meraoufel.ht.1
مـملكـة الغربـاء الخلاصية في فلسفة ابن باجة
أ . مروفل كلثوم
جامعة سيدي بلعباس
أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو : ما مصدر فكرة الخلاص أو بالأحرى ما دافع البشرية إلى تصور منقذ (sauveur) أو مخلص ؟وما الهدف المرجو من وراء الاعتقاد في وجود مخلص ؟
ربما الخوف أولى أمهات الاعتقاد بالمُخلص ، وخصوصا الخوف من الموت ، فصراع الذات مع الموت بدا واضحا على مر التاريخ ، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بالأخطار وقلّما جاءتها المنية عن طريق الشيخوخة الطبيعية ، لذا جاهد الإنسان البدائي للاعتقاد في طوطم يُخَلِصُهم من الموت ويضمن لهم البقاء ولو لفترة أطول، لكن معنى الخلاص أخذ معاني مختلفة لاسيما في الديانات الوضعية كازرادشتية التي تؤمن بوجود مُخلص يتمظهر في إله الخير "آهورامزدا" الذي سينتصر في اليوم الآخر على إله الشر "أهريمان" ويخلص العالم من الشرور والمفاسد والبوذيين الذين يؤمنون بعودة بوذا إلى الدنيا لتخليصهم من النزوات والشهوات التي تسيطر على نفوسهم ، حتى الديانات السماوية تؤمن بالخلاص كاليهودية التي تنتظر المسيح "مسيا" لتخليصهم من الاضطهاد والظلم الذي يكابدونه وينصر "شعب الله المختار" -حسب زعمهم- ، والمسيحين الذين ينتظرون عودة عيسى عليه السلام ، والمسلمين الذين ينتظرون المهدي عليه السلام ، إلا أن الخلاص يُؤخذ على معنيين : خلاص بفعل مُخَلِص قد يكون إله أو شخص ذو عزم وقوة وخلاص بفعل الذات أي خلاص الإنسان من ذاته بذاته أي من شهواته بفضل اجتهاده المستمر و زهده المتواصل وعزوفه عن الدنيا ، كي يعيش سعيدا وهذا النوع من الخلاص سبق ووجدناه عند البوذيين ، وسنجده في فلسفة ابن باجة لكن من وجهة مغايرة نوعا ما ، فسنجد المُخَلِص – حسب ابن باجة- في ثوب الغريب المتوحد الذي تُعول عليه المدين الفاضلة في حصولها ،كما سنكتشف ذلك من خلال هذا النص .
ba
يقول ابن باجة : "... و كأن السعداء إن أمكن وجودهم في هذه المدن فإنما يكون لهم سعادة المفرد (...) و هؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء لأنهم و إن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم و جيرانهم غرباء في آرائهم قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان (...) و نحن في هذا القول نقصد تدبير هذا الإنسان المتوحد"(1)
هذا النص يضع بين أيدينا كشفا حاسما عن طبيعة معنى الغربة الذي يحتمله مفهوم التوحد، فالغربة تأخذ معنى التوحد أي تموضع الذات في ذاتها و تموضعها في وطن موحّد الآراء ويُلقب ابن باجّة المتوحد بالنابتة أي الفرد المنعزل الذي يعيش في نفسه أو مع غيره، كما أن لفظ المتوحد يطلق على مجموعة أفراد دفعة واحدة، إذ طالما أن الجماعة لم تأخذ بعادات هؤلاء المتوحدون و لم تتبع تقاليدهم، فإن هؤلاء كما سماهم ابن باجة نقلا عن الفارابي و
المتصوفة يظلون رجالا "غرباء" وسط عائلاتهم و مجتمعهم ذلك لأنهم مواطنو الحكومة الكاملة،الذين تدفعهم جرأتهم العقلية إلى استباق حدوثها (2)
المتوحّد هو المنفرد بنفسه الذي جعل فرادته هيئة لوجوده، فما يتفرّد به هو ما يتوحّد لأجله، و لأنه لا يعاني من وحدته هو فيلسوف و أن مهمة وجوده هو تهذيب الوحدة بضرب خاص من الوطن و ذلك هو معنى التوحّد، غير انه يحسن بنا ألا نظن بالتوحّد أنه مجرّد حنين إلى الوطن أو إلى وطن لا وجود له، فالتوحّد ليـس صفة حنينــة
قد تصيب المفارق للجماعة كذلك هو ليس فشلاً بائسًا في البقاء في عصمة الجماعة.
إن المتوحد هو غريب الرأي لا الوطن، و توحّده هو تدرّب عسير على الإقامة على حدود وطن عقلي هو مطالب سلفا برسمه لنفسه في كلّ مرّة.
إن التوحّد فنّ مخصوص يعيد ترتيب العلاقة بالمكان لأنه ينطلق من ضرورة حاسمة لإعادة رسم معنى الوطن، فالأمر يتعلق في كلّ مرّة بضرب من تدبير المكان سواء كان ذلك تدبيرا للعالم أو المدينة أو المنزل، ولأن ابن باجّة يعرض عن الضروب الثلاثة من التدبير ليبحث عن تدبير خاص بالفيلسوف الغريب ويتساءل عن "بيئته" الأصلية أعني كيف عليه أن يسكن العالم الفلسفي الذي يشيده في كلّ مرّة ؟ إننا إذا كنا اليوم نفكر بطرح "أيكلوجي" لعلاقتنا بالعالم من حيث هو البيئة الوحيدة للإنسان، فإن ابن باجة إنما كان يفكر بالفلسفة بوصفها البيئة الوحيدة للمتوحّد؛ فالنابت مدعوا سلفا إلى ضرب من الوطن الذي اخترعه لنفسه كبيئة فلسفية خاصة في انتظار حدوث المدينة الكاملة، مدينة الغرباء.
إنه توزيع جديد تماما في كل مرّة لارتسام مواضع جدد و إطوبيا لا ذاكرة لها غير ما يفلح الفيلسوف في إنشائه بنفسه و قد أفلح ابن باجة بطرح إشكالية المتوحّد في دفع إمكانية السؤال من الفيلسوف إلى أقصاها، و ذلك هو معنى الاقتراب الغامض من مسألة الوطن، باعتباره الأفق الخلفي سواء للبحث الأصيل في معنى التوحّد أم للشروع في السؤال عن الموضع الذي يقف فيه الفيلسوف.
فأين يتحدد موضع المُخلص المتوحّد ؟
لاحظنا جليا أن ابن باجة يحرص حرصا طريفا على استبعاد معنى التدبير من جهة ما يطلق على الإله مدبر العالم وعلى اختصاص الإنسان به دون غيره و لذلك فما يبدو نقلا لمعنى التدبير من أفق الإله إلى أفق الإنسان ليس مجازا ولا تجوزا في العبارة بل هو صادر عن قصد إشكالي ليس من السهل تبيينه، ربما هو فَـعَل ذلك من
قبيـل أن التدبير شأن مختص بالفكر و الرويّة و الفكر شأن إلهي سواء أصابه الإله أم الإنسان، بيد أن ابن باجة يصر على النقطتين إلاّ أنه لا يقصد "التدبير المطلق" الذي هو شأن الإله قد يتعلق الأمر إذن بالشبه المضنون بينه وبين إيجاد الإله للعالم" كأن الإنسان مدعو إلى إيجاد العالم مرّة أخرى على طريقته(3)، وهنا تتحدد العملية الخلاصية.
إننا ندفع بشأن الإعراض عن شأن الإله إلى شأن الإنسان مع التدبير أو التخليص، ندفع إلى نحو من المساءلة بحيث يكف أن يكون مجرّد حرص منهجي يجدر بالمتفلسف أن يأتيه في بعض موضع من تفكيره، إن الأمر يتعلق بقرار فلسفي على درجة عالية من الخطورة ، إن ما أقدم عليه ابن باجة هو إزاحة الاعتبار التقليدي لمبحث الإله (4) ، و الإقبال على تنصيب فلسفي لإشكالية الإنسان في صناعة الفلسفة عامة.
إن مسألة "البدء" الفلسفي لإشكالية العملي قد وجدت في السؤال عن الإنسان موضعها الأصيل. إن الإعراض عن التدبير الإلهي و الاقتصار على البحث في التدبير الإنساني إنما ينطوي على قرار واقعي؛ إنه إعادة ترتيب للموضع الذي يقف فيه الفيلسوف المخَلِص(5).
لذلك لا ينبغي أن نحدّق بالإنسان هاهنا بوصفه مجرّد غرض من أغراض التفلسف أو موضوعة عادية لكتاب، بل باعتباره موضعا رسمه ابن باجة بعناية مشهودة، غير أن توضيح طبيعة هذا الموضع إنما تبقى مسألة مثيرة للبحث. فموضع المتوحد لا هو المدينة و لا هو المنزل ، لذلك فالنظر في أمر المتوحّد لا هو انخراط في الفلسفة المدنية التي وضعها أفلاطون تقليدا لكلّ تفكير بماهية المدينة و بطبيعة منزلة الفيلسوف داخلها، و لا هو استئناف لإشكالية كان البلاغيون قد أعطوا عنها صيغة أولية.
ليس المتوحّد متوحّد المنزل و تدبيره ليس بالتدبير المنزلي، و ذلك لأن مبحث المنزل نفسه لا يملك من وجاهة تخصه غير ما يستفيد ه من مبحث آخر مؤسس له كلّ مرّة، مثل مبحث المدينة أو أي مبحث آخر، كذلك فمبحث المتوحّد يخرج بمحض صعوبته الخاصة عن مبحث المدينة، رُبّ مبحث ظل لدى القدماء من أفلاطون إلى الفارابي قيد إشكالية المدينة الفاضلة ، و هنا نعثر على قرار فلسفي هام أقدم عليه ابن باجة، إنه الكفّ عن التفكير بمنزلة الفيلسوف من زاوية إشكالية المدينة الفاضلة بخاصة، ومن ثمة الشروع في البحث في إمكانية الفحص عن معنى الوجود الذي هو شأن الفيلسوف، لا في ضوء مدينة مأمولة بل في أفق المدن الموجودة في هذا الزمان(6) .
إن غرض التفلسف إنما لم يعد افتراض مدينة فاضلة، الوجود لها أنها توفر الشروط السعيدة لتحقيق إمكانية الفيلسوف و الوطن الفلسفي المفقود، بل صار مطلوبا لانكباب على واقعة الفيلسوف كما يوجد فعلا في المدن غير الفاضلة. إن موضع الفيلسوف إذن ليس شيئا آخر غير "هذا الزمان" الذي يحدث فيه قبل ظهور المدينة الفاضلة. إن تفكير الفارابي بإعادة هيكلة ميتافيزيقية لإمكانية المدينة العالمية التي عبّر عنها الإسلام بواسطة الملة لم يعد ما يبرره.
لقد سقطت الخلافة، و صار المتفلسف غير مسؤول ميتافيزيقيا إلا عن نفسه لذلك لم يعد ثمة من معنى لإشكالية الفيلسوف الإمـام، كما لدى الفارابي، الذي أفلح في إنجاز تبيئة طريفة لإشكالية الفيلسوف. الملك الأفلاطونية. إنه في هذا الوقت ولـدت إشكالية المتوحّد(7) بيد أننا يحسن بنا أن ننبّه إلى أن ابن باجة إنما لا يقترب من طرح إشكالية المتوحّد إلا بقدر ما يعيد ترتيب مسألة المدينة الفاضلة : فإن "كمال" هذه المدينة يعني أنها في غير حاجة إلى طبّ أو قضاة كما جاء في قوله : "...لما كانت المدينة الفاضلة
تختص بعدم صناعة الطبّ و صناعة القضاء، ذلك أن المحبة بينهم أجمع فلا تشاكس بينهم أصلا..." (8)
وهذا يعني أنها مدينة بلا مرض و لا ظلم، وأن أفعالها كلها صواب، لكن هل يعني أنها مدينة خالية من الحاجة إلى الفلسفة ؟ هل أن ظهور المدينة الفاضلة هو وقت انقراض الفلسفة و بطلانها(9) ؟
إن هذين السؤالين إنما هما غير مهمين إلا بقدر ما يشيران إلى وجه الصعوبة التي تكتنف البحث في طبيعة الموضع الذي يقف فيه الفيلسوف.
إن انطلاق ابن باجة من إزاحة إشكالية المدينة الفاضلة و محاولة التلفت رأسا إلى الموضع الذي يصيبه الفيلسوف في المدن غير الفاضلة. و هذا ضرب من السكن الاضطراري في مدن لا فاضلة هو الذي يدفع إلى التفلسف، فليس التفلسف إذن صفة سعيدة لأهل المدينة الفاضلة، بل هو الضرب من التدبير الذي يمتهنه رهط من الناس يجدون من أنفسهم غربة في الرأي يعسر معها دفع حيلة التوحّد.
و إنه بذلك إنما يَقدُم ابن باجة على إقرارين هامين : الأول : أن الفيلسوف إنما يوجد أولا في المدن غير الفاضلة مثل : "العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع"(10) أي بشرط أن يوجد في أخرى المدن التالية (أرستقراطية، و أوليغارشية، و ديمقراطية و ملكية)، الثاني "إن من خواص المدينة الكاملة أن لا يكون فيها نوابت(11)
هذان الإقراران خطيران لأنهما يؤديان إلى ارتسام إشكالية طريفة تماما هي إشكالية النابتة، لا يتعلق الأمر هنا بمجاز نباتي بل على الأخص بنحو من الرسم للموضع الطبيعي للفيلسوف(12) و هنا يقودني الفضول إلى الكشف عن لفظ النّوابت هذا المفهوم القديم في نشأته، المستحدث في معناه.
مفهوم النابتة :
فيبدو أن إشكالية النابتة لم يفعل ابن باجة سوى استعادتها داخل تأويل جديد و إذا كان الفارابي هو من أعطى الصيغة المشهورة عن معنى أو منزلة النوابت، فإن ثمة من العرب من استعمل هذه اللفظة قبله و الأمر على غاية الخطورة للإشارة إلى فرقة كلامية أو سياسية ظهرت في عصر المأمون و نحن نجد الجاحظ قد أرخ لهذه الواقعة الثقافية في رسالة عنونها ب "النوابت" أرسلها إلى القاضي أبي الوليد بن أحمد بن دؤاد ألمعتزلي وفيها يشن هجومه على هؤلاء النابتة في عصره الذين يحبون معاوية و سائر الأمويين و يعتبرون سبهم بدعة و بغضهم مخالفة للسنّة و أخذ يعرض مبادئ النابتة في قوله : "و زعمت نابتة عصرنا و مبتدعة دهرنا أن سبّ ولاة السوء فتنة و النابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد و أبيه"(13)
إذن هؤلاء النابتة و يعني بهم أهل السُنة و الجماعة أو الحشوية اللذين يقولون بالجبر و التشبيه و عدم خلق القرآن و هذا كله في نظره كفر و ظلال، إذن مفهوم النوابت بالمنظور الجاحظي هو تأصيل لموضع الفرقة الخارجة عن دولة الجماعة على نحو "إتيقي" و ديني. فهل حافظت الصيغة على معناها لدى كلّ من الفارابي و ابن باجة ؟
قبل الإجابة على هذا الإشكال أشير إلى أن النوابت عند الفارابي "هم أصناف كثيرة(14) و بعددهم : "المراءون، والمحرّفون، و الباغون و المارقون و المغالطون و هناك أنواع أخرى، -لا أريد ذكرها لأنها ليست موضوع بحثنا-. المهمّ هو أن هؤلاء أفراد يضادون المدينة الفاضلة حيث يقول : " هؤلاء الأصناف النابتة في خلال أهل المدينة و لا تحصل من أرائهم مدينة أصلا ولا جمع عظيم من الجمهور، بل يكونون مغمورين في جملة أهل المدينة"(15) و يقول أيضا "منزلة الثّوابت في المدن منزلة الشيلم في الحنطة أو الشّوك النابت فيما بين الزرع أو سائر الحشائش الغير الناقصة و الضارة بالزرع" ومنه نستنتج أن منزلة النوابت هي منزلة معارضة تسعى دوما إلى تحطيم المدينة الفاضلة.
لكن كان ابن باجة على نقيض الفارابي يجعل من النابتة أو النوابت رتبة الذين "الذين يرون الآراء الصادقة"، لماذا هذا الموقف الذي يقول أن النابتة هو "العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع" فهل النابتة هو الحكيم أو الفيلسوف أو ما حول ذلك من مصطلحات سياسية و دينية (صوفية) ربما يكون الجواب في الظن بأن النابتة هم مضادوا المدينة أي المغمورون المعارضون : فهم يرون الآراء الصادقة في المدينة الفاسدة الجاهلية (وهنا موقف ابن باجة) و هم المراوغون (المارقون، المحرفون) في المدينة الفاضلة (وهنا موقف الفارابي) فهل هذا الطلب يرتقى إلى مستوى كشف معرفي أرفع له دلالات سياسية أخطر؟ الواضح من خلال هذا العرض البسيط أن منزلة النوابت في المدينة (سواء بمنظور الفارابي أو وجهة ابن باجة) قد أخذا مأخذ الجاحظ حيث أشار إلى الفرقة المتمردة على القيم و المبادئ بغض النظر إذا كانت هذه القيم فاسدة أم فاضلة.
لكن ما يهمنا الآن هو عرض مفهوم النابتة من الوجهة الباجوية لأن في معنى النابتة إجابة حاسمة عن الأسئلة التالية : أين يقف الفيلسوف؟ ما هو الموضع الأصلي الذي ينطلق منه؟ كيف يأتي الفيلسوف إلى موضعه لتخليص المدينة من المفاسد؟
إننا نتأول خلو المدينة الفاضلة من النوابت على أنه إشارة مثيرة من قبل ابن باجة إلى الطابع الإشكالي ليس فقط لظهور الفيلسـوف بل لوجـود أو بقاء الفلسفة نفسها كصناعة بعينها.
يبدو أن كمال المدينة الفاضلة يجعلها في غير حاجة إلى الفلسفة و إلى فلاسفة و لكن كيف نفهم قول ابن باجة : "النوابت إن وجودهم هو سبب حدوث المدينة الكاملة" ؟
قد يعني ذلك فقط أن الموضع الذي يقف فيه فيلسوف هو الذي يحدّد طبيعة الحاجة إلى
الفلسفة و قد يعني أيضا أن دور الفيلسوف مؤقت مثل موضعه، إن الفيلسوف إنما يضطر للظهور داخل عصر لا يختاره، فهو موجود اضطرارا في هذا الزمان أو ذاك بيد أن هذا الاضطرار إلى الزمان الذي يظهر فيه إنما يحجب حرية جذرية هي خاصة للفيلسوف ،جذرية بالمعنى الذي نحمله على النبتة الغريبة هو "العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع" و اسم النابتة متوحّد أولا و أخيرا، أولا لأنه يولد من تلقاء وحدته، فهو غريب في مدن اللافلسفة إنه "غير الممكن" الذي بظهوره يكسر كسل الروح في أمة ما، و أخيرا لأنه مطالب بأن يصنع بنفسه إمكانية العالم الذي يخصه، هذا العالم الذي هو هيئة المتوحّد إذا كان ساكنه الوحيد، إنما هو في الوقت نفسه الصيغة البدائية عن العالم الكامل الذي تشير إليه فكرة المدينة الفاضلة، فالنابتة ليس سبب نفسه فحسب بل هو بخاصة سبب حدوث المدينة الكاملة، وليس كما اعتقد الفارابي بأن النابتة هو من يحطم المدينة الفاضلة (16) فما قصد إليه ابن باجة هو أن يستشعر فلسفيا اللحظة الوعرة التي تسبق حدوث المدينة الكاملة التي يبدو أن ابن باجة يائسا من حصولها لكن يبقى أملا طالما النّوابت موجودين بشكل تلقائي.
مشروع النابتة الخلاصي :
إذا كان الفيلسوف نابتة غريبة عن الزمان، متفردة عن المكان فكيف لنا أن نتحمل فلسفيا هذه " الواقعة " و كيف له أن يُخَلِص هذا الوطن الغريب عنه ؟ وهل أن الطابع " الناقص " لمدن الزمان (سير الطوائف) هو ما يجعل ظهور الفيلسوف المُخلِص ممكنا؟ لا يبدو أن الأمر ينطوي على أي ضرب من السلبية المنتجة للإيجاب في ترتيب معنى النابتة أي في ترتيب معنى " الأصلي " الذي يحمل في نفسه تلقائية وجوده، لا موضع للجدل، بل أن المسألة تتعلق بطبيعة الممكن الذي ينفتح أمام الفلاسفة عند ظـهورهم " البري " الطابـع البري هذا هو الحـال الأصلي للفيلسـوف غير أن هذا اللاوطن الأولي إنما هو إمكان الفلسفة، وذلك يعني إمكان حدوث المدينة الكاملة نفسها في حين أن " الفارابي ظل متمسكا إلى غاية انتهاء أفق التفكير بالمدينة الفاضلة كمشروع حاسم للفلاسفة، يبدو أن ابن باجة قد باشر طريقا معكوسا حيث انكب على الحال الأصلي للفيلسوف من حيث هو موجود دوما في " هذا الزمان " الذي توفـره المدينة الناقصة. لمن تعلقت همتهم بصناعة التفلسف (خاصة)، إن تواضعا جذريا إنما جعل ابن باجة ينقطع عن التفكير في المدينة الفاضلة و يقبل على التفكير بتدبير المفرد وبسعادة المفرد "(17) ، على أساس أن النابت أو المتوحد تراهن عليه المدينة في إعادة ولادتها من جديد وفق تصورات عصرية حددها النابت، و على هذا الأساس يكون مطلوبا من البرنامج التدبيري الخاص أن يشكل صورة مصغرة للمدينة الجديدة في شخصية المتوحد، و الذي من جانبه يتحمل مسؤولية قلب أوضاع المدينة إلى مدينة كاملة، و في إشارته إلى أن النوابت غرباء عن المدينة و إن كانوا يعيشون فيها، و هم غرباء وسط الأهل و الأقارب و الجيران، تأكيدا على مشروعهم الناشد إحداث تجديد في أوضاع المدينة. إنهم بتفكيرهم (الأيدولوجيا الجديدة للمدينة) يتقاطعون مع كل تفكير سائد، و أنظمة سياسية و اجتماعية و أخلاقية مهيمنة، فالنوابت سعداء المدينة و مستقبلا المدينة تسعد بهم : " و كأن السعداء إن أمكن وجودهم في هذه المدن فإنما يكون لهم سعادة المفرد، و صواب التدبير إنما يكون تدبير المفرد، و سواء كان المفرد واحدا أو أكثر من واحد، ما لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة، و هؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقوله الغرباء، لأنهم و إن كانوا في أوطانهم و بين أترابهم و جيرانهم غرباء في آرائهم، قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان " (18) .
نلاحظ أن الرؤية السياسية للخلاص عند ابن باجة، قد هدفت إلى تصحيح كيان الإنسان، فهـي تربية تنشد إعـادة بناء شخصية الإنسان بعد أن أصابها الانحـراف والاعوجاج، و هذا الأمر يجعلنا نستشعر فيه صدى للاتجاه الطبيعي في التدبير يحملنا هذا على القول أن معنى التدبير يلوح عنده بأنه إعادة الصحة للإنسان المتوحد (النابت) و إعادة السعادة له و هو (التدبير) جهد لعودة الصحة إلى الإنسان بعد فقدانها، و توفير أجواء السعادة بعد زوالها فالتدبير يصبح مجهودا تصحيحيا لبناء الإنسان من الناحية الصحية، و توفير السعادة له بعدما حل الشقاء و السقم في حياته " ونحن في هذا القول نقصد التدبير حتى ينال أفضل وجوداته، كما يقول الطبيب في الإنسان المنفرد في هذه المدن، كيف يتوحد حتى يكون صحيحا، إما بأن تحفظ صحته و إما بان يسترجعها إذا زالت، كما وصفت في صناعة كذلك هذا القول هو للنابت المفرد وهو كيف ينال السعادة إذا لم تكن موجودة ؟ أو كيف يزيل عن نفسه الأعراض التي تمنعه عن السعادة أو نيل ما يمكنه منها؟ إما بحسب غاية روتيه أو بحسب ما استقر في نفسه ،و أما حفظها فذلك شبيه بحفظ الصحة، فلا يمكن في السير الثلاث و ما تركب منها، فهذا الذي يصفه طب النفوس و ذلك طب الأجسام و الحكومة طب المعاشرات " (19).
إن هذه المقارنة التي أجراها الفكر الفلسفي ألتدبيري عنده بين الصحة و المرض و بين السلوك المنحرف (الإجرامي) و السلوك السوي بين الطب و التربية و العدالة و التربية، إنها فعلا مقارنة مفيدة، نجد لها مقارنة للتحديدات التربوية الحديثة و هذه المقارنة حملت في الوقت نفسه تمييزا بين نمطين من التربية : التربية في المجتمع الفاضل و الهدف من بناء الإنسان الفاضل، و هو منتوج مجهود تدبيري تربوي لمجتمع فاضل، و التربية في المدن الأربعة، و هي مجتمعات الخلل و التربية هنا لها هدف و غرض مختلف.
لابد من التنبيه إلى أن ابن باجة إنما يفترض كمعطى أصلي أن الوجود الإنساني إنما هو في جوهره وجود مدني لذلك فالأمر الحاسم هو في إعادة ترتيب معنى المدني هذا على النحو الذي يخرجنا من بوتقة التفكير في المدينة الكاملة و يدخلنا في الأفق الأصلي لوجود الفيلسوف، هذا الأفق الأصلي هو المدن الناقصة و في البدء كان اللافلسفة و هذا يعني أن الفيلسوف ليس صفة كسولة و نهائية بل هي حال فرادة أصليـة مهددة منذ أول أمرها بأن يلحقها " أمر خارج عن الطبع، و ليس ذلك سوى الإقامة في المدن الناقصة، هنا ينكشف معنى التدبير المقصود هاهنا، إنه صناعة استعادة الفيلسوف للإمكان الذي يخصه من حيث هو نابتة، فالتوحد هو نتيجة جوهرية لواقعة النبت في مدن " هذا الزمان " الذي توفره المدن الناقصة، أما معنى إقامة النابتة في المدن الناقصة فهو ما يخرج عن الطبع الفلسفي الذي يتوفر عليه منذ " نبته " من تلقاء نفسه، و ليس ذلك سوى اللافلسفة " و هنا يطالب ابن باجة الإنسان بأن يتولى تعليم نفسه بنفسه على أن الإنسان يستطيع أن ينتفع بمحاسن الحياة الاجتماعية دون أن يأخذ مساوئها في ذلك "(20)
إذن اللافلسفة هي مرض ألم بطبع الفيلسوف بسبب إقامته غير الطبيعية في مدينة الجمهور، لذلك فالفلسفة هي صناعة دفع ما يخرج عن الطبع و لأن ما يخرج عن الطبع ضرب من المرض، فالفلسفة إنما تنقلب إلى طب جذري للنوابت أما الدواء الكلي فهو التوحد؛ لذا نجده ينصح في كتابه تدبير المتوحد، بالابتعاد عن مخالطة الماديين الذي لا همّ لهم إلا متع الحياة و لذائذها و أن يعمل على توثيق الرابطة بأهل العلم وحدهم و لكن بما أن هؤلاء لا يوجدون في كل مكان حيث يريد المتوحد فواجبه
أن يعيش بعيدا عن الناس جميعا ما كان ذلك في وسعه و ألا يختلط بهم إلا بقدر الضرورة لأنهم ليسوا على شاكلته "(21) فالمـتوحد الظاهر من أمره أنه يجب عليه أن لا يصـحب الجسماني ، بل إنما يجب عليه أن يصحب أهل العلوم، و لكن أهل العلوم يقِلُون في بعض السير و يكثرون في بعض، حتى يبلغ في بعضها أن يعدموا و لذلك يكون المتوحد واجبا عليه في بعض السير أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، فلا بلابسهم إلا في الأمور الضرورية (...) أو يهاجر إلى السير التي فيها العلوم إن كانت موجودة و بذلك يسلم من ثرثرتهم و أكاذيبهم و من اضطراره للرد و الحكم عليهم بما هم أهل له و بهذا يستطيع التوفر على ما يأخذ به نفسه من تكميل نفسه حتى يضيء لغيره الطريق(22).
لكن ابن باجة لا يريد من الحاكم أن يبتعد عن الناس كليا بل ليكمل نفسه بالعلم و الحكمة و بعد هذا ينير للمجتمع الطريق، و هذا مثل ما ابتغاه أفلاطون في الفيلسوف الحكيم الذي تأمل و نال الحكمة و اتصل بالمثل ثم ينزل إلى المجتمع ليخرجهم من الكهف المظلم و ينير لهم طريق الخير لأن هدف المدينة الفاضلة أن تقود المجتمع إلى السعادة (23).
الفلسفة إذن صناعة الانفراد وسبيل للخلاص و فن الوحدة و هي ليست كذلك لأن واقعة الفيلسوف نفسها هي نابتة و كما أن انفراد المريض صحة، كذلك توحد الفيلسوف سعادة إنه اغتراب عن الجماعة من جهة اعتبارها آلة اللافلسفة و مدينة بلا وطن أو عاجزة عن الوطن.
يبدو أن ابن باجة يؤمن إيمانا راسخا أن الفلسفة وليدة مستقبلها، إنها لا تبني سوى إمكانيات جديدة للتفكير، ليس هناك فلسفة تأتي متأخرة، و ليس هناك فلسفة تؤرخ للحاضر، إن مشكلة الفلسفة ليست الحاضر، و إنما الإمكانيات التي تكسر منطق الحاضر و تربكه لأنها مفتوحة على المستقبل على الدوام؛ هذا هو إذن سر فكرة الخلود التي نوه بها ابن باجة، إنه خلود الفكر الصائب الذي يخرج الملّة أو الدولة من واقع اللافلسفة إلى واقع الفلسفة، ولن يتأت ذلك إلا بالإنفراد أو التوحد لكن لا يقصد ابن باجة هنا الانعزال بل الإنفراد قصد خلق الاختلاف والإبداع لا الجمود في ظل التقليد أو التكرار.
فعلا: التدبير الباجوي يُعد حقلا فلسفيا نفكر من خلاله لنفهم واقعنا، فهو يؤكد لنا أن التفكير اليوم ليس سوى صراع حول الاعتراف بَين مكونات الكلي الحالي.
فالفلسفة هي مخرجنا و التوحد هو طريقنا و بلوغ مرتبة الإنسان الكامل هو غايتنا، إنها دعوة نيتشوية قبل أوانها من جانب أول فيلسوف من فلاسفة المغرب العربي إلى أن ننتسب إلى المملكة الإنسانية؛ مملكة "الإنسان الكامل"، الذي يسير على هدي الإتيقا، سواء كان هذا الإنسان حاكما أو محكوما.
وبناءا على ما سبق نقول أن ابن باجّة أعاد للإنسان إنسانيته من جهة أنه جعله محور العملية الخلاصية التي لا يمكن لها أن تكون ما لم تتحرك إرادة الإنسان العاقلة ومنه خلاص ابن باجّة غير مــــــــرهون بالآخر سواء كـــــان هذا الآخر إله كما نجد ذلك في الأساطير القديمة، أو كان إنسان يبعثه الله لتخليص البشرية من المفاسد والمظالم بل هو خلاص ينبض بالحركة والسمو نحو الأعلى مهما وقفت أمامه الصعاب فلا شيء يقف أمام إرادة الإنسان وعقله ، من أجل تجسيد مملكة الغرباء الخلاصية التي تمثل النواة الأولى واللبنة الأساسية للمدينة الفاضلة
الهوامش
1 ابن باجة، تدبير المتوحد،سراس للنشر ، تونس ، [د.ط] ، 1002، ص 13
2 Munk, Mélange de la philosophie, Juive et Arabe, P 39
3 المصدر نفسه ، ص 06.
4 كتاب تدبير المتوحّد لا يبدأ بعرض ماهية الموجود الأول كما فعل الفارابي في كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، بحيث يجعل الفارابي القول في الموجود الأول (الله) و القول في النفس مدخلا أساسيا للقول في المدينة، لذلك فخروج ابن باجة عن هذا النحو من التقليد إنما ينطوي على اختيار آخر لا يقل حسما.
5 Munf, Mélange de la philosophie Juive et Arabe, P 389.
6 ابن باجة، تدبير المتوحّد، ص 13.
7 المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
8 المصدر نفسه، ص 10.
9 إننا نعثر في هذا السياق على إمكانية للتفكير بضرب ما من "نهاية الفلسفة" و المعلوم أن هذا الإشكال قد صار تقليدا عند ماركس، غير أن تفكير ابن باجة بإمكانه بطلان الحاجة إلى الفلسفة إنما يختلف عن النظرة الحديثة في أنه لا يأخذ معنى النهاية مأخذ التحقيق التاريخي للفلسفة (ماركس)، بل هو يشير على نحو ظريف إلى أن نهاية الفلسفة موقوفة في جوهرها على اكتمال المدينة و حدوث المدينة الكاملة و هذا يعني أن الحاجة إلى الفلسفة إنما تزداد حدّة كلما كان اكتمال المدينة غاية بعيدة المنال. إن ابن باجة ينتبه إذن على نحو غير مباشر إلى الحاجة الحاسمة للفلسفة طالما أن مدن الزمان مدن ناقصة.
10 ابن باجة، تدبير المتوحد، ص 12.
11 المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
12 المسكيني فتحي، فلسفة النوابت، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ، ط1 ، 1997 ، ص 93.
13 الجاحظ، رسائل الجاحظ (النوابت)، شرحها : عبد أمهنا، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988 ص11.
14 الفارابي، أبو نصر، السياسة المدنية، دار المشرق، بيروت، ط2، 1983، ص 104.
15 المصدر نفسه، ص 107.
16 Ornaldez, Roger, Avempace; (dictionnaire des philosophies) ; Directeur de la publication demis Hwsman, presse universitaire de France, Paris 1ére édition, 1984, P 158.
17 المسكيني فتحي،فلسفة النوابت، ص 97
18 ابن باجة، تدبير المتوحد، ص 13.
19 المصدر نفسه ، ص 14
20 دي بور، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة : عبد الهادي أبو ريدة ،دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت ، ط5 ، 1954 ص 307.
21 التكريتي ناجي، الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام، ص 351، ص 352.
22 LEWIS, MENAGE, Encyclopédie de l’Islam ; imprime aux Pays Bas, Paris, 1ère édition, 1971, P 751.
23 Arnaldez, Roger, Avempace, P 158
