكتاب ، 1987 ، 302 صفحة.
(16) ـ الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ، وزارة الإعلام والثقافـة ، نصوص أساسية لجبـهة التحرير الوطني : 1954ـ 1962 ، (الجزائر : وزارة الاعلام والثقافة ، 1976 ) ، ص 7.
(17) ـ عامر رخيلة، التطور السياسي والـتنظيمي لحزب جبهة التحرير الوطني (1980-1962)، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية، 1993، ص 66 .
(18) - Ahmed MAHSAS, Le Mouvement Révolutionnaire en Algérie de La 1ère guerre Mondiale à 1945 : essai sur la formation du mouvement national, Paris :l’Harmattan, 1979, p.231
(19) ـ نصوص أساسية لجبهة التحرير الوطني 1962-1954، المرجع السابق الذكر، ص 08.
20) ـ عقد المؤتمر في واد الصومام في 20 أوت 1956 ، ولقد غاب عنه عدة ولايات منهـــا : الولاية الأولى ، والرابعة ، والسادسة، والقاعدة الشرقية، بما فيها الوفد الخارجي للجبهة. وهذا ما أدى إلى الصدام فيما بعد . للمزيد من المعلومات في هذا الشأن راجع:
ــ علـي كـافي ، مـذكرات الرئيس عـلي كـافي. من المناضل السياسي إلى الـقائد الـعسكري 1962-1946، الـجزائر: دار القصبة للنشر، 1999، ص102.
(21) ــ يمكن تحديد قواعد وقف إطلاق النار والمفاوضات كما جاءت في أرضية مؤتمر الصومام فيما يلي :
ــ الاعتراف بالأمة الجزائرية، ووحدتها التي لا تتجزأ .
ــ الاعتراف باستقلال الجزائر وسيادتها على جميع الميادين بما في ذلك الدفاع الوطني والسياسة الخارجية.
ــ إطلاق صراح جميع المعتقلين الجزائريين والموقوفين والمنفيين بسبب نشاطهم الوطني قبل وبعد أول نوفمبر 1954.
ــ الاعتراف بجبهة التحرير الوطني بوصفها المنظمة الوحيدة التي تمثل الشعب الجزائري، والتي لها وحدها الحق والصلاحيات لإجراء المفاوضات. أنظر :
ـ نصوص أساسية لجبهة التحرير الوطني 1962-1954، المرجع السابق الذكر، ص 17.
(22) ــ المرجع نفسه، ص 13-12 .
(23) ــ أحسن بومـالي ، استراتيجية الثورة الجزائرية في مرحلتها الأولى 1956-1954 ، الجزائر : المتحف الوطني للمجاهد ، 1995 ، ص 348.
(24) ــ أهم الإجتماعــات التي عقدهــا المجلس الوطني للثورة الجزائرية : إجتماع القاهرة بتاريخ 20 أوت 1957 ، واجتماع طرابلس بتاريخ 16 ديسمبر 1960 ، واجتماع طرابلس بتاريخ 19 أوت 1961 . لمزيد من المعلومات أنظر :
ــ الطاهر بن خرف الله ، " المؤسسات السياسية للثورة الجزائرية " ، مجـلـة الذاكــرة ، المتحف الوطني للمجاهد ، السنة الأولى ، العدد الأول ، 1994 ، ص 38 .
(25) ـ محمد الـعربي سعودي، الـمؤسسات المركزية والمحلية فـي الـجزائر (1962-1516) ، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية ، 2006 ، ص 251 .
(26) ـ يحي بوعزيز، ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، الرويبة: المؤسسة الوطنية للإشهار والنشر، الطبعة الثانية، 1996، ص 194 .
(27)– عمار بوحوش، المرجع السابق الذكر، ص 394.
(28) ــ نصوص أساسية لجبهة التحرير الوطني، المرجع السابق الذكر، ص 49.
(29) ــ المرجع نفسه، ص 50-49.
(30) ــ المرجع نفسه، ص 50-49.
(31) ــ تمثلت جماعة الداخل في تنظيمات الثورة في الداخل كل من: الولايات الست التاريخية، ومناضلي جبهة التحرير الوطني، في حين تمثلت جماعة الخارج في الحكومة المؤقتة، واتحاديات جبهة التحرير الوطني في كل من فرنسا، تونس، المغرب، وجيش الحدود الغربية والشرقية.
(32) ــ العقداء العشرة هم على التوالي : ثلاثة وزراء من الحكومــة المؤقتة وهم : كريم بلقاسم ، وعبد الحفيظ بوصوف ، وعبد الله بن طوبال ، وقائدا لجنة تـنـظـيـم الجيش في الحدود الغربية والشرقية: محمد بوخروبة (هواري بومدين) ، ومحمدي السعيد ، وخمسـة عقداء آخرين برتبة قائد ولاية موجودون بالخارج وهــم : دهليس سليمان، وحاج لخضر، وعلي كافي ، وديدوش مراد ، وعلي بودغن المدعو العقيد لطفي .
(33) ـ يعود السبب المباشر لتلك الاستقالة حادث الطائرة الفرنسية (ف 84) التي أسقطها جيش التحرير وأسر قائدها في الحدود التونسية ــ الجزائرية . حيث طالبت الحكومة التونسية بتسليم الطيار الفرنسي لها ، وهو ما تم بالفعل، ورأت قيادة الجيش في ذلك الموقف إهانة لها. أنظر :
ـ نص حديث بن بلة للمجاهد بتاريخ 1962/08/07.
ـ محمد عباس،" قـصة الخلاف بين الحكومة المؤقتة والأركان العامة"، يومية الشعب ، العدد 6767، الصادر بتاريخ /28 1985/07، ص 12.
(34) ــ أحمد حمروش، عبد الناصر والعرب، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1974، ص 405.
(35) ــ Voir :
ــ Benyoucef Ben Khedda , L’Algérie à l’Indépendance : La crise de 1962. Alger : édition dahleb , 1977, pp 19-20 .
ــ Mohamed harbi ,changements politiques au maghreb, Paris:CNRS, 1991, p 131 .
(36) ــ Michel camau , Op. Cit. , p 124 .
