boudarba.ht.1

صدى هجومات 20أوت 1955 بالشمال القسنطيني

من خلال جريدة "صدى الجزائر"L’écho d’ Alger"الكولونيالية

     أ.أحمد بوضربة

 جامعة المسيلة

       يتفق الباحثون في مجال تاريخ الثورة الجزائرية54/1962 حول شح المصادر التاريخية التي يمكن الاعتماد عليها في انجاز بحوثهم ودراساتهم ,لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو توفر مادة وثائقية لا يستهان بها, بعضها لم يدرس إطلاقا والبعض الآخر درس بشكل سطحي أو عرضي فقط ,و تشكل الصحف التي كانت تصدر إبان تلك الفترة أهم هذه المصادر التي يمكن الاعتماد عليها لكن بعد غربلة مادتها و مقارنتها بمصادر أخرى.

      شكلت هذه القناعة أساس الدراسة التي أنجزتها حول موضوع هجومات 20 أوت1955 بالشمال القسنطيني من خلال الإعلام الاستعماري بالجزائر جريدة  "écho d’ Alger L" نموذجا ,فكيف عالجت الجريدة هذه الهجومات ؟ و هل راعت الموضوعية و الحياد في نقل الأحداث ؟

 

ba


-1- نبذة عن  جريدة "écho d’A lger L":

      تعتبر جريدة "écho d àlger L" من أقدم و أعرق الصحف الاستعمارية في الجزائر , و التي ظهرت في مطلع القرن العشرين[1],في فترة عرفت بتطور "الصحافة الشعبية ذات السحب الكبير"(1871-1914) ,حيث أصبحت الجريدة في هذه الفترة إنتاجا استهلاكيا واسع الانتشار,و تعرف الفترة بالعصر الذهبي للصحافة ,و ذلك بفضل تطور تقنيات ووسائل الطباعة وتوفر حرية الصحافة فتضاعفت عناوين الصحف و أصبح لهذه الصحف نفوذ سياسي كبير,كما أصبحت تعطي للكثير من الأزمات بعدا وطنيا قوميا[2] ,في هذا السياق ظهرت جريدة

àlger  Lécho dبالجزائر حتى تواكب تطور فئة المستوطنين ونفوذهم المتعاظم ,فبالإضافة إلى وزنهم الاقتصادي تمكن هؤلاء من إحراز نفوذ موازي في المجال االسياسي وذلك عن طريق وصولهم إلى مناصب قيادية في الإدارة الفرنسية بالجزائر  ومن ثم كان لزاما على هؤلاء أن يوجدوا منابر إعلامية تدافع عن طروحاتهم و تكون أداة لنشر أفكارهم ووجهات نظرهم و التأثير في قرارات الإدارة و من هذا المنطلق قاموا بتأسيس صحف عديدة عبر مختلف أنحاء الوطن و كانت جريدة "صدى الجزائر "أهم هذه الصحف على الإطلاق .

كانت جريدة "écho d àlger L" من ملكية المستوطن الملياردير :جاك ديرو",و كانت واسعة الانتشارو توزع بفرنسا ذاتها ,و قد عرفت الجريدة تطورا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية بمجيء المفكر و السياسي "ألان دو سيريني", الذي جعل منها أكبر جريدة للأقدام السوداء في الجزائر حسب تعبير شارل ديغول .

    أعطى دوسيريني الجريدة صبغة جديدة فجعلها منبرا سياسيا ذا تأثير في توجيه السياسة الاستعمارية في الجزائر, فبالإضافة إلى كونه رجل صحافة والتي مارسها لعشرين سنة كاملة ,فهو رجل سياسة كذلك حيث انتخب مرتين نائبا بالجمعية الجزائرية,و من ثم لاستغرب إذا وجدنا الجريدة من المدافعين الأقوياء عن الجزائر الفرنسية حيث كان يرى دوسريني بان الجزائر كانت "فرنسا جديدة"[3] .

 و قد تصدرت هذه الجريدة  و منذ أول نوفمبر 1954 و إلى تاريخ توقيفها من طرف السلطات الفرنسية تصدرت الحملة السياسية ضد الحكومة إذا استلزم الأمر ذلك ,و توجيهها في ظروف أخرى بدفعها لاتخاذ إجراءات أكثر راديكالية , و تزعمت الجريدة الحرب النفسية ضد الثورة بالترويح للشائعات و بتزييف الحقائق[4]

 و تم توقيف الجريدة بأمر من السلطات الفرنسية بعد فشل "انقلاب الجنرالات"في أفريل 1961[5] لأنها كانت رفقة رئيسها دوسيريني داعية و مؤيدة له.

و من خلال هذا يظهر لنا أهمية و موقع الجريدة من الأحداث السياسية الكبرى في الجزائر آنذاك و من ثمة دراستها و تحليل محتواها ,فكيف يا ترى عالجت هذه الجريدة أحداث هجومات 20أوت 1955 بالشمال القسنطيني ؟

-2- أصول "الحوادث" Les évènements":

            إن ما حدث بالشمال القسنطيني في 20أوت 1955 شكل حقيقة فاجعة كبرى و زلزالا عنيفا بالنسبة للمعمرين و السلطات الفرنسية عموما, و هو  ما ينطبق على صحافتهم في الجزائر و مثالنا على ذلك جريد "écho d àlger L"التي قمنا بدراسة موقفها و رؤيتها من "الحوادث".

 الملاحظة الأولية حول رؤية الجريدة لأصول الثورة ككل و لهجومات 20أوت 1955 خصوصا ,أنها لم تتغير بل ازدادت تعمقا و تثبيتا و انتشارا,خصوصا فيما يتعلق بالدور الخارجي فيها,بحيث كان أول من وجهت له الجريدة أصبع الاتهام هو القاهرة ,حيث ورد في إحدى مراسلات الجريدة من قسنطينة أن :"الانتفاضة كانت مدبرة من القاهرة من أجل :لفت أنظار الهيئات الدولية للوضعية في الجزائر و أيضا من أجل حفر خندق عميق عن طريق الدم المراق بين الأوربيين و المسلمين"[6].

و قد أصبحت هذه النظرة عامة طوال الأيام التالية للهجمات ,خصوصا و أن الجريدة تتكلم عن هذا الأمر –التدخل الأجنبي-على أنه حقيقة لا يرقى إليها الشك

فهذا مديرها العام –ألان دو سيريني- يكتب في إحدى افتتاحياته مطالبا الحكومة بالرد و بالفعل لا بالقول :"كيف و بعد الإطلاع رسميا في الأيام الأخيرة على المشاركة الأجنبية في الحوادث الأخيرة كيف نقبل بلعب دور سلبي دون أدنى رد فعل بينما نتحول إلى متهمين أبديين أمام هذه المحكمة التي هي الأمم المتحدة"[7].

 و ما يلاحظ هنا هو توافق رأي الجريدة بصفة عامة في تحليلها لأصول الهجومات أو"الحوادث" كما تسميها هي مع رأي السلطات الاستعمارية,حيث قامت الجريدة بالتعرض لمواقفها و تصريحات قادتها و التي في مجملها صبت في اتجاه واحد هو أن الحوادث مدبرة من الخارج, و خصوصا تصريح"إدغار فور"رئيس الحكومة الفرنسية الذي صرح بأن الحوادث كانت أليمة و إننا نحس بعمق ما أصاب العائلات التي مسها الاعتداء الوحشي كما أشاد بقوات الأمن, و أشار كذلك بأن هذا العمل الإرهابي له علاقة بالأوامر الخارجية[8].

كما أرادت الجريدة بالإضافة إلى هذا  أن تبرز من خلال تصريحات المسؤولين الفرنسيين بأن ما حدث في 20أوت 1955 خصوصا و منذ 1نوفمبر 1954 عموما ليست قضية ثورة من أجل الحرية و الاستقلال, و من أن ذلك له علاقة بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية ,خصوصا و أن الجريدة شرحت مطولا مشاريع القرارات التي تقدم بها كل من جاك سوستال الحاكم العام و بورجس مونوري وزير الداخلية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية و الظروف المعيشية, هذه القرارات التي صادقت عليها لجنة شؤون إفريقيا الشمالية و هي إصلاحات لها علاقة بالجانب الفلاحي بالخصوص و إنشاء مصلحة للنشاط الإداري و الاقتصادي مكلفة لدى ديوان الحاكم العام بإعداد برامج إصلاحية , و قد برر سوستال ذلك بقوله:"إن الكثيرين يعتقدون بأن نشاط المتمردين مرده إلى تأييد خارجي و لكن في الوقت ذاته فإن هذا النشاط يتأكد أساسا في المناطق التي تفتقد إلى حسن التسيير و التي تتميز بسوء التجهيز[9].

كما انه يمكننا أن نستنبط أمرا آخر حول نظرة الجريدة لأصول الحوادث , من بعض المقالات و تحاليل صحفييها , ومنه مقال لمراسلها من المغرب الأقصى –روني جانون-الذي حاول أن يعطي بعدا أكبر لهده"الحوادث",و هو بعد حضاري حيث قال في مراسلته :"إن ما حدث في "واد زم" و في غيرها يذكرنا بأن مشكل شمال إفريقيا هو أولا مشكل حضارة ,نمط تقارب بين حضارتين مختلفتين"[10].

و من بين وجهات النظر التي تميل إليها الجريدة أكثر في تحاليلها , وجهة نظر المعمرين بمختلف واجهاتهم , والتي تتفق على أن أصول "الحوادث"مردها إلى التراجع في السياسة الاستعمارية أو إلى ما يعرف بسياسة التخلي أو الإهمال,خصوصا عندما قامت بنشر بيان "اللجنة المركزية لمقاومة تفكيك فرنسا و الاتحاد الفرنسي" التي تأسست في 18 أوت 1955 و ذلك في عددها الصادر في 25أوت 1955[11], و هذا نظرا لاقتناع الجريدة و مديرها العام ألان دوسيريني بتحاليل هذه اللجنة التي كان من بين أعضائها و مناضليها النشطين رفقة الكثير من المستوطنين و قدماء المحاربين سواء في فرنسا أو في الجزائر.

ثم أن الجريدة تتجاهل التنظيم الحقيقي الذي كان وراء هذه الهجومات و هو جبهة التحرير و جيش التحرير الوطنيين, حيث لم يرد بالجريدة اسم هاذين التنظيمين مطلقا, ما عدا اشارتين مقتضبتين إلى حزب الشعب الجزائري في مناسبتين فقط,الأولى عندما أوردت رواية لأحد المعمرين الذي شاهد "الفلاقة "يمشون في صفوف منظمة و ينشدون النشيد الرسمي لحزب الشعب الجزائري [12].

أما المناسبة الثانية فهي عند حديث الجريدة عن مخطِط و منظِم العمليات و قائد"المتمردين"بمنطقة الشمال القسنطيني,حيث ذكرت بأن زيغود يوسف كان مستشارا بلديا قديما لحزب الشعب الجزائري[13],و هذا دون الإشارة إلى تنظيمه الجديد, و رغم ذلك يُحسب للجريدة قدرتها على تحديد اسم ومخطط وقائد الهجومات أي زيغود يوسف مباشرة بعد يوم واحد فقط من وقوع الهجومات , حيث ذكرت بأنه حدد يوم الجمعة على الساعة الخامسة صباحا تاريخ الهجوم بيوم السبت 20أوت على الساعة منتصف النهار.

و تشير المراجع التاريخية بأن زيغود يوسف اعتزل لمدة شهر كامل في إحدى غابات القل,إلى أن اهتدى إلى فكرة الانتفاضة الشاملة و التخطيط لها ,نتيجة ركود الأوضاع في الشمال القسنطيني قبل هذا التاريخ[14].

و قد أحصت الجريدة عدد المتمردين بـ:3800 متمردا منهم 800 متمردا أطروا و جروا معهم :3000 فلاحا في حوادث دامية و جرائم فظيعة[15].

-3- أهداف الهجومات :

     أول ملاحظة يمكن الإشارة إليها في هذا السياق هو أن هناك علاقة ترابط بين تحليل الجريدة لأصول الحوادث و بين تحديدها لأهدافها ,فالجريدة عندما تتحدث عن أهداف هجومات 20أوت 1955 فإنها تنطلق من رؤيتها و رؤية المعمرين و السلطات الاستعمارية الفرنسية لها ,و بالتالي فان أهداف هجومات الشمال القسنطيني من منظور الجريدة  تتجاوز الجزائر إلى أبعاد خارجية.

ففي مراسلة لمبعوث الجريدة إلى قسنطينة ورد ما يلي :"الانتفاضة كانت مدبرة من القاهرة من أجل:

                - لفت أنظار المنظمات الدولية خول الوضع في الجزائر

               - حفر هوة عميقة بين الأوربيين و المسلمين عن طريق إراقة الدماء"[16].

و هو ما يبين لنا بوضوح رؤية الجريدة للثورة ككل و رؤيتها لهجومات 20أوت 1955 بوجه خاص  على أساس أنها موجهة من القاهرة أي مصر التي كانت تعيش هيجان الثورة و حماسها في تلك الأثناء, و لأنها أيضا كانت مقرا للجامعة العربية التي ساندت شعوب المغرب العربي للدفاع عن حقوقها , حيث كانت قد أنشأت مكتبا يمثل الحركات الوطنية العاملة في كل من تونس الجزائر و المغرب الأقصى.

  و قد استطاعت الجريدة  َتبيُن الأهداف السياسية للهجومات خصوصا ما يتعلق بتدويل القضية الجزائرية في هيئة الأمم,حيث أن تأييد المؤتمر ألا فرواسي المنعقد  في "باندونغ"في أفريل 1955 فتح أمام جبهة التحرير الوطني أبواب المنظمات الدولية,لذلك وجب عليها-أي الجبهة-إثبات أن الثورة شاملة وتستمد شرعيتها من إمتداداتها الشعبية[17].

و كذلك الحال بالنسبة للهدف الثاني الذي أشارت إليه الجريدة  وهو حفر هوة عميقة بين الأوربيين من جهة و بين المسلمين من جهة أخرى و ذلك بإراقة الدماء , لأن زيغود يوسف كان يدرك بأن إشراك الشعب بكل فئاته في هذه الهجومات هو الحل لتعميم الثورة و دفعها إلى مرحلة اللارجوع ,رغم ما سينجر عن ذلك من خسائر كبيرة ,لكن الجزائر ستنتصر في الأخير و تتحرك[18].

حيث أن عملا كهذا سيدفع السلطات الفرنسية إلى القمع و هو ما سيقطع خط الرجعة على المترددين و يوقظ الحس الوطني لدى عامة المواطنين[19].

و هو الأمر الذي تفطنت له أيضا السلطات الاستعمارية الفرنسية فيما بعد ولكن بعد فوات الأوان,فقد صرح وزير الدفاع الفرنسي الجنرال "كونيغ":أن فرنسا تُهاجم بشدة من طرف عدو يريد حفر هوة نهائية بين السكان و بين مواطنينا القاطنين بهذه المقاطعات منذ سنوات"[20].

كما أن الجريدة تحدثت عن أهداف أخرى من ضمنها أن المتمردين أرادوا بحركتهم هذه التزود بالأسلحة و الذخيرة,و هو ما يؤكد بأنهم يفتقدون إلى الذخيرة و الأسلحة التي تمكنهم من مواصلة الثورة,و دعمت الجريدة هذا بالتصريحات المطولة للحاكم العام "جاك سوستال":"السيد جاك سوستال يؤكد بعد انفجار 20أوت 1955 في مقاطعة قسنطينة :المجموعات المتمردة تنقصها الأسلحة و قادتهم جاءوا من النمامشة و أشعلوا نار الفتنة بهدف الحصول على المؤونة"[21].

و التموين بالذخيرة و الأسلحة كانت من ضمن الأهداف الأساسية للهجومات حيث تذكر المراجع أن منطقة الشمال القسنطيني كانت تفتقد إلى الأسلحة و الذخيرة مما دفع زيغود يوسف للتفكير و التخطيط لحل هذا المشكل العويص[22].

و ما نلاحظه إذن هو أن الجريدة استطاعت و بدقة أن تحدد أهم أهداف الهجومات و التي ذكرناها آنفا,و ربما هذا ما يؤكد علاقاتها القوية بقيادات قوات الأمن و الجيش الفرنسيين في الجزائر , غير أن هناك أهدافا أخرى خفيت عنها نذكر منها:

- رغبة زيغود يوسف في إحداث نوفمبر ثاني, يحرك الأوضاع في المنطقة بعد الجمود الذي عرفته المنطقة و حتى المنطقتين الثانية و الثالثة,فباستثناء المنطقة الأولى-الأوراس- التي كانت تشهد العمليات و بذلك تحملت ضغط الجيش الاستعماري الفرنسي الذي عمل على فرض الحصار عليها.

- محاولة نقل الحرب من الريف إلى المدينة.

- رفع معنويات الداخل عن طريق القيام بعملية استعراضية في منتصف النهار

تستهدف مواقع العدو, و يكون لها التأثير البسيكولوجي الكبير.

- تدويل القضية الجزائرية والتأكيد على  أن الشعب الجزائري طرف في الصراع إلى جانب جبهة التحرير الوطني للرأي العام الفرنسي و العالمي .

- مساندة الشعب الجزائري لنظيره المغربي في الذكرى الثانية لنفي السلطان "محمد الخامس"[23].

-4-الخسائر البشرية و المادية:

     من خلال تصفحنا الأعداد التي تلت هجومات 20أوت 1955 من جريدة"L écho d àlger لاحظنا ذلك الفزع الكبير الذي انتاب الأوربيين عامة و الجريدة خاصة رغم ما أظهرته في هذه الأعداد من أن :"المتمردون تلقوا فشلا ذريعا[24]"أو"الانتفاضة الدموية التي اندلعت يوم السبت أخمدت في بضع ساعات "[25]و الإشادة بقوات الأمن التي سارعت للتدخل من أجل إفشال الهجومات,إلا أنها من جهة أخرى تركز في حديثها عن"الحوادث" و على فظاعة "المتمردين" و لا إنسانيتهم , و أطلقت عليهم أبشع النعوت و الصفات مثل:القتلة,الإرهابيون,المتعصبون,الوندال...وغيرها من النعوت التي تفهم على أنها شتم و قدح,كما أبرزت كذلك "جرائمهم" خصوصا ما تعلق منها بالمدنيين الأوربيين,بل تكاد تغطيات مراسليها الموفدين إلى الشمال القسنطيني تنحصر في هذا الموضوع فقط,إذ تصور جرائم هؤلاء "الإرهابيين القتلة" الذين قاموا بذبح الأطفال و النساء و بقروا بطون الحوامل مثلما تدعي حدوثه الجريدة في "العالية"[26].

و الأمر الثاني هو إهمال الجريدة الحديث عن الضحايا الجزائريين خصوصا المدنيين منهم ,و الذين قتلوا بلا شفقة ولا رحمة[27],و اكتفت بالحديث عن الخسائر البشرية التي مني بها المتمردون فقط,و قد قامت الجريدة بنشر الإحصائيات الرسمية"للحوادث"سواء المؤقتة أو النهائية ,أو الإحصائيات الخاصة بكل منطقة[28].

و هذا الجدول يوضح هذه الإحصائيات حسب الأعداد التي وردت فيها:

الجريدة(العدد)

الضحايا من  الأوربيين

الضحايا من  الجزائريين

21-22/08/1955

رقم:15925

-إحصائيات رسمية مؤقتة إلى غاية21/08مساء:69قتيلابين العسكريين و المدنيين و 15 جريحا.

-إحصائيات رسمية مؤقتة إلى غاية21/08 مساء:

475قتيلا في صفوف الخارجين عن القانون,70جريحا

و 800أسيرا

23/08/1955

رقم:15926

إحصائيات مؤقتة إلى غاية 22/08على الساعة منتصف النهار:

-قوات الأمن:26قتيلا

               115جريحا

-المدنيون الأوربيون:69قتيلا

              51جريحا

-المدنيون من الفرنسيين المسلمين:15قتيلا

            40جريحا

-إحصائيات مؤقتة إلى غاية:22/08/1955 منتصف النهار:

-المتمردون: 521قتيلا

             79 جريحا

             1022أسيرا

وإشارة أخرى في نفس العدد إلى أن قتلى المتمردين بلغ الألف قتيل!؟

01/09/1955

رقم:15934

-إحصائيات رسمية نهائية من الحاكم العام:جاك سوستال عند زيارته إلى باريس:الحصيلة من 20الى 27/08/55:

123قتيلا من قوات الأمن منهم 21مسلما و 47 جريحا

الأوربيين 71قتيلا و 51جريحا

و العسكريين 31 قتيلا

و 125جريحا

-إحصائيات رسمية نهائية من الحاكم العام:جاك سوستال عند زيارته إلى باريس:الحصيلة من 20الى 27/08/55:

-المتمردون:1273قتيلا.

-الأسرى:1024منهم 81 جريحا

-ملاحظة : أشارت الجريدة إلى أن 2300متمردا قتلوا من 20الى 27/08/1955 ثم أعطت بعد ذلك هذه الإحصائيات التي لم تصل إلى هذا العدد...!؟

       لقد اعتمدت الجريدة في ذكر الخسائر البشرية من الطرفين على الإحصائيات الرسمية و التي مفادها أن عدد ضحايا الأوربيين 71 ضحية أوربية و التي تتفق فيها مع المراجع الفرنسية التي اعتمدت بدورها على نفس المصادر, ومن أن " المتمردين"بلغ عدد قتلاهم 1275و الأسرى 1024[29], غير أن إحصائيات جبهة التحرير الوطني التي قامت يومها لأول مرة بعمل إحصائي كبير على مستوى عمالة قسنطينة مشتة بمشتة و دوارا بعد دوار,نشرت يومها أسماء وعناوين اثني عشر ألف (12000) قتيل و قتيلة , و يعتقد بعض مؤرخينا بأن العدد  يتجاوز ذلك بكثير ,لأن عمليات القمع كانت وحشية و لم تكن تفرق بين الشباب و الشيوخ و النساء و الأطفال[30],فقد تم قصف المشاتي المجاورة لأهم المناطق التي تمت بها الهجومات انتقاما للقتلى الأوربيين,إذ ورد في الجريدة خبر- مثلا-عن دك تسع مشاتي في الشمال القسنطيني و تدميرها عن آخرها, باعتبار أن هذه المشاتي كانت مأوى للمتمردين,وأوردت بيانا حول ذلك للحكومة العامة بالجزائر[31].

و من بين الأمور التي يمكن استخلاصها حول هذا الموضوع أن عدد الضحايا الجزائريين بالخصوص المدنيين منهم تواصل سقوطهم بفعل "عمليات التطهير"التي شنتها قوات الأمن الفرنسية بمختلف فرقها,و هو ما يبينه لنا مثلا الإحصاء الذي استقته الجريدة من الحاكم العام جاك سوستال,الذي أعطى حصيلة القتلى و الجرحى بين عشرين و سبعة وعشرين من نفس الشهر ,أي أن عمليات الانتقام دامت أسبوعا على الأقل بعد 20 أوت[32],و هو ما تؤكده أخبار أخرى وردت في الجريدة ,منها الخبر الذي نشرته في عدد يوم 26/08/55 و الذي مفاده بأن المسلمين لم يستعيدوا نشاطهم بعد,لأنه لوحظ بأن محلاتهم لازالت مغلقة[33],و هذا ما يؤكد الفزع الكبير الذي أصاب الجزائريين من جراء العمليات الانتقامية التي باشرتها القوات الفرنسية رفقة المسلحين من المعمرين, و التي تجاوزت كل الحدود[34].

 و يمكن أن نستشف نفس الشيء من خلال مطالعة خبر آخر ورد في الجريدة يوم 30/08/1955و الذي مفاده أن السلطات الاستعمارية بلسان "كريفو"رئيس بلدية سكيكدة"فليب فيل" قوله:"طلبت من السكان استعادة نشاطهم ,إذ أن المحلات في غالبيتها ظلت مغلقة بعد مضي عشرة أيام كاملة عن الأحداث الأليمة التي ألمت بمدينة سكيكدة الهجومات" .

كما ورد خبر آخر حول هجرة سكان الأرياف لأراضيهم و دواويرهم ,و التي قامت السلطات الفرنسية برمي مئات الآلاف من المناشير على كل تراب مقاطعة قسنطينة  ورد فيها :"يا سكان الدواوير, إن شرذمة من القتلة خدعتكم يوم السبت 20أوت,لقد أجبروكم على السير معهم في طريق الفتنة,لقد فررتم من منازلكم و تخليتم عن ممتلكاتكم,إنها مأساة كبرى بالنسبة لكم إن المسؤولين هم أولئك الذين حرضوكم على القتل و التخريب و الحرق إنهم قعدوا إلى الوراء, أنتم المخدوعون أخذتم تقتلون ,إن المجرمين سينالون جزاءهم,ولكن كل الذين لم يشاركو في الجرائم يستطيعون بل يتوجب عليهم العودة إلى مشاتيهم حيث أنهم لن يتعرضوا لأي مكروه,فبإمكانكم تقديم هذا المنشور إلى الضباط.."[35].

أما فيما يتعلق بالخسائر البشرية فان الجريدة في أعدادها التي تلت"الحوادث"أهملت الحديث عنها,و عادت فيما بعد لتعطي بعض الإحصائيات المتفرقة عنها.

فرغم أن الجريدة حاولت أن تظهر بأن الاقتصاد الجزائري عموما لم يتضرر جراء ما حدث ,و هذا ما يظهر من خلال نقلها خبرا عن France presse خول الاقتصاد الجزائري و الذي مفاده أنه خارج منطقة قسنطينة لم يتأثر بالحوادث[36],أي الثورة ككل و ليس هجومات 20/08/1955 ,إلا أنها تعترف بصفة غير مباشرة بالخسائر التي لحقت بهذا الاقتصاد في منطقة قسنطينة.

و من بين ما أشارت إليه الجريدة في هذا الموضوع هجرة الفلاحين لأراضيهم وأيضا عدم استعادة المسلمين لنشاطهم خصوصا التجاري,حيث لوحظت محلاتهم مغلقة إلى غاية 30/08/1955 ,كما أشارت الجريدة كذلك إلى الوضعية الاقتصادية و الصحية السيئة في "فليب فيل" :"الوضعية الاقتصادية في فليب فيل تزداد تأزما و سوءا بالإضافة إلى تهديدين خطيرين جديدين و هما :تموين المدينة و مخاطر انتشار الأوبئة!؟ ففليب فيل تعرف أياما حزينة زادها نقص المؤونة,فمنذ عدة أيام أصبح من الصعب على المواطن الحصول على حبة بيض , و من جهة أخرى قلت اللحوم المعروضة ,فأغلبية الجزائريين و التجار قدموا طلباتهم إلى فرنسا و ينتظرون أولى الدفعات ,مما جعل من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية أمرا حتميا.

و من أجل هذا أمر المفوض البلدي "بول دومنيك كريفو"التجار المسلمين إلى إعادة فتح محلاتهم ,و أصدر (الإذن بالمرور)الضروري للتجول في المدينة[37].

و من هذه الخسائر التي ورد ذكرها :

 تخريب 300مدرسة " من نتائج الحركة الإرهابية 300 مدرسة تبقى مغلقة عند الدخول المدرسي ,نشاط الإرهابيين في مقاطعتي "بونة و قسنطينة"نتج عنه غلق 300مدرسة التي كان من المقرر أن تستقبل يوم 03/10/1955 تاريخ الدخول المدرسي خمسين ألف( 50000) تلميذ أوربي و مسلم..وألف معلم و معلمة فقدوا مناصبهم بسبب غلق المدارس في القطاع القسنطيني"[38].

و كذلك بلغت قيمة الخسائر في القل 600 مليون فرنكا[39].

رغم أن هذه الإحصائيات لم ترد حتى في بعض المراجع المتخصصة,إلا أنه ينبغي أن نتعامل معها بحذر كبير.

-5-ردود الفعل الفرنسية في الصعيد الخارجي من خلال "écho d àlger L":

       تناولت جريدة "écho d àlger L" ردود الفعل الفرنسية في مختلف مجالاتها السياسية  و العسكرية و حتى الدعائية ,و لكن سنسلط الضوء هنا على ردود الفعل في الميدان الدبلوماسي,ففيما تمثلت ردود الفعل الفرنسية دوليا و هذا من خلال الجريدة ؟

بموازاة التصريحات الحكومية الفرنسية أو الحكومة العامة في الجزائر و إجراءاتها التي كانت موجهة للاستهلاك المحلي سواء بفرنسا أو الجزائر ,فقد سجلت الجريدة التصريحات و الإجراءات الفرنسية الموجهة للرأي العام العالمي و للهيئات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة.

فقد أدركت الحكومة الفرنسية أهمية إطلاع الرأي العام العالمي على ما حدث في 20أوت ,وبالتالي فرض رؤيتها ,لا وفق رؤية جبهة التحرير الوطني و الدول العربي من ورائها,و هو ما يمكن أن يفهم من تصريح لوزير الداخلية الفرنسي "بورجس مونوري" في معرض حديثه عن الإجراءات الداخلية و الخارجية الواجب اتخاذها,فتحدث عن ضرورة إرسال مبعوثين إلى الدول العربية و الولايات المتحدة من أجل إطلاعهم على الظروف التي وقعت فيها "الفتنة"في الشمال القسنطيني[40].

كما أشار رئيس المجلس الجمهوري ف "هلسنكي"إلى عدم قبول فرنسا بالتدخلات الأجنبية في شؤونها,و قال بأن مشاكل فرنسا ليست عفوية أو تلقائية,و هذا في كلمة ألقاها أمام محكمة اتحاد البرلمانيين[41].

كما لجأت الحكومة الفرنسية إلى تقديم احتجاجات لدى بعض الدول العربية على مواقفها مما وقع من قمع فرنسي عقب الهجومات :"بخصوص إفريقيا الشمالية :فرنسا تحتج على مواقف الدول العربية كفي 01سبتمبر سفير فرنسا بدمشق تدخل لدى الرئيس الجديد"شكري القوتلي"رئيس الجمهورية السورية –ليحتج على نداءات العنف التي بثتها إذاعة دمشق,و تدخل مرة أخرى السفير الفرنسي لدى الحكومة السورية ,كما قام السفير الفرنسي في لبنان من جهته تدخل لدى الحكومة اللبنانية لتذكيرها بالتفهم الدقيق للعلاقات الفرنسية اللبنانية,و كذا سفير فرنسا في القاهرة يوم 02/09/1955 ,و أشارت الجريدة بات سفراء فرنسا قاموا بنفس الإجراء في الدول العربية الأخرى المعتمدين فيها في الأسبوعين الأخيرين , التدخل بالاحتجاج على مواقف هذه الحكومات اتجاه شؤون إفريقيا الشمالية[42].

كما تناولت الجريدة بالشرح و التحليل بالإضافة إلى ذلك التصريحات التي وجهتها الإدارة الفرنسية ,والتي ترد على الانتقادات التي وجهت لسياستها في الجزائر , مثل تصريح الحاكم العام "جاك سوستال"عند زيارته لمطار "بول غزال"وسدي بوغزول و كاف لصفر ,حيث قال :"كيف ستغدو الجزائر بدون انجازات فرنسا "ليضيف:"انني أتحدى أولئك الذين ينتقدوننا بشدة بأن يظهروا لنا ما أنجزوه في بلدانهم لفائدة شعوبهم ,كالذي أنجزناه نحن في الجزائر..."[43].

كما صرح وزير الدفاع الفرنسي الجنرال كونيغ مبررا الإجراءات الخاصة المطبقة في الجزائر و"إفريقيا الشمالية"عموما بأن الوضعية الخاصة أو الاستثنائية في إفريقيا الشمالية تبرر إجراءات خاصة أو استثنائية[44].

و بدوره صرح ممثل فرنسا لدى الأمم المتحدة   "هرفي ألفوند""Herve Alphand عند اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22/09/1955من أجل مناقشة تسجيل القضية الجزائرية في جدول أعمال مناقشاتها قائلا:"شؤون الجزائر لا تعني إلا الحكومة الفرنسية فلا الأمم المتحدة ولا الجمعية العامة أسست للتدخل في هذه الشؤون .."ثم واصل حديثه قائلا:"الحكومة الفرنسية امتنعت إلى حد الآن عن تقديم الشكاوى حول تدخلات لا تطاق في شؤونها الخاصة إلى الأمم المتحدة,إنها تطالب بكل بساطة بأن لا تعطي هذه الهيئة دفعا لهذه التدخلات و الذي سيكون غير عادل ومشئوم.."[45].

لقد اكتفت الجريدة بذكر ردود الفعل الفرنسية على مواقف الدول العربية الشاجبة و المنددة بعنف التدخلات الفرنسية في كل من الشمال القسنطيني و المغرب الأقصى,دون أن تتطرق إلى تلك المواقف بالشرح و التحليل, و الأكيد أن هذا التجاهل أمر مقصود و يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الجريدة قد حادت عن الموضوعية و الحياد في نقل أحداث هجومات 20 أوت بالشمال القسنطيني و ما ترتب عنها من قمع فرنسي رسمي و غير رسمي تجاوز كل الحدود  .

الهوامش :

 

[1] يشير الكاتب الفرنسي كريستيان سوريان بأن الجريدة تأسست سنة 1909لكن عندما اطلعنا لى أرشيف الجريدة بالمكتبة الوطنية الجزائرية وجدنا بأن أول عدد صدر سنة1912,عد إلى:

Christiane sourian,La presse magribine,France ,1975,p83.

 2  P Albert et F ferrou, histoire de la presse ,que sais je ,Presse universitaire de France,3e edition,1976,p 54.

[3] Alain de sérigny,Lécho d àlger ,t2,France,1974,P55.

[4]  محمد العربي الزبيري ,الثورة في عامها الأول,المؤسسة الوطنية للكتاب,الجزائر,1984,ص ص :89-99.

[5] Alain de sérigny, op-cit,P130.

[6] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[7] L écho d Alger, n 15933, 31/08/1955.

[8] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[9] L écho d Alger, n 15940, 08/09/1955.

[10] L écho d Alger, n 15930, 27/08/1955.

[11] L écho d Alger, n 15928, 25/08/1955.

[12] L écho d Alger, n 15927, 24/08/1955.

[13] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[14]Yves courrière, Le temps des léopards, Fayard, France,1969,P208.

و كذلك :محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص130 ومايليها.

[15] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[16] Yves courriere, Yves courriere,

[17]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:90-140.

[18] Yves courriere, op-cit,P204.

[19]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:142-143.

[20]L écho d Alger, n 15949, 18-19/09/1955.

[21] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[22]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:129-130.

[23] Yves courriere, op-cit,P P 204-205.

[24] L écho d Alger, n 15926, 23/08/1955.

[25] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[26]  الأعداد :15925-15926-15927-15945.

[27]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:145-146. و   Yves courriere, op-cit,P P 110-111.

 [29]  عد إلى الجدول أعلاه.

[30]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص :145. و        Yves courriere, op-cit,P P 110-111-112.

[31] L écho d Alger, n 15926, 23/08/1955.

[32] L écho d Alger, n 15934, 01/09/1955.

[33] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[34] Yves courriere, op-cit,P P 110-111-112.

[35]L écho d Alger, n 15932 , 30/08/1955.

[36] L écho d Alger, n 15935, 02/09/1955.

[37] L écho d Alger, n 15933 , 31/08/1955.

[38] L écho d Alger, n 15945, 14/09/1955.

[39] L écho d Alger, n 15942, 10/09/1955.

[40] L écho d Alger, n 15928, 25/08/1955.

[41] L écho d Alger, n 15930, 27/08/1955.

[42] L écho d Alger, n 15938, 06/09/1955.

[43] L écho d Alger, n 15947, 17/09/1955.

[44] L écho d Alger, n 15949, 18-19/09/1955.

[45] L écho d Alger, n 15953, 23/09/1955.

صدى هجومات 20أوت 1955 بالشمال القسنطيني

من خلال جريدة "صدى الجزائر"L écho d’ Alger"الكولونيالية

                                                                                                  أ.أحمد بوضربة

                                                                                         جامعة المسيلة

       يتفق الباحثون في مجال تاريخ الثورة الجزائرية54/1962 حول شح المصادر التاريخية التي يمكن الاعتماد عليها في انجاز بحوثهم ودراساتهم ,لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو توفر مادة وثائقية لا يستهان بها, بعضها لم يدرس إطلاقا والبعض الآخر درس بشكل سطحي أو عرضي فقط ,و تشكل الصحف التي كانت تصدر إبان تلك الفترة أهم هذه المصادر التي يمكن الاعتماد عليها لكن بعد غربلة مادتها و مقارنتها بمصادر أخرى.

      شكلت هذه القناعة أساس الدراسة التي أنجزتها حول موضوع هجومات 20 أوت1955 بالشمال القسنطيني من خلال الإعلام الاستعماري بالجزائر جريدة  "écho d’ Alger L" نموذجا ,فكيف عالجت الجريدة هذه الهجومات ؟ و هل راعت الموضوعية و الحياد في نقل الأحداث ؟

 

ba


-1- نبذة عن  جريدة "écho d’A lger L":

      تعتبر جريدة "écho d àlger L" من أقدم و أعرق الصحف الاستعمارية في الجزائر , و التي ظهرت في مطلع القرن العشرين[i],في فترة عرفت بتطور "الصحافة الشعبية ذات السحب الكبير"(1871-1914) ,حيث أصبحت الجريدة في هذه الفترة إنتاجا استهلاكيا واسع الانتشار,و تعرف الفترة بالعصر الذهبي للصحافة ,و ذلك بفضل تطور تقنيات ووسائل الطباعة وتوفر حرية الصحافة فتضاعفت عناوين الصحف و أصبح لهذه الصحف نفوذ سياسي كبير,كما أصبحت تعطي للكثير من الأزمات بعدا وطنيا قوميا[ii] ,في هذا السياق ظهرت جريدة

àlger  Lécho dبالجزائر حتى تواكب تطور فئة المستوطنين ونفوذهم المتعاظم ,فبالإضافة إلى وزنهم الاقتصادي تمكن هؤلاء من إحراز نفوذ موازي في المجال االسياسي وذلك عن طريق وصولهم إلى مناصب قيادية في الإدارة الفرنسية بالجزائر  ومن ثم كان لزاما على هؤلاء أن يوجدوا منابر إعلامية تدافع عن طروحاتهم و تكون أداة لنشر أفكارهم ووجهات نظرهم و التأثير في قرارات الإدارة و من هذا المنطلق قاموا بتأسيس صحف عديدة عبر مختلف أنحاء الوطن و كانت جريدة "صدى الجزائر "أهم هذه الصحف على الإطلاق .

كانت جريدة "écho d àlger L" من ملكية المستوطن الملياردير :جاك ديرو",و كانت واسعة الانتشارو توزع بفرنسا ذاتها ,و قد عرفت الجريدة تطورا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية بمجيء المفكر و السياسي "ألان دو سيريني", الذي جعل منها أكبر جريدة للأقدام السوداء في الجزائر حسب تعبير شارل ديغول .

    أعطى دوسيريني الجريدة صبغة جديدة فجعلها منبرا سياسيا ذا تأثير في توجيه السياسة الاستعمارية في الجزائر, فبالإضافة إلى كونه رجل صحافة والتي مارسها لعشرين سنة كاملة ,فهو رجل سياسة كذلك حيث انتخب مرتين نائبا بالجمعية الجزائرية,و من ثم لاستغرب إذا وجدنا الجريدة من المدافعين الأقوياء عن الجزائر الفرنسية حيث كان يرى دوسريني بان الجزائر كانت "فرنسا جديدة"[iii] .

 و قد تصدرت هذه الجريدة  و منذ أول نوفمبر 1954 و إلى تاريخ توقيفها من طرف السلطات الفرنسية تصدرت الحملة السياسية ضد الحكومة إذا استلزم الأمر ذلك ,و توجيهها في ظروف أخرى بدفعها لاتخاذ إجراءات أكثر راديكالية , و تزعمت الجريدة الحرب النفسية ضد الثورة بالترويح للشائعات و بتزييف الحقائق[iv]

 و تم توقيف الجريدة بأمر من السلطات الفرنسية بعد فشل "انقلاب الجنرالات"في أفريل 1961[v] لأنها كانت رفقة رئيسها دوسيريني داعية و مؤيدة له.

و من خلال هذا يظهر لنا أهمية و موقع الجريدة من الأحداث السياسية الكبرى في الجزائر آنذاك و من ثمة دراستها و تحليل محتواها ,فكيف يا ترى عالجت هذه الجريدة أحداث هجومات 20أوت 1955 بالشمال القسنطيني ؟

-2- أصول "الحوادث" Les évènements":

            إن ما حدث بالشمال القسنطيني في 20أوت 1955 شكل حقيقة فاجعة كبرى و زلزالا عنيفا بالنسبة للمعمرين و السلطات الفرنسية عموما, و هو  ما ينطبق على صحافتهم في الجزائر و مثالنا على ذلك جريد "écho d àlger L"التي قمنا بدراسة موقفها و رؤيتها من "الحوادث".

 الملاحظة الأولية حول رؤية الجريدة لأصول الثورة ككل و لهجومات 20أوت 1955 خصوصا ,أنها لم تتغير بل ازدادت تعمقا و تثبيتا و انتشارا,خصوصا فيما يتعلق بالدور الخارجي فيها,بحيث كان أول من وجهت له الجريدة أصبع الاتهام هو القاهرة ,حيث ورد في إحدى مراسلات الجريدة من قسنطينة أن :"الانتفاضة كانت مدبرة من القاهرة من أجل :لفت أنظار الهيئات الدولية للوضعية في الجزائر و أيضا من أجل حفر خندق عميق عن طريق الدم المراق بين الأوربيين و المسلمين"[vi].

و قد أصبحت هذه النظرة عامة طوال الأيام التالية للهجمات ,خصوصا و أن الجريدة تتكلم عن هذا الأمر –التدخل الأجنبي-على أنه حقيقة لا يرقى إليها الشك

فهذا مديرها العام –ألان دو سيريني- يكتب في إحدى افتتاحياته مطالبا الحكومة بالرد و بالفعل لا بالقول :"كيف و بعد الإطلاع رسميا في الأيام الأخيرة على المشاركة الأجنبية في الحوادث الأخيرة كيف نقبل بلعب دور سلبي دون أدنى رد فعل بينما نتحول إلى متهمين أبديين أمام هذه المحكمة التي هي الأمم المتحدة"[vii].

 و ما يلاحظ هنا هو توافق رأي الجريدة بصفة عامة في تحليلها لأصول الهجومات أو"الحوادث" كما تسميها هي مع رأي السلطات الاستعمارية,حيث قامت الجريدة بالتعرض لمواقفها و تصريحات قادتها و التي في مجملها صبت في اتجاه واحد هو أن الحوادث مدبرة من الخارج, و خصوصا تصريح"إدغار فور"رئيس الحكومة الفرنسية الذي صرح بأن الحوادث كانت أليمة و إننا نحس بعمق ما أصاب العائلات التي مسها الاعتداء الوحشي كما أشاد بقوات الأمن, و أشار كذلك بأن هذا العمل الإرهابي له علاقة بالأوامر الخارجية[viii].

كما أرادت الجريدة بالإضافة إلى هذا  أن تبرز من خلال تصريحات المسؤولين الفرنسيين بأن ما حدث في 20أوت 1955 خصوصا و منذ 1نوفمبر 1954 عموما ليست قضية ثورة من أجل الحرية و الاستقلال, و من أن ذلك له علاقة بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية ,خصوصا و أن الجريدة شرحت مطولا مشاريع القرارات التي تقدم بها كل من جاك سوستال الحاكم العام و بورجس مونوري وزير الداخلية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية و الظروف المعيشية, هذه القرارات التي صادقت عليها لجنة شؤون إفريقيا الشمالية و هي إصلاحات لها علاقة بالجانب الفلاحي بالخصوص و إنشاء مصلحة للنشاط الإداري و الاقتصادي مكلفة لدى ديوان الحاكم العام بإعداد برامج إصلاحية , و قد برر سوستال ذلك بقوله:"إن الكثيرين يعتقدون بأن نشاط المتمردين مرده إلى تأييد خارجي و لكن في الوقت ذاته فإن هذا النشاط يتأكد أساسا في المناطق التي تفتقد إلى حسن التسيير و التي تتميز بسوء التجهيز[ix].

كما انه يمكننا أن نستنبط أمرا آخر حول نظرة الجريدة لأصول الحوادث , من بعض المقالات و تحاليل صحفييها , ومنه مقال لمراسلها من المغرب الأقصى –روني جانون-الذي حاول أن يعطي بعدا أكبر لهده"الحوادث",و هو بعد حضاري حيث قال في مراسلته :"إن ما حدث في "واد زم" و في غيرها يذكرنا بأن مشكل شمال إفريقيا هو أولا مشكل حضارة ,نمط تقارب بين حضارتين مختلفتين"[x].

و من بين وجهات النظر التي تميل إليها الجريدة أكثر في تحاليلها , وجهة نظر المعمرين بمختلف واجهاتهم , والتي تتفق على أن أصول "الحوادث"مردها إلى التراجع في السياسة الاستعمارية أو إلى ما يعرف بسياسة التخلي أو الإهمال,خصوصا عندما قامت بنشر بيان "اللجنة المركزية لمقاومة تفكيك فرنسا و الاتحاد الفرنسي" التي تأسست في 18 أوت 1955 و ذلك في عددها الصادر في 25أوت 1955[xi], و هذا نظرا لاقتناع الجريدة و مديرها العام ألان دوسيريني بتحاليل هذه اللجنة التي كان من بين أعضائها و مناضليها النشطين رفقة الكثير من المستوطنين و قدماء المحاربين سواء في فرنسا أو في الجزائر.

ثم أن الجريدة تتجاهل التنظيم الحقيقي الذي كان وراء هذه الهجومات و هو جبهة التحرير و جيش التحرير الوطنيين, حيث لم يرد بالجريدة اسم هاذين التنظيمين مطلقا, ما عدا اشارتين مقتضبتين إلى حزب الشعب الجزائري في مناسبتين فقط,الأولى عندما أوردت رواية لأحد المعمرين الذي شاهد "الفلاقة "يمشون في صفوف منظمة و ينشدون النشيد الرسمي لحزب الشعب الجزائري [xii].

أما المناسبة الثانية فهي عند حديث الجريدة عن مخطِط و منظِم العمليات و قائد"المتمردين"بمنطقة الشمال القسنطيني,حيث ذكرت بأن زيغود يوسف كان مستشارا بلديا قديما لحزب الشعب الجزائري[xiii],و هذا دون الإشارة إلى تنظيمه الجديد, و رغم ذلك يُحسب للجريدة قدرتها على تحديد اسم ومخطط وقائد الهجومات أي زيغود يوسف مباشرة بعد يوم واحد فقط من وقوع الهجومات , حيث ذكرت بأنه حدد يوم الجمعة على الساعة الخامسة صباحا تاريخ الهجوم بيوم السبت 20أوت على الساعة منتصف النهار.

و تشير المراجع التاريخية بأن زيغود يوسف اعتزل لمدة شهر كامل في إحدى غابات القل,إلى أن اهتدى إلى فكرة الانتفاضة الشاملة و التخطيط لها ,نتيجة ركود الأوضاع في الشمال القسنطيني قبل هذا التاريخ[xiv].

و قد أحصت الجريدة عدد المتمردين بـ:3800 متمردا منهم 800 متمردا أطروا و جروا معهم :3000 فلاحا في حوادث دامية و جرائم فظيعة[xv].

-3- أهداف الهجومات :

     أول ملاحظة يمكن الإشارة إليها في هذا السياق هو أن هناك علاقة ترابط بين تحليل الجريدة لأصول الحوادث و بين تحديدها لأهدافها ,فالجريدة عندما تتحدث عن أهداف هجومات 20أوت 1955 فإنها تنطلق من رؤيتها و رؤية المعمرين و السلطات الاستعمارية الفرنسية لها ,و بالتالي فان أهداف هجومات الشمال القسنطيني من منظور الجريدة  تتجاوز الجزائر إلى أبعاد خارجية.

ففي مراسلة لمبعوث الجريدة إلى قسنطينة ورد ما يلي :"الانتفاضة كانت مدبرة من القاهرة من أجل:

                - لفت أنظار المنظمات الدولية خول الوضع في الجزائر

               - حفر هوة عميقة بين الأوربيين و المسلمين عن طريق إراقة الدماء"[xvi].

و هو ما يبين لنا بوضوح رؤية الجريدة للثورة ككل و رؤيتها لهجومات 20أوت 1955 بوجه خاص  على أساس أنها موجهة من القاهرة أي مصر التي كانت تعيش هيجان الثورة و حماسها في تلك الأثناء, و لأنها أيضا كانت مقرا للجامعة العربية التي ساندت شعوب المغرب العربي للدفاع عن حقوقها , حيث كانت قد أنشأت مكتبا يمثل الحركات الوطنية العاملة في كل من تونس الجزائر و المغرب الأقصى.

  و قد استطاعت الجريدة  َتبيُن الأهداف السياسية للهجومات خصوصا ما يتعلق بتدويل القضية الجزائرية في هيئة الأمم,حيث أن تأييد المؤتمر ألا فرواسي المنعقد  في "باندونغ"في أفريل 1955 فتح أمام جبهة التحرير الوطني أبواب المنظمات الدولية,لذلك وجب عليها-أي الجبهة-إثبات أن الثورة شاملة وتستمد شرعيتها من إمتداداتها الشعبية[xvii].

و كذلك الحال بالنسبة للهدف الثاني الذي أشارت إليه الجريدة  وهو حفر هوة عميقة بين الأوربيين من جهة و بين المسلمين من جهة أخرى و ذلك بإراقة الدماء , لأن زيغود يوسف كان يدرك بأن إشراك الشعب بكل فئاته في هذه الهجومات هو الحل لتعميم الثورة و دفعها إلى مرحلة اللارجوع ,رغم ما سينجر عن ذلك من خسائر كبيرة ,لكن الجزائر ستنتصر في الأخير و تتحرك[xviii].

حيث أن عملا كهذا سيدفع السلطات الفرنسية إلى القمع و هو ما سيقطع خط الرجعة على المترددين و يوقظ الحس الوطني لدى عامة المواطنين[xix].

و هو الأمر الذي تفطنت له أيضا السلطات الاستعمارية الفرنسية فيما بعد ولكن بعد فوات الأوان,فقد صرح وزير الدفاع الفرنسي الجنرال "كونيغ":أن فرنسا تُهاجم بشدة من طرف عدو يريد حفر هوة نهائية بين السكان و بين مواطنينا القاطنين بهذه المقاطعات منذ سنوات"[xx].

كما أن الجريدة تحدثت عن أهداف أخرى من ضمنها أن المتمردين أرادوا بحركتهم هذه التزود بالأسلحة و الذخيرة,و هو ما يؤكد بأنهم يفتقدون إلى الذخيرة و الأسلحة التي تمكنهم من مواصلة الثورة,و دعمت الجريدة هذا بالتصريحات المطولة للحاكم العام "جاك سوستال":"السيد جاك سوستال يؤكد بعد انفجار 20أوت 1955 في مقاطعة قسنطينة :المجموعات المتمردة تنقصها الأسلحة و قادتهم جاءوا من النمامشة و أشعلوا نار الفتنة بهدف الحصول على المؤونة"[xxi].

و التموين بالذخيرة و الأسلحة كانت من ضمن الأهداف الأساسية للهجومات حيث تذكر المراجع أن منطقة الشمال القسنطيني كانت تفتقد إلى الأسلحة و الذخيرة مما دفع زيغود يوسف للتفكير و التخطيط لحل هذا المشكل العويص[xxii].

و ما نلاحظه إذن هو أن الجريدة استطاعت و بدقة أن تحدد أهم أهداف الهجومات و التي ذكرناها آنفا,و ربما هذا ما يؤكد علاقاتها القوية بقيادات قوات الأمن و الجيش الفرنسيين في الجزائر , غير أن هناك أهدافا أخرى خفيت عنها نذكر منها:

- رغبة زيغود يوسف في إحداث نوفمبر ثاني, يحرك الأوضاع في المنطقة بعد الجمود الذي عرفته المنطقة و حتى المنطقتين الثانية و الثالثة,فباستثناء المنطقة الأولى-الأوراس- التي كانت تشهد العمليات و بذلك تحملت ضغط الجيش الاستعماري الفرنسي الذي عمل على فرض الحصار عليها.

- محاولة نقل الحرب من الريف إلى المدينة.

- رفع معنويات الداخل عن طريق القيام بعملية استعراضية في منتصف النهار

تستهدف مواقع العدو, و يكون لها التأثير البسيكولوجي الكبير.

- تدويل القضية الجزائرية والتأكيد على  أن الشعب الجزائري طرف في الصراع إلى جانب جبهة التحرير الوطني للرأي العام الفرنسي و العالمي .

- مساندة الشعب الجزائري لنظيره المغربي في الذكرى الثانية لنفي السلطان "محمد الخامس"[xxiii].

-4-الخسائر البشرية و المادية:

     من خلال تصفحنا الأعداد التي تلت هجومات 20أوت 1955 من جريدة"L écho d àlger لاحظنا ذلك الفزع الكبير الذي انتاب الأوربيين عامة و الجريدة خاصة رغم ما أظهرته في هذه الأعداد من أن :"المتمردون تلقوا فشلا ذريعا[xxiv]"أو"الانتفاضة الدموية التي اندلعت يوم السبت أخمدت في بضع ساعات "[xxv]و الإشادة بقوات الأمن التي سارعت للتدخل من أجل إفشال الهجومات,إلا أنها من جهة أخرى تركز في حديثها عن"الحوادث" و على فظاعة "المتمردين" و لا إنسانيتهم , و أطلقت عليهم أبشع النعوت و الصفات مثل:القتلة,الإرهابيون,المتعصبون,الوندال...وغيرها من النعوت التي تفهم على أنها شتم و قدح,كما أبرزت كذلك "جرائمهم" خصوصا ما تعلق منها بالمدنيين الأوربيين,بل تكاد تغطيات مراسليها الموفدين إلى الشمال القسنطيني تنحصر في هذا الموضوع فقط,إذ تصور جرائم هؤلاء "الإرهابيين القتلة" الذين قاموا بذبح الأطفال و النساء و بقروا بطون الحوامل مثلما تدعي حدوثه الجريدة في "العالية"[xxvi].

و الأمر الثاني هو إهمال الجريدة الحديث عن الضحايا الجزائريين خصوصا المدنيين منهم ,و الذين قتلوا بلا شفقة ولا رحمة[xxvii],و اكتفت بالحديث عن الخسائر البشرية التي مني بها المتمردون فقط,و قد قامت الجريدة بنشر الإحصائيات الرسمية"للحوادث"سواء المؤقتة أو النهائية ,أو الإحصائيات الخاصة بكل منطقة[xxviii].

و هذا الجدول يوضح هذه الإحصائيات حسب الأعداد التي وردت فيها:

الجريدة(العدد)

الضحايا من  الأوربيين

الضحايا من  الجزائريين

21-22/08/1955

رقم:15925

-إحصائيات رسمية مؤقتة إلى غاية21/08مساء:69قتيلابين العسكريين و المدنيين و 15 جريحا.

-إحصائيات رسمية مؤقتة إلى غاية21/08 مساء:

475قتيلا في صفوف الخارجين عن القانون,70جريحا

و 800أسيرا

23/08/1955

رقم:15926

إحصائيات مؤقتة إلى غاية 22/08على الساعة منتصف النهار:

-قوات الأمن:26قتيلا

               115جريحا

-المدنيون الأوربيون:69قتيلا

              51جريحا

-المدنيون من الفرنسيين المسلمين:15قتيلا

            40جريحا

-إحصائيات مؤقتة إلى غاية:22/08/1955 منتصف النهار:

-المتمردون: 521قتيلا

             79 جريحا

             1022أسيرا

وإشارة أخرى في نفس العدد إلى أن قتلى المتمردين بلغ الألف قتيل!؟

01/09/1955

رقم:15934

-إحصائيات رسمية نهائية من الحاكم العام:جاك سوستال عند زيارته إلى باريس:الحصيلة من 20الى 27/08/55:

123قتيلا من قوات الأمن منهم 21مسلما و 47 جريحا

الأوربيين 71قتيلا و 51جريحا

و العسكريين 31 قتيلا

و 125جريحا

-إحصائيات رسمية نهائية من الحاكم العام:جاك سوستال عند زيارته إلى باريس:الحصيلة من 20الى 27/08/55:

-المتمردون:1273قتيلا.

-الأسرى:1024منهم 81 جريحا

-ملاحظة : أشارت الجريدة إلى أن 2300متمردا قتلوا من 20الى 27/08/1955 ثم أعطت بعد ذلك هذه الإحصائيات التي لم تصل إلى هذا العدد...!؟

       لقد اعتمدت الجريدة في ذكر الخسائر البشرية من الطرفين على الإحصائيات الرسمية و التي مفادها أن عدد ضحايا الأوربيين 71 ضحية أوربية و التي تتفق فيها مع المراجع الفرنسية التي اعتمدت بدورها على نفس المصادر, ومن أن " المتمردين"بلغ عدد قتلاهم 1275و الأسرى 1024[xxix], غير أن إحصائيات جبهة التحرير الوطني التي قامت يومها لأول مرة بعمل إحصائي كبير على مستوى عمالة قسنطينة مشتة بمشتة و دوارا بعد دوار,نشرت يومها أسماء وعناوين اثني عشر ألف (12000) قتيل و قتيلة , و يعتقد بعض مؤرخينا بأن العدد  يتجاوز ذلك بكثير ,لأن عمليات القمع كانت وحشية و لم تكن تفرق بين الشباب و الشيوخ و النساء و الأطفال[xxx],فقد تم قصف المشاتي المجاورة لأهم المناطق التي تمت بها الهجومات انتقاما للقتلى الأوربيين,إذ ورد في الجريدة خبر- مثلا-عن دك تسع مشاتي في الشمال القسنطيني و تدميرها عن آخرها, باعتبار أن هذه المشاتي كانت مأوى للمتمردين,وأوردت بيانا حول ذلك للحكومة العامة بالجزائر[xxxi].

و من بين الأمور التي يمكن استخلاصها حول هذا الموضوع أن عدد الضحايا الجزائريين بالخصوص المدنيين منهم تواصل سقوطهم بفعل "عمليات التطهير"التي شنتها قوات الأمن الفرنسية بمختلف فرقها,و هو ما يبينه لنا مثلا الإحصاء الذي استقته الجريدة من الحاكم العام جاك سوستال,الذي أعطى حصيلة القتلى و الجرحى بين عشرين و سبعة وعشرين من نفس الشهر ,أي أن عمليات الانتقام دامت أسبوعا على الأقل بعد 20 أوت[xxxii],و هو ما تؤكده أخبار أخرى وردت في الجريدة ,منها الخبر الذي نشرته في عدد يوم 26/08/55 و الذي مفاده بأن المسلمين لم يستعيدوا نشاطهم بعد,لأنه لوحظ بأن محلاتهم لازالت مغلقة[xxxiii],و هذا ما يؤكد الفزع الكبير الذي أصاب الجزائريين من جراء العمليات الانتقامية التي باشرتها القوات الفرنسية رفقة المسلحين من المعمرين, و التي تجاوزت كل الحدود[xxxiv].

 و يمكن أن نستشف نفس الشيء من خلال مطالعة خبر آخر ورد في الجريدة يوم 30/08/1955و الذي مفاده أن السلطات الاستعمارية بلسان "كريفو"رئيس بلدية سكيكدة"فليب فيل" قوله:"طلبت من السكان استعادة نشاطهم ,إذ أن المحلات في غالبيتها ظلت مغلقة بعد مضي عشرة أيام كاملة عن الأحداث الأليمة التي ألمت بمدينة سكيكدة الهجومات" .

كما ورد خبر آخر حول هجرة سكان الأرياف لأراضيهم و دواويرهم ,و التي قامت السلطات الفرنسية برمي مئات الآلاف من المناشير على كل تراب مقاطعة قسنطينة  ورد فيها :"يا سكان الدواوير, إن شرذمة من القتلة خدعتكم يوم السبت 20أوت,لقد أجبروكم على السير معهم في طريق الفتنة,لقد فررتم من منازلكم و تخليتم عن ممتلكاتكم,إنها مأساة كبرى بالنسبة لكم إن المسؤولين هم أولئك الذين حرضوكم على القتل و التخريب و الحرق إنهم قعدوا إلى الوراء, أنتم المخدوعون أخذتم تقتلون ,إن المجرمين سينالون جزاءهم,ولكن كل الذين لم يشاركو في الجرائم يستطيعون بل يتوجب عليهم العودة إلى مشاتيهم حيث أنهم لن يتعرضوا لأي مكروه,فبإمكانكم تقديم هذا المنشور إلى الضباط.."[xxxv].

أما فيما يتعلق بالخسائر البشرية فان الجريدة في أعدادها التي تلت"الحوادث"أهملت الحديث عنها,و عادت فيما بعد لتعطي بعض الإحصائيات المتفرقة عنها.

فرغم أن الجريدة حاولت أن تظهر بأن الاقتصاد الجزائري عموما لم يتضرر جراء ما حدث ,و هذا ما يظهر من خلال نقلها خبرا عن France presse خول الاقتصاد الجزائري و الذي مفاده أنه خارج منطقة قسنطينة لم يتأثر بالحوادث[xxxvi],أي الثورة ككل و ليس هجومات 20/08/1955 ,إلا أنها تعترف بصفة غير مباشرة بالخسائر التي لحقت بهذا الاقتصاد في منطقة قسنطينة.

و من بين ما أشارت إليه الجريدة في هذا الموضوع هجرة الفلاحين لأراضيهم وأيضا عدم استعادة المسلمين لنشاطهم خصوصا التجاري,حيث لوحظت محلاتهم مغلقة إلى غاية 30/08/1955 ,كما أشارت الجريدة كذلك إلى الوضعية الاقتصادية و الصحية السيئة في "فليب فيل" :"الوضعية الاقتصادية في فليب فيل تزداد تأزما و سوءا بالإضافة إلى تهديدين خطيرين جديدين و هما :تموين المدينة و مخاطر انتشار الأوبئة!؟ ففليب فيل تعرف أياما حزينة زادها نقص المؤونة,فمنذ عدة أيام أصبح من الصعب على المواطن الحصول على حبة بيض , و من جهة أخرى قلت اللحوم المعروضة ,فأغلبية الجزائريين و التجار قدموا طلباتهم إلى فرنسا و ينتظرون أولى الدفعات ,مما جعل من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية أمرا حتميا.

و من أجل هذا أمر المفوض البلدي "بول دومنيك كريفو"التجار المسلمين إلى إعادة فتح محلاتهم ,و أصدر (الإذن بالمرور)الضروري للتجول في المدينة[xxxvii].

و من هذه الخسائر التي ورد ذكرها :

 تخريب 300مدرسة " من نتائج الحركة الإرهابية 300 مدرسة تبقى مغلقة عند الدخول المدرسي ,نشاط الإرهابيين في مقاطعتي "بونة و قسنطينة"نتج عنه غلق 300مدرسة التي كان من المقرر أن تستقبل يوم 03/10/1955 تاريخ الدخول المدرسي خمسين ألف( 50000) تلميذ أوربي و مسلم..وألف معلم و معلمة فقدوا مناصبهم بسبب غلق المدارس في القطاع القسنطيني"[xxxviii].

و كذلك بلغت قيمة الخسائر في القل 600 مليون فرنكا[xxxix].

رغم أن هذه الإحصائيات لم ترد حتى في بعض المراجع المتخصصة,إلا أنه ينبغي أن نتعامل معها بحذر كبير.

-5-ردود الفعل الفرنسية في الصعيد الخارجي من خلال "écho d àlger L":

       تناولت جريدة "écho d àlger L" ردود الفعل الفرنسية في مختلف مجالاتها السياسية  و العسكرية و حتى الدعائية ,و لكن سنسلط الضوء هنا على ردود الفعل في الميدان الدبلوماسي,ففيما تمثلت ردود الفعل الفرنسية دوليا و هذا من خلال الجريدة ؟

بموازاة التصريحات الحكومية الفرنسية أو الحكومة العامة في الجزائر و إجراءاتها التي كانت موجهة للاستهلاك المحلي سواء بفرنسا أو الجزائر ,فقد سجلت الجريدة التصريحات و الإجراءات الفرنسية الموجهة للرأي العام العالمي و للهيئات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة.

فقد أدركت الحكومة الفرنسية أهمية إطلاع الرأي العام العالمي على ما حدث في 20أوت ,وبالتالي فرض رؤيتها ,لا وفق رؤية جبهة التحرير الوطني و الدول العربي من ورائها,و هو ما يمكن أن يفهم من تصريح لوزير الداخلية الفرنسي "بورجس مونوري" في معرض حديثه عن الإجراءات الداخلية و الخارجية الواجب اتخاذها,فتحدث عن ضرورة إرسال مبعوثين إلى الدول العربية و الولايات المتحدة من أجل إطلاعهم على الظروف التي وقعت فيها "الفتنة"في الشمال القسنطيني[xl].

كما أشار رئيس المجلس الجمهوري ف "هلسنكي"إلى عدم قبول فرنسا بالتدخلات الأجنبية في شؤونها,و قال بأن مشاكل فرنسا ليست عفوية أو تلقائية,و هذا في كلمة ألقاها أمام محكمة اتحاد البرلمانيين[xli].

كما لجأت الحكومة الفرنسية إلى تقديم احتجاجات لدى بعض الدول العربية على مواقفها مما وقع من قمع فرنسي عقب الهجومات :"بخصوص إفريقيا الشمالية :فرنسا تحتج على مواقف الدول العربية كفي 01سبتمبر سفير فرنسا بدمشق تدخل لدى الرئيس الجديد"شكري القوتلي"رئيس الجمهورية السورية –ليحتج على نداءات العنف التي بثتها إذاعة دمشق,و تدخل مرة أخرى السفير الفرنسي لدى الحكومة السورية ,كما قام السفير الفرنسي في لبنان من جهته تدخل لدى الحكومة اللبنانية لتذكيرها بالتفهم الدقيق للعلاقات الفرنسية اللبنانية,و كذا سفير فرنسا في القاهرة يوم 02/09/1955 ,و أشارت الجريدة بات سفراء فرنسا قاموا بنفس الإجراء في الدول العربية الأخرى المعتمدين فيها في الأسبوعين الأخيرين , التدخل بالاحتجاج على مواقف هذه الحكومات اتجاه شؤون إفريقيا الشمالية[xlii].

كما تناولت الجريدة بالشرح و التحليل بالإضافة إلى ذلك التصريحات التي وجهتها الإدارة الفرنسية ,والتي ترد على الانتقادات التي وجهت لسياستها في الجزائر , مثل تصريح الحاكم العام "جاك سوستال"عند زيارته لمطار "بول غزال"وسدي بوغزول و كاف لصفر ,حيث قال :"كيف ستغدو الجزائر بدون انجازات فرنسا "ليضيف:"انني أتحدى أولئك الذين ينتقدوننا بشدة بأن يظهروا لنا ما أنجزوه في بلدانهم لفائدة شعوبهم ,كالذي أنجزناه نحن في الجزائر..."[xliii].

كما صرح وزير الدفاع الفرنسي الجنرال كونيغ مبررا الإجراءات الخاصة المطبقة في الجزائر و"إفريقيا الشمالية"عموما بأن الوضعية الخاصة أو الاستثنائية في إفريقيا الشمالية تبرر إجراءات خاصة أو استثنائية[xliv].

و بدوره صرح ممثل فرنسا لدى الأمم المتحدة   "هرفي ألفوند""Herve Alphand عند اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22/09/1955من أجل مناقشة تسجيل القضية الجزائرية في جدول أعمال مناقشاتها قائلا:"شؤون الجزائر لا تعني إلا الحكومة الفرنسية فلا الأمم المتحدة ولا الجمعية العامة أسست للتدخل في هذه الشؤون .."ثم واصل حديثه قائلا:"الحكومة الفرنسية امتنعت إلى حد الآن عن تقديم الشكاوى حول تدخلات لا تطاق في شؤونها الخاصة إلى الأمم المتحدة,إنها تطالب بكل بساطة بأن لا تعطي هذه الهيئة دفعا لهذه التدخلات و الذي سيكون غير عادل ومشئوم.."[xlv].

لقد اكتفت الجريدة بذكر ردود الفعل الفرنسية على مواقف الدول العربية الشاجبة و المنددة بعنف التدخلات الفرنسية في كل من الشمال القسنطيني و المغرب الأقصى,دون أن تتطرق إلى تلك المواقف بالشرح و التحليل, و الأكيد أن هذا التجاهل أمر مقصود و يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الجريدة قد حادت عن الموضوعية و الحياد في نقل أحداث هجومات 20 أوت بالشمال القسنطيني و ما ترتب عنها من قمع فرنسي رسمي و غير رسمي تجاوز كل الحدود  .

 

 

الهوامش



[i] يشير الكاتب الفرنسي كريستيان سوريان بأن الجريدة تأسست سنة 1909لكن عندما اطلعنا لى أرشيف الجريدة بالمكتبة الوطنية الجزائرية وجدنا بأن أول عدد صدر سنة1912,عد إلى:

Christiane sourian,La presse magribine,France ,1975,p83.

 2  P Albert et F ferrou, histoire de la presse ,que sais je ,Presse universitaire de France,3e edition,1976,p 54.

[iii] Alain de sérigny,Lécho d àlger ,t2,France,1974,P55.

[iv]  محمد العربي الزبيري ,الثورة في عامها الأول,المؤسسة الوطنية للكتاب,الجزائر,1984,ص ص :89-99.

[v] Alain de sérigny, op-cit,P130.

[vi] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[vii] L écho d Alger, n 15933, 31/08/1955.

[viii] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[ix] L écho d Alger, n 15940, 08/09/1955.

[x] L écho d Alger, n 15930, 27/08/1955.

[xi] L écho d Alger, n 15928, 25/08/1955.

[xii] L écho d Alger, n 15927, 24/08/1955.

[xiii] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[xiv]Yves courrière, Le temps des léopards, Fayard, France,1969,P208.

و كذلك :محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص130 ومايليها.

[xv] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[xvi] Yves courriere, Yves courriere,

[xvii]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:90-140.

[xviii] Yves courriere, op-cit,P204.

[xix]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:142-143.

[xx]L écho d Alger, n 15949, 18-19/09/1955.

[xxi] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[xxii]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:129-130.

[xxiii] Yves courriere, op-cit,P P 204-205.

[xxiv] L écho d Alger, n 15926, 23/08/1955.

[xxv] L écho d Alger, n 15925, 21-22/08/1955.

[xxvi]  الأعداد :15925-15926-15927-15945.

[xxvii]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص ص:145-146. و   Yves courriere, op-cit,P P 110-111.

 

[xxix]  عد إلى الجدول أعلاه.

[xxx]  محمد العربي الزبيري ,المرجع السابق ,ص :145. و        Yves courriere, op-cit,P P 110-111-112.

[xxxi] L écho d Alger, n 15926, 23/08/1955.

[xxxii] L écho d Alger, n 15934, 01/09/1955.

[xxxiii] L écho d Alger, n 15929, 26/08/1955.

[xxxiv] Yves courriere, op-cit,P P 110-111-112.

[xxxv]L écho d Alger, n 15932 , 30/08/1955.

[xxxvi] L écho d Alger, n 15935, 02/09/1955.

[xxxvii] L écho d Alger, n 15933 , 31/08/1955.

[xxxviii] L écho d Alger, n 15945, 14/09/1955.

[xxxix] L écho d Alger, n 15942, 10/09/1955.

[xl] L écho d Alger, n 15928, 25/08/1955.

[xli] L écho d Alger, n 15930, 27/08/1955.

[xlii] L écho d Alger, n 15938, 06/09/1955.

[xliii] L écho d Alger, n 15947, 17/09/1955.

[xliv] L écho d Alger, n 15949, 18-19/09/1955.

[xlv] L écho d Alger, n 15953, 23/09/1955.