geneche.ht.7

الاتجاهات الدينية للحركة الوطنية الجزائرية

في كتابات أبي القاسم سعد الله

د./ قـنانـش محمد

المركز الجامعي عيـن تموشنت

تمهيــد

ورثت الجزائر بعد الاستقلال نخب واعية من العقول النيرة الخفاقة و من  المواهب و الكفاءات الخلاقة ، استطاع أن يتتلمذ على يدها  و علمها و سيرتها جيل الجزائر الحرة  مطلع  الستينيات و السبعينيات . فكانت  تلك  النخب المثقفة وقتها القاطرة المسيرة  و القوة  المحركة  للنهضة  الثقافية  و الفكرية  و التاريخية  في  مجال  التعليم  و التكوين  و التأهيل لدى الطلاب  الجزائريين . من هنا  بدأت  ملاح  المدرسة  الجزائرية ذات البعدين  الوطني  و الحضاري .

من الوجوه  المشرقة التي  مثّلت  الرّعيل الأول للمدرسة  الجزائرية  عشية  الاستقلال ، يقودنا الحديث إلى ذكر بعض الرموز الوطنية الشامخة من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي ، محمد مبارك  الميلي ، أحمد توفيق  المدني  ، الشيخ  عبد الرحمن الجيلالي ، مولود قاسم ، عبد الرزاق قسّوم  و يحي بوعزيز و غيرهم من الأهرامات الفكرية . و في هذا الشأن ، يأتي أبو القاسم سعد الله  ليفرض مكانته  المرموقة  ضمن أسماء كوكبة المثقفين التي  تمّ  ذكرها .

وممّا لاشك فيه ، أن أبي القاسم  سعد نظرا لمنزلته  العلمية و طاقاته الإبداعية ،  يتصدّر طليعة  المدرسة التاريخية باعتباره شيخ المؤرخين ، و يرجع الفضل في  تبوّئه هذه  المرتبة العليا إلى عدّة  اعتبارات  و دلالات ، أهمّها خصوبة فكره  و أكاديمية أعماله و نزاهة مواقفه و نبل خلقه و عظيم تواضعه  و طهارة وطنيته . فشمائل الرجل ، كانت له المؤهّلات الحقيقية لشخصيته الفكرية و التاريخية و الأدبية  القادرة على قيادة يقظة الفكر و نهضة العصر ليؤسّس أبو القاسم غداة  الاستقلال  إلى  يوم التحاقه  برفيقه  الأعلى ، اللبنات  الأولى للمدرسة التاريخية  في الجزائر المستقلة .

فأبو القاسم سعد الله المدرسة و الفكر الخلاق و الأديب المبدع ، نحاول أن نقتفي من موسوعته المعرفية ما أنتجه عن تاريخ الجزائر الحديث ، و تحديدا رؤيته الأكاديمية للمنطلقات الإيديولوجية لدى حركة الوطنية الجزائرية .

فما هي يا ترى  المنطلقات الإيديولوجية  التي جاءت بها المدرسة  التاريخية  لأبي القاسم  سعد  الله ؟ ما هي  أصولها  و فروعها  و توجهاتها ؟ ما وزن  إسهامات نخبها الوطنية في المسيرة العلمية التاريخية ؟

1 ـ أبو القاسم سعد الله الشخصية الوطنية المتميزة : الواجب يقتضي منا التعرّض إلى هذه  الشخصية الفذّة "  أبو القاسم سعد الله " الشخصية الوطنية  المبدعة ، له  شأن كبير  في تأسيس المدرسة  لتاريخية الجزائرية  بعد  استرجاع  الجزائر لسيادتها الوطنية  سنة 1962 .  يعود الفضل إلى ما جادت به سنة 1930  بمولد شيخ  المؤرخين أبي القاسم  سعد الله في بلدة " قمار " ولاية  واد سوف ، أين حفظ القرآن الكريم و نهل من عيون المعرفة مبادئ اللغة و أصول الفقه و الدين . إنه الرجل الموسوعي ذي  الشخصية المتميزة من أهل الفكر الأبرز على الصعيدين الوطني و الإقليمي اخترق نجمه الأفق المعرفي ، بازغا محلّقا في سماء الكوكب الأرضي و متلألئا وهّاجا في رحاب الفضاء الكوني .                                                     

      تبوّأ مكانته المرموقة ضمن أعلام الإنتاج الفكري و الإصلاح الاجتماعي ، بحيث  تلقى تكوينا  علميا  متكاملا قائما على أسس معرفية صلبة ، أهّلته ليكون مؤرخا و مفكرا و أديبا . نال أبو القاسم  سعد كفاءته العلمية بصلابة إرادته و جسامة تضحياته ، خلال سفريته العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية  أين تحصل على شهادة الدكتوراة

من جامعة  منيسوتا ، تم انتقل إلى كلية  دار  العلوم  بالقاهرة . (1) سمح  له تكوينه  العلمي أن  يتخصّص في رحاب التاريخ ، فاتجه ميوله نحو تاريخ أوربا و المغرب العربي في الحديث  و المعاصر ، و تاريخ النهضة الإسلامية  الحديثة .

تقلّد عدّة وظائف في التعليم  العالي ، ليصبح  المؤرخ المفكر ، سفير ا للجزائر في الحقل  المعرفي  عبر جامعات الوطن العربي و العالم الغربي . في البداية ، اشتغل بجامعة الجزائر أستاذا مشاركا في التاريخ  مند سنة 1967 ليرتقي  في عام 1971 إلى أستاذ في التاريخ و رئيسا لقسم التاريخ  بكلية الآداب بجامعة  الجزائر . (2)  درّس  في جامعات  الولايات المتحدة  الأمريكية ،  بحيث كان أستاذا  مساعدا في التاريخ  بجامعة  وايسكنسين  و أوكلير  من 1960 إلى 1976 و جامعة  متشيغان بإقليم  البحيرات الكبرى من 1987 إلى 1988 .

أمّا في  الوطن العربي ، فقد كان  ممثلا  متميزا  للجزائر في  مجال التعليم العالي ، مشرفا على تدريس مادة التاريخ بجامعة عين الشمس بمصر عام 1976 ، و جامعة دمشق عام 1977 و جامعة  الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية عام 1985 ، و جامعة آل البيت بالأردن  عام 1996 . و قد كان أيضا أستاذا  زائرا  بجامعة مينيسوتا بالولايات  المتحدة  الأمريكية ،  بقسم  التاريخ  طوال سنوات 1994 ، 1996 و 2001 .

خاض شيخ المؤرخين معارك مريرة و شاقة في مراحل تكوّنه و تعلّمه ، فكانت مسيرة  في الشأن محفوفة بالصبر و التحدّي و مفارقة الوطن و الأهل ، جعلت منه تلك الظروف الرجل الفحل المبدع ، الشغوف و التواق إلى العلم و المعرفة ، لأن طالب العلم في  نظره ، عليه أن  يتجاوز حدود  التعب و حنين البعد عن  الديار و الأمصار ، فأهّله ذلك الإيمان ليظل المغامر الناجح و المثابر الصالح في تكوين نفسه و رفع قدره و قدر وطنه . و الجزائر تعيش سنواتها الأخيرة من ثورتها المظفرة ، سجّل أبو القاسم سعد الله سنة 1960 مذكرته في  الماجستير ، عن الشاعر محمد  العيد آل خليفة  بعنوان : " محمد العيد آل خليفة  رائد الشعر  الجزائري في  العصر الحديث " ، فشاء  القدر أن لا يناقش الرسالة  و توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية  بعد أن تحصل على منحة  الدراسة  من  قبل قيادة  جبهة  التحرير الوطني . (3)  حوّلته تلك الرحلة العلمية إلى رجل جهاد  و علم  ،  طالبا للمعرفة و ممثلا  للجزائر الثائرة  على المحتل الغاشم .

عاد سعد الله إلى أرض الوطن ، ليشتغل أستاذ قسم التاريخ  بجامعة الجزائر بعد أن نال شهادتي الماجستير عام 1962 و الدكتوراة عام 1965 من جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية . (4)

مند السنوات الأولى من  فجر الاستقلال  و الوطن ما يزال  يضمد جراح  الحرب و ويلات  المستعمر ، استقر أبو القاسم  في الجزائر ، معترضا على  البقاء  و الإقامة في  فيافي  الغربة و أهوالها ،  مواصلا رسالة  جهاده الفكري و التربوي  ، مساهما  بكل جهوده  في تحقيق تطلّعات الأمة  و إنجاح  طموحات مسيرتها الثقافية  و أهداف  ثورتها التحريرية المباركة . لذلك أنكبّ عمله في الجامعة على التدريس ،  حيث كلّف بتلقين العلوم لطلبته  فيما يتعلّق 22 تخصّصا عبر مشواره التعليمي ، خصّ التاريخ الوطني و الأوربي ، و ميادين  الحضارة  و التراث الفكري الإسلامي .

شملت المواد و المواضيع التي عكف شيخ المؤرخين على  تعليمها لطلابه ، التاريخ  المعاصر للعالم  الإسلامي فيما بين القرنين السادس عشر و التاسع عشر ، تاريخ الأوقاف  و النظم ، انتشار الإسلام  في الوقت الحاضر ، تاريخ  العالم

المعاصر  ، تاريخ  أوربا  الحديث ،  تاريخ  أوربا  في  عصر النهضة ، التغلغل  الأوربي  في العالم الإسلامي الحديث، الحركات التحررية و الإصلاحية في العالم الإسلامي  الحديث ، النهضة الإسلامية الحديثة فيما بين 1800 و 1924

و الفرق المذهبية الإسلامية ، و مناهج البحث الحديث في التاريخ . (5)     

زيادة عن مهنيته المعرفية في التعليم الجامعي ، رحلاته العلمية داخل الوطن و في الخارج  بحيث تشهد له انجازاته الفكرية بمحاضراته و مشاركاته في المؤتمرات و الملتقيات  العربية و الدولية  على غزارة إنتاجه  و موسوعية فكره  .

و في هذا الصدد ، تشير المعطيات الإحصائية إلى 43 مشاركة علمية لأبي القاسم سعد في الملتقيات الوطنية و العربية و العالمية  ، تضمنت العديد  المحاضرات التي  ألقاها شيخ  المؤرخين  في جامعات  المغرب العربي  و الشرق الأوسط و في المؤسّسات الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية .

لم يتوان أبو القاسم  عن نضاله الفكري  و الثورة  التحريرية بانتصاراتها تسقط الحكومات الفرنسية  الأولى  تلو الأخرى  ، مشهرا  سلاح قلمه الثائر يدوي  في  وجه  المستعمر الفرنسي الجائر ، معرّفا بما يحدث  في الجزائر ، لا يخرج  عن نطاق  شعب عشق  التضحية ، يتطلّع  إلى شمس الحرية و هو يكافح المحتل بوعي و روية من أجل جزائر حرّة عربية . أول  محاضرة  ألقاها سعد  الله ، كانت  في  يوم 31 أكتوبر نوفمبر 1957 ، في نادي طلبة  المغرب  العربي  بالقاهرة ،  بعنوان : " الثورة  الجزائرية  في ذكراها  الثالثة "  نسرد بعض ما جاء  في بداية  المحاضرة : "  أيها  الإخوة  عندما  نحتفل اليوم بذكرى  ثورة  الجزائر  ، لا نحتفل بها كجزائريين ، و لا كمغاربة و إنّما  نحتفل بها كعرب  يؤمنون  بعدوّ  واحد  و  هدف  واحد  و  وطن واحد ، إنما  نحتفل بها كعرب لأن الثورة  في  الجزائر  نابعة  من قلوب  الملايين  العربية  المتمرّدة  ، معبّرة  عن آمالها  في الوحدة  و التحرّر  ،  مجسّمة للإرادة العربية التي لا تقهر مهما طالت بها السنون و تكاثفت حولها السحب ... " (6)  و المحاضرة الثانية في جامعة الجزائر عام 1966 ، بعنوان " الجزائر و القومية العربية " ، و الندوة الفكرية عن " الثورة في العالم الثالث ، بجامعة وايسكنسين بعام 1967 بالولايات المتحدة الأمريكية . (7) 

لم تتوقف حركة الإبداع و  التأليف عند أبي القاسم سعد الله ،  مند أن انطلق  فيها  فترة الخمسينيات  و الثورة تعيش سنوات الدعم و الحسم . أنتج فكره الموسوعي مند نهاية  خمسينية القرن الماضي إلى مطلع الألفية الثانية العديد من المقالات و الندوات و المداخلات و المحاضرات في ملتقيات و مؤتمرات محلية و إقليمية و دولية تفرّعت مواضيعها حول الفكر الإنساني و التاريخ الوطني و الإسلامي ، و الإنتاج الأدبي من شعر و نثر و  قصص  و مسارح أهّلته أن يغدو الرجل بلا منازع المفكر و المؤرخ و الأديب الموسوعي ، الذي أغنى وطنه  و أشرق فجره  و شرّف  عصره .

كل هذه الخصائص و الخصال العلمية  و الأدبية ، جعلت  من  أبي القاسم  سعد الله  الشخصية العلمية  و التاريخية و الأدبية المتميزة في الجزائر المستقلة . طوال مشواره العلمي  و المهني ،  أنتج سعد الله أكثر من 100 مقال  في شتى المواضيع ، من  بحوث و تراجم  و دراسات  علمية و تاريخية  مختلفة و قضايا متنوعة ، اجتهد  فيها و أبدع إلى حدّ كبير أبهر مفكري عصره ، بحيث اخترق سيطه فضاء الجزائر و حدود الوطن العربي  و الإسلامي . لقد  استطاع أن يخلّد وجوده العلمي في الكثير  من الجامعات و  المنتديات و الندوات داخل الوطن  و في الدول  العربية  و الغربية .

على غرار حضوره القوي في الجامعات الجزائرية ، كان أبي القاسم سفير الجزائر  في جامعات تونس  و ليبيا و مصر  و المملكة العربية السعودية و المملكة الهاشمية الأردنية و سوريا و فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الولايات

المتحدة وحدها ، يعدّ أبو القاسم سعد المثقف الوحيد الذي تمكّن من نقل ثقافة  و تاريخ بلده هناك ، ليعرّف بمكانة الجزائر و فكرها و حضارتها داخل المجتمع الأمريكي المتعدّد الأجناس و اللغات  و الديانات  و الثقافات  . شارك في مؤتمر المستشرقين الأمريكيين  بجامعات  سان  فرانسيسكو عام  1966 و جامعة  ميتشيغان  عام  1978  و جامعة كارولينا الشمالية عام 1993 و جامعة أريزونا عام 1994 . (8)

2 ـ أبو القاسم سعد الله منظّر الحركة الوطنية : إن  الفكر الخصب الذي تميزت به الحياة  العلمية  لشيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله ، بات من اللازم الاعتراف بعظمة هذا الرجل  بأنه المؤسّس الأول  للمدرسة التاريخية  الجزائرية بعد الاستقلال . و يمكن إبراز قدرات و أحقّية سعد الله " المدرسة و الموسوعة " في عوامل رئيسية و أسس جوهرية 

تتمثل بالأساس في سعة فكره و خصوبة إنتاجه  و مصداقية  وطنيته ، و  تحليله الرصين  لتاريخ  و مكوّنات الحركة الوطنية الجزائرية ، التي  سنحاول من خلالها  تسليط الضوء  على مفاهيم  و مواقف " المنظّر " سعد الله  من الحركة الوطنية . فبالنسبة للرجل  الموسوعي  بفكره  الخلاق ، فإن  أبي القاسم  سعد الله  استطاع أن  يغني المكتبة  الوطنية و ينمّي مخزونها القومي العلمي بثرواته المعرفية و إبداعاته الفكرية . و أنتج في مجال تخصّصه " ترسانة " من  المؤلفات الموسوعية ، يتقدّم موسوعته  الأولى ، كتابه  الضخم " تاريخ  الجزائر الثقافي " كالدوحة  التي  ألقت بأغصانها على جمهور القرّاء و نخب المجتمع الجزائري و العربي في عشرة مجلدات أو أجزاء ، بمجموع 5071 صفحة ، و موسوعته الثانية " أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر " الموزّعة  في خمسة  مجلّدات بمجموع 1675 صفحة  ،  و موسوعته الثالثة هي رسالته للدكتوراة ،  عنوانها " الحركة الوطنية  الجزائرية " بمجلّداتها الأربعة و  تعداد  صفحاتها 1880 صفحة .

فضلا  عن كتبه  الأخرى  التي  زادت عن 40  مؤلفا ، اشتملت  على  التراجم  و الدراسات  المختلفة و  التحقيق و الإبداع الأدبي بمختلف ضروبه . (9) 

ما تمّ ذكره ، شهادة إثبات بأن شيخ المؤرخين مدرسة تاريخية وطنية بكل المقاييس ، إذ أنه اجتمعت في خصاله العلمية أربعة صفات انصهرت في كيانه و استقرّت  في  وجدانه  ، فأزهرت حقله  و أنارت عقله . و هذه الخصال هي بالأساس ، صفة  " سعد الله المؤرخ ، الأديب ، الناقد ، و المنظّر " . لقد عبّر أبو القاسم سعد الله عن مفاهيمه و مواقفه من الحركة الوطنية الجزائرية في العديد من مؤلفاته و كتاباته ، غير أنّنا سنحاول إبراز ذلك من خلال بعض المحاضرات التي ألقاها أبو القاسم  في الملتقى الوطني الأول لكتابة تاريخ الثورة الجزائرية عام 1981 .

يحاول أبو القاسم سعد الله إيضاح مفاهيمه و تأسيس موقفه من الحركة  الوطنية  ، انطلاقا  من الاتجاهات  الفكرية و الثقافية التي ميزت مسيرة النضال الوطني التحرّري في الجزائر ما قبل الاستقلال ، و  بالتحديد فترة العشر  سنوات السابقة للثورة . اشتملت الحركة  الوطنية  فكريا و ثقافيا  على ثلاث اتجاهات  ، هي  في الأصل الاتجاهات الدينية  و الاتجاهات السياسية ، و الاتجاهات الثقافية . (10)

المعروف أن الحركة الوطنية تعني في حدّ ذاتها مجموعة ردود الفعل الوطنية الجزائرية ضدّ سياسة المستعمر الفرنسي  انطلقت مند أن وطأت  أقدام  المحتل  أرض الجزائر  الحرّة . و لذلك في البداية يوضّح سعد الله مفهومه لهذه المرحلة 

أن بداية النضال الوطني  التحرّري كان  منصبا على دحر المستعمر  و تخليص البلاد  منه . ذلك أن الحركة  الوطنية الجزائرية كانت بالدرجة الأولى سياسية تقوم على  مقاومة  المستعمر  بالسلاح  أولا ، خصوصا خلال القرن التاسع عشر ، ثمّ لجأت إلى العمل السياسي المنظم في شكل أحزاب و هيئات ، سواء كان التنظيم السياسي في الجزائر أو في فرنسا نفسها ، فإن محتواه الفكري و الثقافي كان ضعيفا إن لم يكن معدوما . (11)  فأبو القاسم سعد الله  ، يلغي أية علاقة بين الدافع  الفكري  و نظيره  السياسي التحرّري  في هذه الفترة  بالذات ، ممّا يرجح القول أن إرادة  التحرّر لدى الجزائريين في بداية الاحتلال نابعة من صميم  طاقتهم الفطرية التلقائية الخالية من أية  ثقافة سياسية أو فكرية .

3 ـ الاتجاهات الدينيـة :  إن ّ الفجوة  الفكرية  و  الثقافية  الحاصلة  في  بداية  نشاط  الحركة  الوطنية  الجزائرية  في  أوائل القرن  التاسع  عشر لا يراها  أبو القاسم سعد  الله  معوّقا للنضال الوطني التحرّري فحسب ، بل يفسّرها بيقظة الوعي الشعبي المبكّر و الملامح التي ستنضج نهضة سياسية تأخذ في مداها القريب الجوانب الفكرية و السياسية مع  مرّ الزمن و تدفع شرائح المجتمع الجزائري و نخبه  للتفاعل مع النظام الاستعماري  ، بغاية  رصّ صفوف المقاومة الشعبية التحرّرية  تحت راية  الجهاد . فالاتجاهات الدينية هي  في حدّ ذاتها  إحدى الروافد  المغذّية  للنضال  الوطني التحرّري حسب أبي القاسم سعد  الله . اتّسم نشاط التيارات الدينية على مدى  القرن التاسع  عشر بتعميق  مسيرة الوعظ الديني الرامي إلى غرس محبة الوطن في وجدان الأمة  انطلاقا من الذود  على قيم الإسلام  و مثل المجتمع بغاية مواجهة تداعيات الغزو الاستعماري و ما رفقه من تجهيل  و تفقير  و  تبشير  الموجه  بالأساس إلى تقويض مقوّمات المجتمع الأهلي . حمل رسالة التغيير و الإرشاد و التوعية رجال من النخب التقليدية ، لهم باع في مجال الفقه و التعليم و القضاء ، يتقدّمهم عبد القادر المجاوي و مولود بن الموهوب و بن عثمان خوجة ، الذين يعود لهم الفضل في بلورة برنامج الاتجاهات الدينية طوال القرن التاسع عشر . و حسب سعد الله ، فإن نشاط  هؤلاء  الرجال  تمثل أصلا في جهودهم الفردية بإلقائهم للدروس الدينية من فقه و تفسير و تعليم داخل المساجد و المدارس القرآنية . 

لقد كان هؤلاء الرجال  مركز  إشعاع  فكري  و أدبي بكتاباتهم  الفقهية و  إنتاجا تهم الأدبية تمكّنوا من خلالها التصدّي للمدرسة الاستعمارية التي كان أصحابها يروّجون  بأفكارهم  شرعية  و مشروعية  الغزو  الفرنسي الجزائر مطلع القرن التاسع عشر. استطاعت هذه النخبة من المثقفين الجزائريين من الرّد على دعاة الفكر الكولونيالي و منهم ألكسيس طوكفيل و ألفونس دي لامارتين و جول فيري و غيرهم من ذوي النزعة الاستعمارية الفرنسية .

حاولت  الإدارة الفرنسية  في بداية  الاحتلال  توظيف كل أدوات السيطرة  على  المستعمرة بأقل  التكاليف بغرض استكمال مخطط الغزو في ظروف هادئة . و لذلك شجّعت الاستيطان بشكليه الرّسمي و  الحرّ ، و انتهاجها  لسياسة التبشير و التمييز و التفقير . إلا أن المستعمر لم يجد الوضع كما تصوّره دعاته ، و جاء الرّد مباشرا و موحّدا من قبل الجزائريين مند بداية الاحتلال إلى متمّ القرن التاسع  عشر . في هذا المضمار ،كان  المحرّك القوي  في  هذا الشأن هو الوازع الديني الذي حملت لواءه النخب الدينية و ثقافتها المحافظة ، فأسهمت في إشعال لهيب المقاومة  المسلّحة .

    تمثل النخب الدينية توجّهات نضالية و إصلاحية ، غدّت الحركة الوطنية و كانت منطلق المقاومات الشعبية إبان القرن التاسع عشر ،  تنقسم حسب رأي شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله إلى ثلاثة  تيارات تحرّرية رئيسية :

    التيار التقليدي : يحصره شيخ المؤرّخين في موقف رجال الدين من الاستعمار سلبا و إيجابا ، فنراه  يصف الدور الايجابي لأصحاب التيار التقليدي بمصطلح " الإسلام المجاهد " . (12)   يتجلّى هذا الموقف في مسيرة  الجهاد التي قادها رجال الطرق الصوفية من  المرابطين  أمثال لالة  فاطمة نسومر  ، الشيخ ابن الحداد ، الشيخ  بوعمامة ، على امتداد مرتفعات الإقليمين التلّي  و الصحراوي ، فكانت بالفعل بطونا  للكفاح  و حصونا للمقاومات الشعبية  على مدى أزيد من خمس عقود من زمن القرن التاسع عشر . لقد حمل قادة الإسلام الجهادي  لواء المقاومة الشعبية برفع السلاح في وجه المستعمر الفرنسي و قواته الغازية ، محاولة منهم تطهير الوطن من وطأة الكافر .

فالدور الأكبر في المقاومة الوطنية العسكرية و الفكرية في بدايتها ، كان على عاتق هؤلاء  الرجال ، من ا لزوايا التي كانت وراء كل الثورات و الانتفاضات . (13) و تكفي الإشارة هنا إلى الطريقة الرحمانية و القادرية و الدرقاوية التي لعبت دور ا مؤثرا في المقاومات الشعبية ضدّ الغاصب الفرنسي . لهذا ، فأغلب الذين رفعوا السلاح  ضدّ الفرنسيين كانوا شيوخا أسندوا ظهورهم إلى مقدّمين  لطرق  معينة  خاصة الرحمانية و القادرية ،  مثل الشيخ  مولاي أحمد في منطقة الشرق الجزائري . (14)  نظرا لدورها المتصاعد في دعم وتيرة المقاومة مند بداية الاحتلال ، ازداد عدد مريدي الطرق الصوفية ، لأنها على رأي سعد الله ، حاملة لواء الإسلام المجاهد . و لهذا الغرض ،  تحوّلت حركة  الزوايا إلى قواعد شعبية للمقاومة التحرّرية أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر . لذلك ، تشير إحصائيات عام 1851 في قطاع الشرق الجزائري إلى تسجيل 67.13  ألف مريدا  للطريقة الرحمانية ، 15.64 ألف مريدا  للطريقة الطيبية و 8.34 ألف مريدا  للطريقة القادرية  ، و  4.95  ألف  مريدا  للطريقة التيجانية ،  و 1.17 ألف  مريدا  للطريقة الحنصالية . (15)  خلقت هذه الإيجابية في  الذهنية الاستعمارية  مشاعر التعجّب  و الذهول ، لمّا رأت فرنسا في التيار التقليدي المجاهد عزيمة تصفية المستعمر ، فأدركت أهميته في المقاومة ،  و راحت  تعمل بشتى  الوسائل على تقويضه و إبادته  بأساليب متعدّدة كتدجين قادته ، و ترهيب أتباعه . في هذا الصدد ، يقول سعد الله : " عمد المستعمرون إلى تفتيت القيادة الواحدة في الأسرة الدينية الواحدة ،  فجعلوا الابن ضدّ أبيه ،  و الأخ ضدّ أخيه ،  و المقدّم ضدّ شيخه ، و ربطوا كل  واحد منهم  بمصلحة  أو وظيفة ،  فجعلوا  بعض المرابطين  قيادا ،  و  وضعوا حوله  العيون  و أحاطوا البعض الآخر بالأبّهة ، و وصل بهم الأمر أن  زوّجوه  من فرنسيات ،  غير أن  بعضهم حرموه  و اتهموه و هكذا  ضاع السّر الذي كان أصحاب هذا الاتجاه يتمتّعون به عند الشعب . " (16)

و في المقابل ، عزّز النظام الاستعماري علاقته من التيار الثاني ، الممثل في الإسلام السكوني على حدّ تعبير أبي القاسم سعد الله ، الذي يعكس الوجه الآخر للتيار التقليدي . يمثل الموقف السكوني بعض الفرق من رجال  الطرق الصوفية و بالأخص بعض فروع الطريقة التيجانية و الطريقة الرحمانية و الدرقاوية . و يرى سعد الله  في  أمر  هذه الحركات الصوفية ، أنها لم تساهم إسهاما مباشرا في المقاومة . (17) و هذا يعني أنها وقفت موقف المؤيد أو المدافع عن مصالحها على حساب المسألة الوطنية ، ممّا يسّر على المحتل في بداية الاحتلال أن يتخذها حليفا طبيعيا له  في ضرب الحركات الصوفية الأخرى الدّاعمة لروح المقاومة . و لذلك يكون قد نجح المستعمر  في تشويه  الاتجاه الصوفي  و تفكيكه إلى نقيضين ، بحيث تحوّل ما يوصف بالإسلام السكوني إلى " مهزلة " عندما ضاع سرّ  تلك الفروع ،  فزالت  الهيبة في أعين الناس ، و غذت كلمة " المرابط" عشية اندلاع الكفاح المسلّح مرادفة لعبارات التخريف ،  الدّجل  و التخلّف بعدما كانت سلوكا و أسوة يقتدى به في التديّن و الوعي و التحرّر و الجهاد .

التيار المعتدل : من الطبيعي أن العاملين  في الحقل الديني كما يرى سعد الله ،  صنفان ، الصنف الأوّل من  المتصوّفة و يتشكل كما قلنا سابقا من الإسلام المجاهد ، أي التيار التقليدي المقاوم ، و الإسلام السّكوني ، أي التيار

التقليدي المتحالف ، و يعيش هذا الصنف  المركّب  من  أموال عامة  المجتمع . أمّا  الصنف الثاني ، فإنه يستفيد من أموال الدولة و يمثل رجالات الاتجاه  المعتدل من جمهور الفقهاء  ،  موظفون  عند الدولة  و  يقومون  بدور الإفتاء و القضاء و الإمامة و التعليم ، إنهم " النخب الدينية من العلماء " . ، تلقّى هؤلاء العلماء تكوينهم العلمي و  المعرفي في مدرسة المستشرقين الفرنسيين حسب رأي أبي القاسم سعد الله . و لما  شعر المسؤولون الفرنسيون  صعوبة  إيجاد العلماء  المتعاونين  معهم إبان  السنوات الأولى التي  أعقبت  الاحتلال ، بسبب  هجرة  بعض العلماء  الجزائر  بعد الاحتلال ، و عدم وثوق الفرنسيين  فيهم لأنهم لم  يتخرّجوا من  مدارسهم ، كانت حاجة المستعمر ملحّة  عليه أن يشرع في تكوين نخب من العلماء و المثقفين الجزائريين ، يقفون إلى جانبه و يعملون على إنجاح سياسته .

بعد تأسيس المدارس الفرنسية العربية الثلاث  سنة 1850 في الجزائر  و اتساع حركة الاستعراب ،  بغاية سعي فرنسا إلى ملء المكاتب العربية و إدارات الشؤون الأهلية ، تمّ تخرّج دفعات قليلة من تلك  المدارس ، تسلّم أصحابها وظائف دينية و تعليمية كانت شاغرة ، تخصّ الإفتاء  و القضاء  و التعليم  و الإمامة . و يقول سعد الله : " لم يكن الفرنسيون يوظفون من الجزائريين ، إلا أولئك الذين تخرّجوا على أيديهم و تحت إشرافهم  ، و يعملون العراقيل أمام المتخرّجين من المعاهد الإسلامية الأخرى  لعدم  الثقة  فيهم " . (18) و قد كان  هؤلاء  الرجال تحت أنظار المستعمر الفرنسي ، تحت الرقابة المستمرة ، و لم يكونوا أحرارا في نشاطهم فحسب ، بل ظلّوا موظفين مقيّدين و مجرّدين من أي الحق في الاعتراض و الرأي و النقد .

     غير أن السياسة الاستعمارية الفرنسية  المتبعة  في الجزائر خلال  هذه  الفترة، أنتجت أفواجا من النخب المجدّدة للتيار التقليدي ، استطاعت من خلالها الحركة  الثقافية  الجزائرية أن  تتفاعل مع تحدّيات عصرها . حاول بعضهم من تلك النخب التعبير عن موقفه باعتدال ، عن طريق اللجوء إلى التأليف  و بعث التراث الوطني . و في هذا الشأن يضرب سعد الله مثالا عن هذا الدور بقوله : " أسهم ابن أبي شنب في بعث التراث الوطني  ، و الحفناوي بن الشيخ و محمود بن دالي في الصحافة  الوطنية  و الرسمية ، و دعا آخرون  إلى اليقظة  العلمية  مثل ابن الموهوب  و المجاوي.

و انتقد آخرون التدخل في شؤون القضاء الإسلامي مثل المكي بن باديس ، و عبد الحليم بن سماية الذي وقف باسم الدين ضدّ التجنيد الإجباري للجزائريين في الجيش الفرنسي . و هناك من تأثر كما يرى سعد الله بأفكار  و  مبادئ الجامعة الإسلامية ، من أمثال مصطفى بن الخوجة الذي  دعا  إلى تحرير  العقل و الالتزام  بمبادئ  الإسلام الصحيح عن طريق التعليم و الاقتداء  بالأوربيين  في  مجال العمل  و الاجتهاد ، و هم  واثقين بأن الإسلام يركّز على ذلك .

شكّل أنصار هذا التيار كتلة من النخب الجزائرية ، يصفها أبو القاسم سعد الله باسم" كتلة  المحافظين " . تتكوّن هذه الكتلة من المثقفين  التقليديين أو  العلماء  ، و من المحاربين  القدماء  ، و من زعماء  الدين  و بعض الإقطاعيين و المرابطين  ، و من  بعض المعلّمين  و الصحفيين  المتأثرين  بفكرة  الجامعة  الإسلامية ، الذين تخرّجوا  من المدارس القرآنية و المدارس الفرنسية الجزائرية . ركّز أصحاب التيار المحافظ المعتدل على  نبذهم  للأفكار الغربية ،  التجنيس و التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي ، و دعوا إلى المحافظة على النظم الإسلامية  و التعليم العربي  و الحرص على القيم و التقاليد القديمة ، لكنهم من الناحية  السياسية  رفضوا مقاومة  المستعمر ،  متمسّكين بإرادة  الله إلى حين أن تتحقق معجزة تخليص البلاد من  المحتل الفرنسي . (19)  و من الشخصيات البارزة  لدى كتلة  التيار المعتدل ، الممثلة لأفكار و قيم كتلة المحافظين ، الشيخ عبد القادر المجاوي  ، سعيد بن  زكري ،  عبد  الحليم  بن سماية ،  مولود بن الموهوب ، و حمدان بن  الونيسي الذي كان أستاذا لعبد الحميد بن باديس . (20 )     

يمثل هذا الاتجاه بكل ما يحمله من  مميزات و بكل ما له من تحوّلات ، إرهاصات الحركة الوطنية الجزائرية خلال السنوات الأولى التي رافقت  الاحتلال  الفرنسي  إلى نهاية  القرن  التاسع عشر . تجلّت  تلك الإرهاصات  في بوادر الحركة الإصلاحية في شكلها التقليدي القائم على النضال  الفردي التوعوي المدافع  عن  مقوّمات الأمة  الجزائرية . 

من هذا المنطلق ، احتلت قضايا المجتمع و ثوابت الأمة المسلمة مقتضيات دعاة هذا التيار الوطني الإصلاحي .

التيار الإصلاحي : من بين الاتجاهات الفكرية التي احتضنتها الحركة الوطنية هنالك  التيار الإصلاحي الذي هو فرع من فروع الاتجاهات الدينية . فالاتجاه  الإصلاحي حسب شيخ  المؤرخين أبي القاسم  سعد الله ، لا يبدأ تاريخه بميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين  في ثلاثينية  القرن  الماضي  و أنما  تعود أصوله  إلى النصف الثاني من  القرن التاسع عشر . لذا يقول سعد الله : " إن الدعوة إلى الإصلاح ، أقدم بكثير من  تاريخ  إنشاء الجمعية ، و بذور هذه الدعوة في كتابات عبد القادر المجاوي في السبعينيات عن  التعليم  ، و كتابات المكي بن باديس عن  إصلاح القضاء في التمانينيات من القرن التاسع عشر . " (21)  تمكّن الشيخ المجاوي  من نشر أفكاره الإصلاحية عن طريق  التعليم في مدارس الجزائر و قسنطينة ، و تخرّج على يده كل من ابن أبي شنب ، مولود بن الموهوب ،  و مصطفى بن خوجة .

و من جهة  أخرى ،  أثرت جهود الشيخ المكي بن باديس  في سلك  القضاء  ، و استمرّت أفكاره  بعد في أحفاده أمثال حميدة بن باديس ، و الشيخ عبد الحميد بن باديس .

على هذا الأساس ، تعود جذور الاتجاه الإصلاحي إلى عوامل  رئيسية  بارزة ، و ترجع  في البداية  إلى كتابات و أعمال كتلة المحافظين ، أي التيار الديني المعتدل ، و انتشار أفكار الجامعة الإسلامية و زيارة محمد عبدو إلى الجزائر مطلع القرن الماضي ، و انتعاش الحركة الثقافية بين الجزائر و بلاد المشرق عن طريق الزيارات و الرسائل المتبادلة بين المهاجرين في الجزائر و إخوانهم في  المشرق العربي . و في  هذا الشأن  يقول سعد الله : " و ما إقامة  الشيوخ حمدان الونيس و الإبراهيمي  و العقبي في الحجاز قبل الحرب العالمية  الأولى ، و  زيارة  ابن باديس إلى  المشرق العربي أثناء الحرب العظمى ، و زيارة الطاهر الجزائري للجزائر ، إلا إرهاصات الإصلاح  في  الجزائر قبل  ظهور جمعية  العلماء؛ بل أنه يمكننا أن نعد ّ حركة الأمير خالد حركة إصلاحية ، و هي قد ظهرت قبل أو واكبت حركة  العلماء " . (22)

تأسّست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس من ماي 1931 بنادي الترقي في  الجزائر العاصمة  برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس ، و بعد وفاته في السادس عشر من أبريل 1940 ، تقلّد رئاسة  الجمعية الشيخ  البشير الإبراهيمي . فإذا كانت جهود الجمعية الإصلاحية  استمرارية لحركة  الإصلاح  التي انطلقت أواخر  القرن  التاسع عشر على يد أصحاب  التيار الديني  المعتدل ، فإن  فجوة  الاختلاف  واسعة  بين  المدرستين  في التصوّر و  المنهج و الهدف و الإستراتيجية . فالإصلاح الذي دعا إليه العلماء  يختلف  في عمقه  و حجمه  عن حركة  الإصلاح التي سبقت  جمعية  العلماء . ركز المصلحون  السابقون  نشاطهم  الإصلاحي على النصوص الأدبية  و  المقالة الصحفية و تجلّى آثارهم في الجرائد و خطب الجمعة و النوادي الثقافية و مؤلفاتهم الفقهية.

و بالمناسبة ، يورد شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله نص خطبة للمولود بن الموهوب عندما تولّى منصب الإفتاء في قسنطينة ، ركّز فيها على محاربة المسلمين للجهل و التعصّب ، و حبّ  العلم  و التحلّي  بالتسامح  و تقليد جيرانهم الأوربيين المتفوّقين  ، و دعا إلى اكتساب المعارف بقوله : " زينوا أفكاركم بالمعارف و اتركوا النوم ، يا قوم ،  فإنه ليس أمس كاليوم ، فمن  ترك التعلّم ، فهو الجلمود لأن الزمان زمان سباق ، و كل شيء له المعرفة صداق ..." (23) .

و لذلك تميزت حركة الإصلاح لدى الاتجاه المحافظ بخصوصيات واضحة ، جعلت إيديولوجيتهم  الدينية تتصف حسب أبي القاسم سعد الله ، بالإصلاح المحتشم أو الحذر ، لأنهم كانوا أناس مدينين في الأغلب للإدارة الاستعمارية بوجودهم . أما العلماء المسلمين  الجزائريين ،  انصبّ  نشاطهم  الإصلاحي في  رأي  سعد  الله  على العمل السافر الجريء ، القائم على تصفية الدين من الخرافات  و بعث التعليم العربي ،  و  إحياء  التراث  بنشر حضارة  الإسلام و تنشئة جيل يؤمن بهذه القيم ليدعم الحركة الوطنية . انطلاقا من هذه الأسس ، يقول شيخ المؤرخين عن العلماء :

" فإن إصلاح العلماء ، قام  على خطة  عمل مرسومة  للوصول  إلى هدف محدّد  و يكفي أن نقول أن  برنامجهم يمثل دفعة جديدة ربطت  الإصلاح  بالدين  و الدنيا ،  و بالتراث و الوطنية . (24)   هذا و يرى  البعض من المفكرين الجزائريين ، أن الاتجاه الإصلاحي كان له الدور الأبرز  في  بعث النهضة  الثقافية  و تعميق الوعي الوطني الحضاري المنتفض على البدع و التحجر و الانزواء  إلى الماضي العقيم . فالاتجاه  الإصلاحي كما  يراه سعد الله  و غيره ، أنه فكر متقدّم و متطوّر بالقياس مع الاتجاه السابق ، بل هو ثورة عليه . لقد أحدث  الفكر الإصلاحي نوعا من التوازن بين الماضي و الحاضر و أوجد جسرا بينهما ، فهو  يختار من  الماضي ألمع  فتراته ، و يسعى إلى التوفيق بين الحضارة الإسلامية  و  بين الحضارة  الغربية  الغازية . (25)  حمّلت  راية الإصلاح  بمفهومه  الحديث  جمعية  العلماء  المسلمين الجزائريين مند تأسيسها في الخامس من ماي 1931 ، بفكر مستنير و متفتح على عكس التيار المحافظ ، معلنة رسالة التحرير في بعد الواسع ، يؤدي بالوطن في المدى البعيد إلى التحرّر الشامل أو الاستقلال التام . إن غاية الجمعية غاية إصلاحية ، تهدف إلى تطهير الدين و العودة إلى الأصول لاستنباط الأحكام  ، و تنشئة  جيل جزائري جديد  مسلّح بثقافة وطنية و فكر عربي ، ليتمكن في المستقبل من تحقيق الأمنية الغالية و هي الاستقلال . (26) 

يعكس التيار الإصلاحي بكل تجرّد روح  النهضة الجزائرية  التي مكّنت رجالاته  من اكتشاف الصلة  بين الواقع  الجديد و موقف المجتمع من  هذا الواقع  و كيفية التفاعل مع  متغيراته  و تداعياته . من هنا استطاع  أصحاب  هذا الاتجاه الوطني حسب أبي القاسم سعد ، إيجاد القدرة على تصحيح  هفوات التيار التقليدي  من خلال  بعث حركة إصلاحية تنفرد بتنظيمها و برنامجها و أطرها و إستراتيجيتها عن التيار التقليدي  ، في  مواجهة النظام الاستعماري .

خاتمــة

من خلال ما تقدّم ، يمكن استخلاص حقائق تاريخية  في غاية الأهمية عن الحركة الوطنية  خلال  القرن التاسع عشر ، انطلاقا من الاتجاهات الدينية التي مثل روادها مسيرة  النضال الوطني على مدى هذه المرحلة التاريخية .

على هذا الأساس ، ينبغي أن نقول في حق هذه التيارات الوطنية الدينية ، أنها اتسمت  صيرورتها التاريخية و النضالية بجملة من التطوّرات و المتغيرات ، استفادت منها فيما بعد الحركة الوطنية الجزائرية مع طلائع القرن العشرين .

ركّز دعاتها على مقاومة المستعمر انطلاقا من التمسّك  بعناصر الهوية الوطنية  العربية الإسلامية ، و  ذلك عن طريق الخطاب الديني الذي تلك التيارات و التي مسألة الهوية من المقتضيات الجوهرية  للأمة .

تنوّع الاتجاهات الدينية دلالة على خصوبة مسيرة  ردّ الفعل الوطني على الاستعمار  الفرنسي من  جهة ، و الوقوف في وجه مخطّطاته الرامية إلى الاستيطان و الاستيلاء و الإخضاع من جهة أخرى . 

نشوء نخبة وطنية متشبعة بالوازع  الديني ، كانت بمثابة  الحصن الحصين في مجابهة  سياسة المستعمر ، و طاقة  مجدّدة و باعثة للمقاومات الشعبية .

بروز تيارات متباينة  في المنهج  و موحدة في الهدف ، أعطى دفعة  قوية ، سمحت  بنشأة حركة  إصلاحية  متكاملة الأهداف ، واضحة المعالم ، كانت وراء ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .

لذا ، يذهب بنا القول إلى اعتبار أن اهتمامات رجالات الاتجاهات  الدينية ، قد أثمرت جهودهم بتأسيس فكر وطني تحرّري ، كانت انطلاقاته الأولى تحصين الذات  و إصلاح  الأفراد  و توعية  المجتمع ،  بغرس  مشاعر حبّ  الوطن وتعميق ثوابت الأمة في الوجدان الجماعي والمحافظة على الذاكرة الجماعية و الذود على مقدّسات الكيان الجزائري . 

الهوامــش

(1) منتدى شخصيات بلادي ، " السيرة الذاتية لأبي القاسم سعد الله " ، الجزائر ، 2008 ، ص 2 .

(2) المرجع السابق ، ص 2 .

(3) أحمد بن السائح ، " الدكتور أبي القاسم سعد الله ، مؤسّس المدرسة التاريخية الجزائرية  " ، المكتبة الرقمية ، الجزائر ، 2013 ، ص 1 .

(4) أحمد بن السائح ، نفس المرجع ، ص 1 .

(5) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .

(6) أبو القاسم سعد الله ، " الذكرى الثالثة للثورة الجزائرية 1957 " ، مجلة الثقافة ، العدد 83 ، الجزائر ، أكتوبر 1984 ، ص ص 243 ـ 251 .

(7) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص 3 .

(8) منتدى شخصيات بلادي ، المرجع السابق ، ص ص 3 ـ 4 .

(9) أحمد بن السائح ، المرجع السابق ، ص ص 1 ـ 2 .

(10) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، 1981 ، ص ص 18 ـ 26  (11) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 18 .

(12) أبو القاسم سعد الله ، المرجع السابق ، ص 20 .                                                                                                                 

(13) حميدة عميراوي ، جوانب من السياسة الفرنسية و ردود الفعل الوطنية في قطاع الشرق الجزائري ،  الطبعة الأولى ، دار البعث للطباعة و النشر ، قسنطينة  الجزائر ، ص 64 .

(14) عميراوي ، نفس المرجع ، ص ص 64 ـ 65  .

(15) عميراوي ، نفس المرجع ، ص 65 .

(16) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 20 .

(17) سعد الله ، نفس المرجع ، ص ص 20 ـ 21 .

(18) سعد الله ، المرجع السابق ، ص 21 .                                                                                                                                (19) أبو القاسم سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية 1900 ـ 1930 ، ج 2 ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، الجزائر ، 1983، ص ص 151 ـ 152 .

(20) أبو القاسم سعد الله ، نفس المرجع ، ص 154 .

(21) أبو القاسم سعد الله ، " الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية الجزائرية " ، مجلة أول نوفمبر ، المرجع السابق ، ص 21

(22) أبو القاسم سعد الله ، الملتقى الوطني الأول لتاريخ الثورة ، 28 ـ 31 أكتوبر 1981 ، مجلة أول نوفمبر ، العدد 53 ، الجزائر ، ص ص 21 ـ 22 .

(23) أبو القاسم سعد الله ، " مساهمة بعض المفكرين الجزائريين في اليقظة الإسلامية في القرن التاسع عشر " ، ملتقى الفكر الإسلامي السادس من 24 جويلية إلى 10 أوت 1972 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، المجلد الرابع ، مطابع دار البعث ، قسنطينة ، 1973 ، ص ص 106 ـ 107 .

(24)  سعد الله ، نفس المرجع ، ص 22 .

(25) عبد الله ركيبي ، " دراسة مقارنة للتيارات الفكرية قبل الثورة و أثناءها " ، مجلة الأصالة ، عدد 22 ، خاص بالذكرى العشرون لاندلاع الثورة الجزائرية 1954 ـ 1974 ، منشورات وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية ، الجزائر ، ديسمبر 1974 ، ص ص 38 ـ 49 .

(26) أحمد الخطيب ، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و أثرها الإصلاحي في الجزائر ، المؤسّسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، 1985 ، ص ص 118 ـ