rais.ht.1
الفلسفة و حقوق الإنسان
أ.زواوي رايس
جامعة سيدي بلعباس
كثيرة هي المشاكل والتطورات التي اقتحمت المجال الفكري و الإبداعي للإنسان بدءا من القرن الحديث خصوصا، أو قبل ذلك بقليل، فحتى إذا ما تتبعنا حياة الإنسان وعلاقته بالحقوق و تقرير مصائر الشعوب، نجدها أنها باتت يتشدق بها على الألسن، باعتبار أن عمر الإنسان لا يزيد عن قرنين من الزمن.
الإنسان و الفلسفة ثنائية (Dualité) لا تنفك في علاقتها بالمضي قدما نحو السير إلى الأحسن في كل الميادين الفكرية، الاجتماعية، والثقافية وحتى المعاشية الاقتصادية للإنسان الرمز و المغيّب من الوجود، وجعله يعايش الانتكاس و التقهقر في اليوم مرارا، مما يبشر بالمآل المسدود للفلسفة.
نهاية الفلسفة تكون بالعثور والتسليم على فشل كل الفلسفات التي تقتفي في سيرها التحزب و الوثوقية * للرأي على حساب التعدد و الكثرة التي تبغي فك الربطة التي أمسكت بعمود الفكر و سنامه لعقود من الزمن، حيث أضحى أن المآل قد حان لعهد قد ولّى، ليحل محله عهد ملؤه الفكر و الحوار و التعاون بقابلية فكر الآخر، و ليس إقصائه أو التنقيص من شأنه، لأن كل فكر قد خلا من عنصر التأجج للأفضل إلا شانه.
ba
الفلسفـة و الإنسـان :
تهميش الفكر أو إقصائه من شأنه تقويض كل إمكانية الفعل التقدمي بإيجاد حلول لهذا الخم الذي بات يهدد حياة الإنسان الفكر، من جرّاء التعويل على فلسفة خاصة تقصي فكر الآخر، بل تدعوا إلى إنمحائه و لا تقبل إلا بأحادية الفهم والتفكير بإملاء نماذج تحمل بين طياتها فلسفة القطب الواحد بدعوتها إلى أمرنكة العالم كله برده إلى قرية صغيرة تشترك في الفكر، و المعتقد و العرف و ما يقاس على هذه الأشكال يؤخذ في الحسبان لأنه كفيل بمعايشة عهد جديد من القوة الفكرية والتكنولوجية..، لكن تبق مجرد صيغ لا تعبر عن المضمون في نظر الآخر و المناقض لها، لكن كفاه احتشاما لأنه مغلوب على أمره، بضعف ثقته بنفسه و بدينه كشيء هام، بهذا الشكل الواحد، يمكن القول أن الفلسفة على حافة السقوط من الوجود، حيث يبدو لي؛ أن إمكانية إقرار مثل هذه الملتقيات ذات الفهم الفلسفي الدولي، كفيلة بالاستجواب لعالم التناهي، الفكرة تغليب منطق الفكر الفلسفي في علاقته بالوعي و إقرار موضوع العلوم الإنسانية في الفلسفة المعاصرة، بل أن الوجود الأنطولوجي للإنسان لا يكون إلا برد الاعتبار لهذا الكائن الغريب و المحكوم عليه بالموت من جرّاء التعسف باستعمال الحق.
إن انصباب أرباب الفكر الفلسفي على العمل بإحداث التنسيق لمثل هذه الملتقيات ذات المنحى الفكري، السياسي و الاقتصادي تحيلنا إلى الإنكفاء على الاهتمام بالهوية الإنسانية التي باتت مهددة في اليوم لأكثر من مرة ، بل أن مستقبل العلوم الإنسانية لا يكون إلا بالتفكير داخل بوتقة تحديد أطر ممارسية للفعل الفلسفي للحيلولة عن طمس كينونة الأنطولوجية و هويته الفلسفية و هذا لا يتأتى إلا بموجب إقرار لحقوقه بإيثار للفعل الفلسفي، بل " أن نجاح مثل هذه الملتقيات و الندوات العلمية و الفكرية تكون حصيلة التفاف الرؤى بمختلف توجهاتها حول إنتاج خطاب عالمي موحد "(1) ، يكون مطية إلى الإقرار بهوية الإنسان.
الإنسـان و الديمقراطيـة :
الحديث عن الديمقراطية خلال القرن العشرين خصوصا، يحيلنا إلى أركولوجيا القرن السابع عشر أو قبل ذلك بقليل، من خلال التعذيب العلني والقاضي بحرمان الإنسان من حقوق المراقبة كموضوع أنطولوجي، حكم عليه بالخرص كبقية الأشياء الأخرى، بل أن سيرورة هذا الفعل الحداثي لم يتأتى إلا بموجب رفض كل أشكال القسر التي لحقت بالإنسان و حريته ردحا من الزمن، و التي باتت تنغص من أدنى حقوقه الطبيعية.
عملية المسح لدساتير، و البحث في شتات المعرفة، تجعل من الفلسفة أكذوبة افتضح سرّها لعجزها عن التوقان بهذا الجسد الذي أضحى طيّعا، لأنها بهذا تكون " قد استغنت عن كل تقاليدها، و تبرح لغتها و مصطلحها، وتهجر أدواتها..."(2) لقصورها عن تجاوز مثل هذه الشروخات لفكر الإنسان و كينونته، فكيف يمكن تحقيق أدنى الحقوق؟ و"أن جسد (داميان) المعذب سيظل هو ذاته دليل الجسد الآخر الإنضباطي، حتى عندما ينتقل من مرحلة التعذيب المادي المباشر، و المعروض جماهريا إلى نوع التعذيب الآخر الناعم..." (3) فحتى عملية حمل المذنب على الإقرار بالذنب فيه تعسف و تنكيل بل والتنقيص من شأن الإنسان، الذي بات منعدما بانعدام لحقوقه في الحياة، و في الموت المريح و إلى الأبد.
إذا تتبعنا أشواط التاريخ من العصر الكلاسيكي إلى العصر الحديث، نستشف أن بداية تحقيق أدنى الحقوق الأولية و الشرعية للإنسان، لم تكن إلا بالتضحيات وممارسة السلطة المعرفية بطريقة محتشمة خلال القرن الحديث و الأكثر المعاصر.
الإنسـان بيـن السلطـة و المعرفـة :
ممارسة فعل الخطاب القسري والإنضباطي على جسد الإنسان، أفرز إنكار وشجب من الرافضين للفعل الممارستي لفعل الموت والتنكيل العلني، والذي أدى إلى مقاومة أضحت تبشر ببزوغ تداعيات تجسيد حقوق الإنسان وتقرير مصائر الشعوب.
إن التضحيات التي حملت على فكر الإنسان و جسده لمدعاة إلى تبني سياسة ممارستية لسلطة المعرفة، لأن معرفة الإنسان لذروة الوعي، ولذاته ولغيره في الحياة والفكر كفيلة بممارسة سلطة قويمة غرضها اقتفاء إستراتيجية محكمة تحسن تسيير آليات البحث ومعالجة كل االخروقات التي من شأنها تقويض بقاء الإنسان والتعجيل بانمحائه، بانمحاء لوعيه وتاريخه.
الدفاع عن المجتمع، و عن مقوماته، لا يكون إلا بمنأى عن الهوة التي أحدثت شرخا في ركح البناء المجتمعي، و الكفيلة بالقضاء على أسس المسايرة و الحداثة الفكرية والإنسانية.
فهل استطاع الإنسان الغربي اليوم إحداث التغيير لتحقيق حقوق الإنسان بامتلاكه لثنائية سلطة المعرفة؟
إن حل النزاع الذي نبغيه إلى شظايا متناثرة يكون من خلال ثنائية الممارسة الفعلية لسلطة المعرفة، بحيث أن السلطة بمثابة آليات جزئية لها القدرة على التوغل داخل المسار المقدس للمجتمع، والبحث في المعرفة الخارجية لهذا الزخم الفكري والمؤسساتي، لكن انحسار فكر الآخر الموسوم بالوهن هو الذي أتاح إمكانية الحكم على نفسه بالانزواء والخوف من السلطة الزمنية، ولو أن هذا الآخر قد أكتسب المعرفة واستطاع توظيفها في آليات إستراتيجية، بحيث يحدث التغيير في سياسة المقنن لاستطاع تحديد معالم فكره ووجوده وبالمثل لحقوقه.
قراءتنا هذه، تجعلنا ندرك، لننظر أن العالم تحكمه قوانين سمعية، ملفوظية يذعن لها التابع و المتبوع، و أخرى مواقعية تعبر عن نقاط الضعف التي ألمت بالشعوب المتخاذلة والضعيفة، و ما أمكنة (Localisation) المؤسسات العامة كالثكنة والسجون والمعتقلات التي تحمل في ظاهرها الإقرار بالعدل و حقوق الإنسان، و باطنها الأخذ بالتنكيل وبممارسة فعل الإخلال الخلقي و الإنساني و المقصي لفكر الآخر من خريطة المواضعية باسم الحداثة و تقرير مصائر الشعوب وحقوقها البّراقة، و هذا كله بانعدام سلطة المعرفة، فالسلطة التي أخذها الفكر الغربي و الفكر الفوكوي (Foucaldienne) خصوصا أضحت لمسات رسمت على الماء بل بالأحرى خوّلت للإنسان الغربي امتلاك سلطة القمع و مكافحة الإرهاب تحت مطية حقوق الإنسان. فأي حقوق هذه المتشذّق بها في المحافل الدولية و المنظمات العالمية، وأن هناك شعوب بكاملها قد قضي نحبها بدعوة الحفاظ على الأمن، وما معتقلات غوانتنامو (Guantanamo) وغيرها إلا إحدى معالم الرجوع إلى سلطة مكياڤلي؛ "ولم تنجح العقلنة التشميلية في إلغاء هذه المساحة الغامضة التي تشغلها الجاهزيات القضائية و الجرمية، فلقد ظلت مؤسسات الإصلاح و العزل تنمو بذات إيقاع المجتمع الصناعي حتى إلى ما يتجاوزه نحو مرحلة ما بعد المجتمع الصناعي نفسه، وصولا إلى الجريمة المنظمة التي تخترق العالم المعاصر كله من مراكزه الأوربية و الأمريكية " (4) مما عجّل بغياب وشك لحقوق الإنسان، بكثرة مثل هذه المؤسسات المتصفة بالجاهزية.
وأمام هذا المد المتزايد من القمع الإنساني، غدا الصراع الذي حدثت رحاه بين المؤسسات المقننة للقوانين،
و بين الشجب لأشكال الممارسات السلطوية، ظهور منظمات ناشئة، " شارك فيها المفكرين و المصلحين الاجتماعيين و الكتاب و الصحافيين بتطوير أشكال من الدعاية و الحماية للعمال و الأطفال و النساء وصولا إلى سن القوانين الحديثة المصاحبة لنشوء النقابات و الاعتراف بشرعياتها " (5) لإحداث الوعي بفساد الأنظمة و قوانينها، و المخلة للمواثيق الدولية التي تنص على حقوق الإنسان و أحقيته في الملكية و المقاومة، لكن بقي علينا أن نشير، أن امتلاك الشعوب المغلوبة على أمرها لذروة الوعي بوجودها و بحقوقها المشروعة والطبيعية لمدعاة إلى تبني سياسة ترفض التبعية لقناعتها الفكرية بأنها تضاهي الآخر في الحقوق، إذا ما هي امتلكت أسباب القوة والتغيير، و هذا لا يكون برأينا إلا بالرجوع إلى الدين.
إن أشكال السلطة الزمنية، من مؤسسات و معتقلات وسجون، لم تزد من الإنسان إلا عزما على استرداد كل ما سلب منه لقناعته بأحقيته، بحيث أضحى السجن ملاذا يلجأ إليه المعتقل الأخذ على عاتقه نزع ما أخذ منه بالوعي بذاته وبوجوده بحيث يعتقد الآخر بأن الأجهزة الجاهزية المباشرة الكامنة في أشكال المعتقلات والحبس و غيره، من شأنها تقويض فكر الآخر لجعله يذعن لسيده، لكن بقي عليه أن يتذكر أن الوعي كفيل بانحسار مرامي الآخر وتقهقره أمام ذروة الوعي بإمكانية النضال، لأن مثل هذه الدعاوى هي هدم لمواقعية الجسد وليس قتل لروح الوعي.
الفلسفـة و العنـف :
ممارسة فعل الخطاب القومي و الموسوم بالديمقراطية فيه مذاق خدّاع، يبتغي تأسيس جبهات مناوئة لها، بإحداث شروخ بين الدول المالكة لأحقية الآمر والناهي، وبين دول أخرى تابعة لها، و ملتزمة بأوامرها، مما يخول لها التدخل في شؤون الدول التابعة والمغلوبة على أمرها، بدعوة حماية الأقليّات و نشر الديمقراطية و الحريات مما ينعكس سلبا، و بالمثل يتيح لها ممارسة العنف و القوة اللتان لا تنفصلان عن فلسفتها السياسية المخلة بحقوق الإنسان و الداعية إلى تبني مزيدا من العنف و الإقصاء، لأن "الحق أضحى مؤسس على طبقات مطابقة للنص المراد تفسيره " (6) سلفا، ليكون النص دعوة إلى الإقرار بالحقوق و العدالة والقانون من صنع الدول المشرّعة لها و القاضية بتسييس المنظمات الإنسانية بالقوة و العنف، مما مكّن فعل الفلسفة من حل هذا المأزق المصطنع والقاضي بإقصاء الآخر من الخريطة المواضعية.
يعتقد جاك دريدا (jacques Dérrida) أن ممارسة الحق و القانون بالشكل اللازم والكافي يكون من خلال المسار التّاريخي القاضي بالتحوّل من الاعتماد على سياسة قويمة، ديدانها بلوغ ذروة الوعي بقضاياها الإنسانية و التاريخية و التي أقرتها المواثيق والقرارات الدولية والإنسانية، لأن الديمقراطية "لا تبحث عن مكانها إلا على حواف الحدود غير المستقرة والشبه المنعدمة بين الحق و العدالة، و أكثر بين السياسة و ما وراء السياسة " (7) بدعوتها إلى العنف لبلوغ أغراضها، لأن مثل هذه الفراغات الكامنة هي بعينها القاضية من الدول المتشدقة بالتدخل لحماية الديمقراطية و صيانة حقوق الإنسان ضد المد الدكتاتوري والمتسلط كما فعلت أمريكا في العراق و في دول أخرى لغياب الوعي السياسي و الجماهيري، مما خلق عنفا ناتج عن تجسيد فلسفة أحادية، بهذا تصبح الفلسفة على حافة التلاشي لعجزها عن تحقيق الرفاهية و الحقوق للإنسان الرمز والوعي، فالغرب اليوم أضحى يؤمن بأن تحقيق العدالة لا يكون إلا بإقرار القوة، بل " أن ضرورة القوة هي ملاذ سيرورة عدل العدالة " (8). مما جعل العدالة بهذا الشكل نوع من ممارسة العنف، فالحق و السياسة نشأ من منبع واحد هو العنف، بل أن العنف والسياسة شقيقان نشأ من رحم واحد هو إبادة الآخر اللاوعي بفعل امتلاك فلسفة بمقدار مقاسهم: "لأن التكنولوجيا المعاصرة للاتصال و المراقبة و الحجز تضمن للشرطة امتلاك خاصية الوجود الكلي و المطلق معا " (9) بإقصاء فلسفة الآخر والتعجيل بموته و بحقوقه على حساب الغير.
بالرجوع إلى فكر فوكو نلمس أن هناك شبه انسجام مع فكر دريدا حول المراقبة والمعاقبة و القاضية بحرمان الإنسان من أدنى حقوقه بممارسة فعل المراقبة البوليسية للشرطة والاتصال، مما يبشر بانحسار الإنسان رويدا رويدا من الوجود.
إن تعطش شعوب العالم برمتها إلى الديمقراطية الأمريكية هو الذي فتح المجال واسعا أمام القوى الأخرى لممارسة الوصية عليها، بزرع الفتنة و العنف لضعفها وتقاعسها عن تسييس حقوقها و وعيها بذاتها و وجودها، مما جعل العالم كله أمام مشاكل خانقة تستدعي وجود فلسفة يشترك فيها الغالب و المغلوب معا للخروج من دائرة العنف التي أتت على الأخضر واليابس، وعلى مشرعيها بالمثل، و هذا لا يتأتى إلا بالرجوع إلى الشرعية الدولية و باحترام الأقليات و الحريات و التي أقرتها مواثيق حقوق الإنسان.
فكيف يمكن إذن إعلان عن حقوق الإنسان، " وأن هناك دول حقيرة، في القوة والفعل" (10) تمارس العنف ضد العنف بدعوة ضمان وإقرار حقوق الإنسان، مما يحيلنا هذا الفعل إلى تبني فلسفة مشتركة يساهم فيها المقموعون والمغلوبون على أمرهم ضد القوى الإمبريالية الصاعدة لنظام الحكم الواحد في العالم، مما يبشر بالموت الوشيك لهذه الأنظمة الجائرة.
الإنسان بين الدين و الفلسفة : إن انحسار فعل الفلسفة بموجب فرض القسر من الدول الناشئة على حقوق الإنسان، قد جعلها قاب قوسين أو أدنى بحرمانها بخلق الوعي لدى الأقليات، مما حتم عليها معايشة اليتم و العقم عن إيجاد الحلول لهذا الخم الذي أضحى منتهيا.
فالخروج من هذه اللأواء، أضحى مرتبطا بإقران الدين و الفعل جنبا إلى جنب لإيجاد صياغة أكثر ملائمة للإنسان يحترم فيها القوي و المغلوب على أمره معا، لأن: "الخطر الملازم للعقل، للعلم و للمعرفة يكون بجهلنا لهذا البعد الإيماني اللامقبول " (11) من خلال مقت المشرع للدين كما لو كان مقوض لمصلحته الخاصة، لأن إدراك الحق والوعي يكون من خلال بلوغ قمة الفلسفة الدينية بعيدا عن التزمت و رفض الآخر والنظر إليه كمعادي للفكر و للمدنية، بل أن ممارسة فعل الوعي والحق هو قيد عقلنة الدين بشرط ألا يحدث هذا الإقران معاكسة.
هل تراجع فعل الفلسفة إلى الوراء، كفيل بأن يكون للدين دور في ملأ هذا الفراغ ؟ ولماذا كل الخوف من الدين ؟ أليس الخوف هو ترك لخوف آخر هو الفراغ ؟
تكاد تجمع كل القوى الفكرية بأن إثارة سؤال الدين بمرأى من الناس، فيه تعسف، وكأنه خطاب صريح موجه للفكر السلفي الذي يدعي بأن ضمان الأطر الممارسية للحقوق من خلال الدين يردنا إلى القرون الوسطى لعصر المناظرات، لكن ألا يمكن أن تكون هذه المناظرات الدينية للقرون الوسطى، هي مناظرات علمية و دينية معا، اقتحمت مجالا خصب لحقوق الإنسان ؟ بإيجاد صيغ جديدة و ملائمة لخلق الوعي لدى الإنسان بفكره وحقوقه و انتزاعها من الآخر.
إن فشل الفلسفة على إيجاد حلول لهذا المأزق غير المسدود، يستدعي تكييف الفعل الفلسفي تحت مظلة الدين ليقع العثور على توبة تضمن للإنسان التملص من هذه الربطة، فالخوف من الدين هو خوف على المصالح والمنافع الشخصية، وهو الضامن لحقوق الإنسان.
يعول الفكر العلماني على تجاهل دور الدين و اقتحامه لمثل هذه المشاكل للفصل فيها، وكأنهم يريدون منه أن يكون قيد الركوع و السجود أي أن الخطاب الديني له مكانه وزمانه، وهو ما جعلنا أمام استفحال لأزمات خانقة من جراء القصور والخوف من الآخر وليس محاورته*، هل يريد منا الغرب العلماني أن نظل تابعين غير واعين مصابون بالخزي لعدم معرفتنا بأنفسنا و حقوقنا؟ هو بلا شك إقصاء لهويتنا و طمس لها إلى الأبد، لنبق مخدولين لا واعيين، " لأن الدين هو غير مقبول "(12) باعتباره مخلص الشعوب من ربطة الجهل و الإمعة اللتان أمسكتا بالفكر ردحا من الزمن، ربما يكون دريدا يمقت ضرب من الدين هو الاعتقاد السلبي فقط. لابد مما ليس منه بد، أن الإقرار بحقوق الإنسان في القرن العشرين تحت مطية الديمقراطية و احترام الأقليات بتقدير مصائرهم في الحرية، كان على حساب الآخر و المعذب به علنا، فعملية التقتيل و الإبادة الجماعية إلى حد التنكيل بالإنسان قد أفرز تغيير المواثيق التي حكمت النواميس العالمية فترة من الزمن، مما يبشّر بأن ميلاد جديد سيرتسم في الأفق هو ميلاد الإنسان الوعي الرمز.
فخلال ثورة 1968، بدأت تتحدد معالم حقوق الإنسان بتقفي فعل الفلسفة كمخرج من العراك المصلحي الذي يحكم العالم برمته، و الذي زرع الوعي لدى الشعوب المناضلة والمؤمنة بقضاياها لحملها على التغيير.
الحقيقـة والوعـي : يريد الآخر من الإنسان أن يظل تابعا أخرص يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه قسرا بمعايشته اللاوعي، هذه الحقيقة التي يحملها فكر الإنسان تبق في صمت لاشعوري، يحتاج إلى من يظهرها، لتجادل و لتثبت الحقيقة، إن هي اقتنعت بحقيقتها في الوجود والتغيير.
إن تناسي وتغييب حقوق الإنسان إلى حد الانمحاء، كفيل بالقرب الوشيك لنهاية الإنسان، إذا ما تقاعست الفلسفة عن الدور المنوط بها، لأن تلك اللغة التي فرض عليها الكبت، عليها أن تظهر حتى وهي تحت التعذيب من خلال تفوه المحكوم عليه علنا بقوله "الحرية" بدل "الرحمة"، فوعي الإنسان بذاته و بأسلوبه في الحياة لا يكون إلا بانتزاعها نزعا، فثنائية الحقيقة والوعي ترتبطان بالعودة إلى الدين لأنه الملاذ الأول والآخر لحقوق الإنسان بفشل كل الفلسفات الوضعية لحملها على المنفعة و المصلحة الخاصة، يقول جيل دولوز (Gilles Delleuse) " لأن الفلسفة أضحت تطرح موضوعها، بدل أن تبحث عن إيجاد الحلول لأي سؤال كان"(13) و هذا كفيل بعجزها أمام الشتات من المشاكل التي تقف حيالها بالعجز و الضعف.
و لا غرو، أن يكون تأسيس مستقبل حقوق الإنسان ظاهرا في الكفاح و النضال من أجل التحرر وتقرير مصير الإنسان، ما يحدث الآن في بقاع العالم من موت و تعذيب وتنكيل بالجسد و الروح، لم يزد هذه الذوات إلا عزما على نيل الحقوق حتى و لو كلف ذلك زهق الألوف من البشر، بل إن موت الإنسان المعاصر كان بموجب تجسيد حياة أفضل للحقوق والحريات لقول عمر مهيبل : " هناك أماكن على سطح المعمورة لا يزال الإنسان يستطيع أن يثبت فيها إنسانيته، ففي الفيتنام و أمريكا الجنوبية مثلا هناك رجال يموتون من أجل أن يحيا الإنسان، يكافحون من أجل مستقبل أفضل للإنسانية، إنهم يطالبون باستقلالهم و شرفهم من إمبريالية بربرية ذات أوجه متعددة "(14) ، إن ما حدث في الكسوﭬو و يحدث في العراق وفلسطين وأماكن أخرى في العالم، لدليل على تطلع هذه المجتمعات إلى الحرية بتقرير مصيرها.
المثقـف و حقـوق الإنسـان :
ربما الغلو في الإفراط بتقنين الحقوق، حسب المقاس المحدد للنخبة المثقفة، هو الذي خلق الوعي باستردادها من خلال تدوين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948 – 2006)، حيث خاض فيها المجتمع معارك، و فتح جبهات أخرى مناوئة ومعادية إلى حد السخرية بمبادئ الإعلان، دعت الحاجة إلى وعي الإنسان بقضاياه العادلة، أضحى بموجبها يؤمن بالفكر التقدمي للتحرر و الإنعتاق وسط الثورة و فرض العنف للتنازل عن حقوقه.
حرية المثقف لا تكون إلا بممارسة الفعل الخطابي الفعلي بتفتيت العتبات التي من شأنها تقويض فكره ومساومته في حقوقه، فكر المثقف على مر الخمسين سنة الماضية لم يعرف المساومة و لا المهادنة، اللهم إلا لنيل الحقوق و تجسيدها.
فعلى مر نصف قرن أو أكثر بقليل، صدرت مواثيق كلها تعلن عن روح الميثاق برعاية حقوق الإنسان وحفظها، "فالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب (1981) ومشروع الميثاق العربي لحقوقه (1986) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام (1981) وإعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام (1990)، كلها تسلم بصورة معلنة بروح إعلان 48" (15).
إلا أن هذا، و إن كان ينمّ عن التداخل في القبول بروح الميثاق و بنوده، ففكر المثقف يرفض المساومة و المهادنة معا، لأنه مساس و تقويض لفكره ووجوده، كل شيء يدل أن انفجار الوعي الحقوقي الذي أوجده الإعلان كان بتوالي صدور مواثيق جزئية، مما يستدعي النظر في بنوده مما يتماشى مع روح كل عصر ومصر، وهذا لا يكون إلا بحمل المثقف على جعل الآخر المكابر يذعن للتغيير.
هل نحن ملزمون بالانصياع لفلسفات تنسينا حقوقنا و قيمنا ؟
لأن فلسفة القرن الثامن عشر و التاسع عشر شرّعت للفكر الغربي بالدرجة الأولى دون بقية الشعوب الأخرى التي اعتبرت تابعة و خادمة لها، " ففلسفة الأنوار و مبادئ الفكر السياسي الليبرالي و الإشتراكي كما تبلورت في فلسفات القرون الثلاثة الأخيرة " (16) ، هي خيالية لا تمس إلى الواقع في شيء، و مقننة وفقا للمرجعية الغربية، حيث يخوض المثقف اليوم، حربا بلا هوادة على مشرعي المواثيق و القوانين، مما جعله مهمّشا، يعايش الموت والتقهقر.
الدين وحقوق الإنسان :
إن استقراء أشواط التاريخ الإنساني، تدل على أكثر من إمكانية للفعل على عجز كل الفلسفات برمّتها عن تحقيق ما يصبو إليه فكر الإنسان من خلال الإعلان عن حقوق الإنسان في القرارات والمحافل الدولية، بل أن موت الآخر كان ولا يزال بموجب الدعوة إلى حق الإنسان في تقرير مصيره.
بداية الألفية الثالثة، ستكون المنعطف الأكثر حسما في تاريخ الإنسانية، لأن الفراغ الذي نجم عن الخروقات، كان لابد من إكماله وملئه: "بالدفاع عن القيم والبيانات الإسلامية العالمية لحقوق الإنسان "، لأهمية الهداية الإلهية في التاريخ ضد مفهوم الطبيعة الإنسانية الفاعلة ..". (17)
وحتى تكون مطابقة لروح القصد يجب مطابقتها وتكييفها لمقتضى العصر وظروفه وأحداثه بما لا يتنافى وشرعية القوانين، لأن التفكير في المطلق هو إخلال بالنظام الكوني لسير النواميس الإلهية، كما أن القبول بها هو إجحاف لفكر الاجتهاد.
من نافل القول، فإن تجسيد الإعلان، لا يكون إلا بإشراك كل المرجعيات في تبني جوانب حقوق الإنسان، وغيرها من الثقافات الدينية المناصرة لهذه الحقوق، بل أن الصمت الذي لازم الإعلان لسنة 1948، أضحى اليوم على شفير الهاوية لبلوغ الفلسفة الدينية للمرجعيات الأمميّة، بالدفاع عن ضرورة تغييره بإعادة تدوينه "ديباجته وبنوده في ضوء المتغيرات الكبرى، التي لحقت الوعي الإنساني موضوع حقوق الإنسان" (18) ، لأن القبول بما هو جاهز هو إهانة للإنسان وللشعوب على السواء، لدى نرى أن هذا المشروع ما أتى إلا ليكرّس سياسة التفرقة والغلبة للآخر وتهكم للإنسان العادي.
إن عدنا إلى التاريخ، نجد بأن الأمير عبد القادر، بصرف النظر عن كونه كان صوفيا، فقد آمن بالحوار بين الديانات، بل ودعا إليه، كما وناضل من أجل ترسيخ حقوق الإنسان داخل الوطن وخارجه، نعتقد أن التقريب الذي أحدثه الأمير بين العرب والمسيحيين يمس إيمانه القوي بفكرة تقرير حقوق الإنسان فبل الإعلان عنه أممياّ عام 1948.
من أين استمد الأمير عبد القادر الصوفي، هذه الحقوق المشروعة ؟
لا مناص، أن يكون الأمير قد ارتوى في صباه الملئ بالغزو والنضال ضد الآخر لمبادئ قبل أن تكون إلهية، فهي طبيعية، فهو بهذا كان منطقيا حتى في حواره مع الآخر، لإجباره لحقوق الإنسانية المشروعة المبدأ الديني الإسلامي ومنه انبثقت الشرعيات كالحقوق الطبيعية والاجتماعية.
إن استقطاب الإنسان الآخر، كان بموجب الاعتقاد في الإسلام بأنه الملاذ للتحرير من التبعية ومن الرقّ، لقد دعا الإسلام إلى رفض تجارة الرقيق والدعوة إلى تحرير الرق، لقول الرسول عليه السلام : "للمملوك طعامه وكسوته، ولا تكلفونه من العمل مالا يطيق "(19) ، فالحرية والحياة متساويتان في المنطلق والمصب، بتحديد الإسلام لضرورات الحياة والعيش للرق، بل أن اليسر اتجاه المملوك قد أوصى بها الإسلام، لأن الموت محكوم بالحياة في الشريعة لقول الله : " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة "
كما أن الخطأ الكامن في الانزلاق وراء المصداقية الخداعة لهذه المجازات الرنانة المتشدق بها في المحافل الدولية والمنظمات، خطير، ويبدو مرعبا خاصة إذا تعلق الأمر بالمشكلة العنصرية، فالعنصرية، بيضاء كانت أو سوداء تحمل في تعريفها خمائر العنف.
كثر الحديث عن حقوق الإنسان لتقرير مصائرها في الآونة الأخيرة، نظرا لخروقات ارتكبها مقننها لخداع الآخر بهذا الشعار البراق بكونها حافظة لحقوق الأقليّات المستضعفة في مشارقها ومغاربها، من أجل البراغماتية، أضحى الدفاع عن الشعوب المغلوبة على أمرها، أمرا متداولا مرارا في اليوم ، أليس هذا هو الدعوة إلى موت الإنسان العادي ؟ ألم تجسد هذه القوى الحقوقية فلسفتها في الحياة ؟
بلا شك، أضحينا نعايش فلسفة الموت لداروين وليس التناحر، لأن إقصاء الآخر هو التحاكم بالقطب الواحد المقنن والمنفذ لحقوق الإنسان على مضض.
تحقيق المساواة وتقرير مصائر الشعوب، هو كفيل بالعودة إلى تحوير الفلسفات الوضعية المعلنة لحقوق الإنسان مع إيثار الجانب الديني لإقراره للمساواة في كل أشكالها وجوانبها، وهذا لا يكون إلا بالاعتراف الكلي بكينونة المغلوبين على أمرهم، بل أن القبول بفلسفة حقوق الإنسان، لمدعاة إلى تبني سياسة التفرقة وترجيح القوي دون سواه.
الهوامش
*مذهب من يثق بالعقل، و يؤمن بقدرته على إدراك الحقيقة و الوصول إلى اليقين، هي صفة عقل يثق بنظرياته و يعترف بما لها من سلطان.
للإستزادة:
أنظر: جميل صليبا، المعجم الفلسفي، الجزء2، ص 554.
01- Jacques Derrida, marges de la philosophie, collection critique, les éditions de minuit, paris, juillet 1985, p.132.
02- Ibid.
03- ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة، مركز الإنماء القومي- بيروت، د: (ط)، 1990، ص 32.
04- المصدر نفسه، ص34.
05 – المصدر نفسه، ص ص 36-37.
06- المصدر نفسه، ص38.
07-Marc Goldshmit, la philosophie politique tout autrement, magazine littéraire, Jacques Dérrida : la philosophie en déconstruction, n°430, avril 2004, p.34.
08- Ibid.
09- Ibid.
10- Ibid.
11- Ibid.
12- François Nault, la question de la religion, magazine littéraire, Jacques Dérrida : la philosophie en déconstruction, n°430, avril 2004, p.37.
13- Ibid, p.38.
14- qu’est ce que la philosophie ? Carole Magné, sciences humaines, n°03, mai – juin 2005, p.87.
15- عمر مهيبل، البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون (الجزائر)، الطبعة الثانية، 1993، ص99.
16- كمال عبد اللطيف، الحداثة والتاريخ : إفريقيا الشرق- بيروت، 1999، ص68.
17- المرجع السابق، ص70.
18- المرجع السابق، ص70.
19- المرجع السابق، ص74.
20- سورة النساء، الآية 92.
أنظر : محمد عمارة، الإسلام وحقوق الإنسان، ص ص 21-22.
